فاضل حمود الحمراني
تنعكس الذات نحو الأشياء الصغيرة التي تكون عادةً من المتعلّقات اليوميّة، أو يعود أصلها إلى حدثٍ ما يتمّ استحضاره مجدّداً من خلال الفعل الآني؛ لذلك نلاحظ أنّ الشاعر لا يغفل عن مهمّة الفلاش باك، ولا عن مهمّة القصديّة الإدراكيّة وكيفيّة توظيف مقاصد العالم الخارجي.
إنّ التجربة البصريّة وتجاذبها نحو الحدث تمتلك ما يدور في الخيال الذاتي، ومن هنا يكون لتجربة الوعي في الذات الحقيقيّة مخيالها في تصوير الظروف المحيطة بالشاعر من جهةٍ، والعودة إلى التأثيرات والمؤثّرات بأسسٍ قصديّة من جهةٍ ثانية.
إنّ الحركة الفعليّة للذات قادرةٌ على إيجاد وعيٍ وإنتاج أثرٍ معيّن، وتغيير المعالم المحيطة بالشاعر؛ فالشاعر يستدرج الأشياء ومتعلّقاتها الذاتيّة، كما في نصوص الشاعر العراقي فاضل حمود الحمراني.
(ذات الشاعر هي حقيقة الشاعر، هويّته الشخصية، ما به يكون الشاعر ذاته أي شاعراً بعينه، وليس أيّ شاعر، أي مقومات وجوده الواقعي أو الموضوعي بوصفه "إنسانا + متميزاً" أو "موهوباً" أو بوصفه "كائناً اجتماعياً تنهض فيه امكانيّة التفرد" – د. عبد الواسع الحميري – الذات الشاعرة في شعر الحداثة – ص 12).
لأنّها معشوقتي...
نجلسُ مثلَ كلّ ليلةٍ
معا نرمّمُ الكثيرَ من الأخطاء
نفكُّ أزرارَ الضوءِ
نطرّزُ ثيابَ اللقاء
نحبسُ أنفاسَ الصمت
ومن جيوبِ الذاكرة
نسرقُ الحكاياتِ العتيقة
قبل نهاية المطاف
أكشفُ لها عن حماقتي
وأنصحُها أن لا تكونَ مثلي
من قصيدة: أنفاس خانقة – فاضل حمود الحمراني
تحوي الذات عادةً منطقة الضوء، ومنطقة الفلاش باك، والعلاقة بينهما علاقةٌ ذهنيّة في الحركة والتفاعل. وعندما نكون في المنطقة الطبيعيّة، فإنّها تكون في حالة التفكير الطبيعي ضمن عاملٍ نفسي متاح. وكلّ هذه الذوات تعمل على إيجاد الفعل اللغوي في حالة الخلق النصّي، وهي ذواتٌ ناشطة، وتمتاز بلغةٍ نوعيّة، وتتّجه اشتغالاتها نحو الحاضر والماضي والآني.
لأنها معشوقتي... + نجلسُ مثلَ كلّ ليلةٍ + معاً نرمّمُ الكثيرَ من الأخطاء + نفكُّ أزرارَ الضوءِ + نطرّزُ ثيابَ اللقاء + نحبسُ أنفاسَ الصمت + ومن جيوبِ الذاكرة + نسرقُ الحكاياتِ العتيقة + قبل نهاية المطاف + أكشفُ لها عن حماقتي + وأنصحُها أن لا تكونَ مثلي
يبدأ الشاعر بانعكاسٍ مضيء؛ فهو يمرّر لغته عبر شطورٍ انسيابيّة، تارةً متذكّراً بعض المتعلّقات الذاتيّة بصيغتها الهادئة، وتارةً أخرى منتمياً إلى الانزياح الكتابي، لكي يُوجد لغةً شعريّة تؤدّي إلى منطقة التأثير، وهذا يحدث عندما نكون في أروقة التخييل الذاتي. ولكن، في الوقت نفسه، فقد أوجد الشاعر فاضل حمود الحمراني العوالم السببيّة من ناحية الجوهر والمضمون النصّي؛ فهو يقودنا، بوصفه معطىً، إلى منظومةٍ تواصليّة، بالرغم من أنّه ينتمي إلى النصّ القصير، الذي يكون عادةً أكثر شفافيّةً وأكثر تقشّفاً في اللغة.
ولكي نكون أكثر تفاعلاً، فإنّ الذات عادةً تتفاعل مع الآن، وهو الفعل الآني؛ فالأنا هي (أنا الآن) عادةً، وليست (أنا الماضي). وهكذا في اللغة الذاتيّة التي تتماشى مع الزمنيّة وإيجاد المخارج المقنعة – الحِجاجيّة – في تقرير العلاقة بين الذات والزمن.
حينما...
أدركتُ ضيقَ المكان
وسئمتُ اتساعاً
لم يأتِ على مقاسِ البقاء
اتخذتُ قراراً لا يبدو بطيئاً
أخترتُ رحيلاً لا يناسبُ
أرجلَ أحدَ غيري
من قصيدة: لا أحد غيري – فاضل حمود الحمراني
إنّ علاقة الأنا بالنصّ علاقةٌ ذاتيّة؛ لذلك، عندما يبحر الشاعر، فإنّه يُبحر من خلال الذات ومدى تبنّيها للحقائق التي يدركها شعريّاً، سواء أكانت تلك الحقائق تمسّ حياته من جهة، أم حياة المقرّبين منه، أم الحياة البيئيّة التي تُعدّ من أقرب الفضاءات إلى الشاعر، والتي تكون على علاقةٍ زمنيّة. فلفظة الأنا عند ابن سينا، مثلاً، دليلٌ على وجود النفس؛ فوجود النفس عنده يختلف عن وجود البدن، إذ إنّ الأنا عنده "شيء وراء البدن" – ابن سينا – رسالة في معرفة النفس الناطقة وأحوالها – مؤسسة هنداوي سي أي سي، المملكة المتحدة – ص 10.
حينما... + أدركتُ ضيقَ المكان + وسئمتُ اتساعاً + لم يأتِ على مقاسِ البقاء + اتخذتُ قراراً لا يبدو بطيئاً + أخترتُ رحيلاً لا يناسبُ + أرجلَ أحدَ غيري
يوفّر الشاعر القصد فيما يحدث بينه وبين محيطه، وبما أنّه حدّد المكان، فقد جعله كائناً حركيّاً، حاله حال تصوّراته التواصليّة؛ لذلك استطاع أن ينتج أثراً معيّناً، ويكون لهذا الأثر حالاتٌ من الإدراك والتصوّرات والحركة والبقاء والرحيل. إلّا أنّ بينه وبين الآخر مسافةً قصديّة ظهرت من خلال استهدافه لمضمون النصّ.
وهناك سأضعُ رأسي
على وسادةٍ من ريش الأسئلة
وأزيحُ عن جسدي
غطاءَ الأجوبةِ العاطلة
ثم ألعقُ بكلّ هدوءٍ
مرارة أصابع الاتهام
وألتهمُ بحذرٍ عزائي حين أنام
وعند تجمهر طوابير
الضوء من حولي
سأكشفُ لهم أمراً
ما من أحدٍ منّا برئ
وأبيّنُ بعضَ ملامحَ الذنوبِ
من قصيدة: لا أحد غيري – فاضل حمود الحمراني
(لا أحد غيري)؛ من خلال هذا المنطلق جعل الشاعر الانتماء إلى الأنا؛ لذلك، عندما يكون الشاعر منتمياً، فإنّه سرعان ما يتحوّل إلى مضامين من البراهين. وطالما نطرق باب البرهان، فنحن في منطقة اللغة الحِجاجيّة التي تتناسب كلّيّاً مع لغة الشاعر، والتي لا تتخلّى عن الاستدلال وانتظار النتائج التي يعكسها الشاعر من خلال المعنى الأسلوبي من جهةٍ، والمعنى الإيحائي من جهةٍ ثانية.
وهناك سأضعُ رأسي + على وسادةٍ من ريش الأسئلة + وأزيحُ عن جسدي + غطاءَ الأجوبةِ العاطلة + ثم ألعقُ بكلّ هدوءٍ + مرارة أصابع الاتهام + وألتهمُ بحذرٍ عزائي حين أنام + وعند تجمهر طوابير + الضوء من حولي + سأكشفُ لهم أمراً + ما من أحدٍ منّا برئ + وأبيّنُ بعضَ ملامحَ الذنوبِ
إنّ الفعل الحركي يتعلّق دائماً بفاعله، وذلك لغرض إنتاج المعنى، وثمّة علاقةٌ تجمع بين دالّ المفردة ومدلولها المتعلّق بالمعنى؛ فيتمّ استدعاء المعنى الحاضر والمعنى الغائب. ومن هنا يكون الدالّ مشحوناً بالمفاهيم ومنجزات المعاني؛ فإن كانت حاضرةً، فهي من المقرّبات، وإن كانت غائبةً، فهي من الأبعاد التي تستدعيها الذات لكي تستوطن النصّ من جديد. لذلك، فإنّ جلّ ما نلاحظه لدى الشاعر العراقي فاضل حمود الحمراني أنّه لا يبحث فقط عن ذاته والمعنى، بل يقودنا إلى لغة الاختلاف لكي يستقرّ في الدلالات اللامحدودة.
إنّ إشباع الرغبة من خلال اللغة والمعنى يجعلنا ننساق معه، وكأنّ الشيء الذي يبحث عنه يخصّ الآخر أيضاً: (لا أحدَ غيري = من يضع رأسه على وسادةٍ من ريش الأسئلة). وهذه المطالع تجعلنا أمام لغةٍ تجريبيّة، تجعل الآخر يتوقّف لإثارة الأسئلة، علماً أنّ الشاعر ليس بعيداً عن تلك الأجوبة العاطلة.
سأجعلكِ ...
تقضين أوقاتاً ممتعةً
وأمنحكِ مذاقاً لائقاً
سأعدُّ لكِ ما لذ وطاب
وما كنتِ تبتغين
حتماً ستشعرين بالارتياح
لن أخفي عليكِ سرّاً
الانتظارُ يرهقني
وأنا الشاهدُ الوحيدُ على قساوتِه
لا تغادري فما زلتُ متاحاً لسطوتكِ
أيّتها العللُ الماكثةُ بالجسدِ
لا أحدَ سواي
سأتدبّرُ أمرَ أوجاعكِ بمفردي...
من قصيدة: أيّتها العلل – فاضل حمود الحمراني
يُعدّ البعد الحسّي للذات من الأبعاد التأسيسيّة للنصّ؛ لذلك فإنّ عمليّة الاندماج تحدث منذ بداية اللفظة الأولى أو مطلعٍ من المطالع النصّية، ومن أقرب المحسوسات إليها تعالق المعنى والحدث، سواء أكان بصريّاً، أم كان حادثةً أو قولاً، كأن يكون من الأقوال المأثورة المؤثّرة. ولا تستغني الذات عن القول المتعلّق؛ إذ من خلال القول والقول المتقدّم تظهر تأسيسات المعاني النصّية.
(هل سنتصوّر الذات على هيئة أجزاءٍ زمانيّة مترابطة على نحوٍ أو آخر، ويشتدّ هذا الترابط حيناً ويرتخي حيناً آخر؟ أم أنّ الذات إنّما هي ذلك الرابط نفسه بين تلك الحالات الزمانيّة التي تمرّ على الفرد؟ إنّ البديل الثاني هو الذي يتّسق مع موقفنا الابتدائي في عرض التعريفات الممكنة، وهو الذي يسمح بالتمييز بين الذات نفسها وبين حالاتها، سواء كانت مشدودةً أم مرتخيةً. فكأنّ الذات خيطٌ أو خطٌّ ـ ونلاحظ أنّ خطر التشيّؤ يعود ليطلّ بوجهه على نحوٍ أو آخر ـ يعلو أو يهبط، أو حبلٌ يحمل حيناً هذه وحيناً تلك من الحالات.
— الدكتور عزّت قرني، الذات ونظرية الفعل، ط1، 2001م، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، ص 35.)
سأجعلكِ ... + تقضين أوقاتاً ممتعةً + وأمنحكِ مذاقاً لائقاً + سأعدُّ لكِ ما لذ وطاب + وما كنتِ تبتغين + حتماً ستشعرين بالارتياح + لن أخفي عليكِ سرّاً + الانتظارُ يرهقني + وأنا الشاهدُ الوحيدُ على قساوتِه + لا تغادري فما زلتُ متاحاً لسطوتكِ + أيّتها العللُ الماكثةُ بالجسدِ + لا أحدَ سواي + سأتدبّرُ أمرَ أوجاعكِ بمفردي...
من خلال القول وقول الآخر المنسوب في المشهد النصّي، تتشكّل تمثّلاتٌ ذاتيّة مع متعلّقاتها، تؤدّي إلى تصوير الواقع الذاتي من جهة، وإلى التصوير المشهدي من جهةٍ ثانية. لذلك فإنّ الممارسة الذاتيّة تُنسب إلى الفعل الذاتي بالدرجة الأولى، وما الـ"أنا" إلّا تمثّلاً ذاتيّاً، وكذلك بعض الضمائر المتّصلة والمنفصلة. ومن هنا تكون حركة الفعل الذاتي من خلال الغزارة التأثيريّة، كما نلاحظ لدى الشاعر العراقي فاضل حمود الحمراني، الذي يقودنا من خلال مشهده النصّي إلى بعض التصاوير التي عكست الواقع المنظور لديه. إلّا أنّ التوقّف هنا لا يكفي، بقدر ما نكون في منطقة المشهد غير المكتمل، حيث يكون التحرّر الذاتي من الرقيب أفضل منطقةٍ لتكامل المشهد الذاتي والبوح بما تعلّق من أساسيّات وتصحيحات جسديّة، وشموليّة اللوحة في التباعد والتعامد.
يثير الشاعر المبدأ السببي ونتائجه من خلال مفردة "العلل"، وحسب المفهوم المتداول للمفردة، فإنّها تشكّل عائقاً في الوصف من جهةٍ، وفي التحرّر من الآخر أو البيئة التي ينتمي إليها الشاعر من جهةٍ ثانية. ومن هنا تكون للمفردة دلالتها السلبيّة؛ فهي تتقن المعنى الحزين، وربّما تؤدّي إلى نتائج أكثر حزناً.
ثلاثة نصوصٍ قدّمها الشاعر وهو في الغفوة الشعريّة، حيث تكمن الأحلام ويظهر السبب التفاعلي من خلال الأفعال الحركيّة والانتقاليّة والتموضعيّة، ولكلّ فعلٍ موقعه؛ فيأتي تارةً في الموقع الأمامي، ويأتي في الموقع النفسي تارةً أخرى. لذلك يكون واقع المحسوس الخارجي المؤثّر الأوّل في حركة حواس الشاعر ومدى اندماجه الفعلي مع النصّ والنصّيّة.
***
كتابة: علاء حمد








