عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

نزار الديراني: الدير بين مأساة الحياة والبحث عن السعادة

(دراسة في قصائد نازك الملائكة)

تعتبر نازك الملائكة من أوائل المبدعين في الشعر العربي الحديث بقصيدتها (الكوليرا) التي يقول عنها الأديب والمؤرخ حسن الأمين بأنه وجد في مكتب إحدى الصحف العراقيّة أوراقا كان قد رماها المحرر في سلة المهملات، فقرأ ما سطر عليها فأعجبه، فأرسلها إلى الشاعر محمد علي الحوماني صاحب مجلة العروبة اللبنانيّة، وكان من ضمنها قصيدة الكوليرا لنازك الملائكة فنشرها في مجلته، ومن يومها دخلت مع السيّاب وقصيدته (هل كان حبا) عام 1947 في سجل مبدعي الشعر الحر.

ولدت نازك صادق الملائكة عام 1923 في بغداد، في عائلة أدبيّة معظم أفرادها يكتبون الشعر، فكان والدها صادق كما يقول عبد الوهاب البياتي مدرسا في الإعداديّة المركزيّة يعشق الشعر ويكتبه. تخرجت من دار المعلمين العالية في بغداد، وحصلت على شهادة الماجستير من الولايات المتحدة، ثم عادت إلى العراق وتعينت أستاذةً في كلية التربية بجامعة بغداد، ثم جامعة البصرة، فالكويت؛ لتكون أخيرًا في حياتها التدريسية . نشرت عدة دواوين شعريّة ودراسات نقديّة في الشعر، وكُتبت عنها دراسات عديدة ورسائل جامعيّة متعددة.

كتبت مطولتها الشعريّة (مأساة الحياة) عام 1945 وهي في الثانية والعشرين من العمر كنتيجة لتأثرها بالشعر الإنكليزي (كما تقول هي نفسها في مقدمة مطولتها) يوم كان العالم يعيش شبح الحرب العالميّة الثانية، وكانت الأوبئة والأميّة، وقوى الاستعمار والتخلف تنخر في جسدها، وهي تعيش في ظرف صعب، سواء كان نتيجةً لوفاة أمها وجدها، أم بسبب الآلاف من الموتى الذين قضى عليهم داء الكوليرا الذي تفشى في مصر، بينما شبح الموت يطاردها. وكما تقول في قصيدتها (الكوليرا):

طَلَع الفجرُ

أصغِ إلى وَقْع خُطَى الماشينْ

في صمتِ الفجْر، أصِخْ، انظُرْ ركبَ الباكين

عشرةُ أمواتٍ، عشرونا

لا تُحْصِ أصِخْ للباكينا

اسمعْ صوتَ الطِّفْل المسكين

مَوْتَى، مَوْتَى، ضاعَ العددُ

مَوْتَى، موتَى، لم يَبْقَ غَدُ

في كلِّ مكانٍ جَسَدٌ يندُبُه محزونْ

لا لحظَةَ إخلادٍ لا صَمْتْ

هذا ما فعلتْ كفُّ الموتْ

الموتُ الموتُ الموتْ

تشكو البشريّةُ تشكو ما يرتكبُ الموتْ

لذا تراها تقول في مقدمتها الآنفة الذكر: (فلم تكن عندي كارثة أقسى من الموت، كان الموت يلوح لي مأساة الحياة الكبرى، وذلك هو الشعور الذي حملته من أقصى أقاصي صباي إلى سن متأخرة). كانت الشاعرة تشكو وتندد بمآسي الحرب وتجار الحروب وقاتلي البشر وتدعو إلى السلام كما في قصيدتها (الحرب العالمية الثانية):

أسفاً ضاقتْ الميادينُ بالقتلى

وما عادَ يدمنُ الأموات

كانت في هذا الوسط المؤلم، وفي هذه الظروف القاسية، تبحث عن السعادة التي فشلت في العثور عليها على الأقل في وسطها الاجتماعي، فما كان منها إلا أن تبحث عنها في قصور الأغنياء المترفة، والأديرة، والريف، وفي أوكار اللصوص والمجرمين و... إلا أنها فشلت في كل ذلك عندما أيقنت أن شبح الموت يداهم البشريّة أينما كانت كما في قصيدتها (البحث عن السعادة):

قد بحثنا عن السعادةِ لكن

ما عَثرنا بكوخِها المسحورْ

أبداً نسأل الليالي عنها

وهي سرّ الدنيا ولغزِ الدهور

طالما حدّثوا فؤادي عنها

في ليالي طفولتي وصبايا

طالما صوّروا لعينيّ لقيا

ها وألقوا أنباءها في رؤايا

فهي آنا ليست سوى العطر والألوان

والأغنيات والأضواء

ليس تحيا إلا على بابِ قصرٍ

شيّدته أيدي الغنى والرخاء

وهي آنا في الصومِ عن متع الدنيا

وعند الزّهاد والرهبان

ليس تحيا إلا على صخر المعبد

بين الدعاء والإيمان

وهي في شرع بعضهم عند راع

يصرف العمر في سفوح الجبال

في مطولتها الأولى (مأساة الحياة) التي كتبتها سنة 1945، يوم كان جوها مليئا بالتشاؤم، يوم كان الموت أقسى كارثة في حياتها، فما كان منها إلا أن تبحث عن مخبأ للسعادة تأويها، وبعد أن فشلت في العثور عليها هنا وهناك، قصدت الدير وهي تتذكر أحاديث الناس (ومن مختلف الأديان والأجناس)، كيف تراهم يحصلون على أجوبتهم من خلال دعائهم، وتذرعهم أمام عتبات الدير، فما عليها إلا أن تبحث هي الأخرى عن بارقة الأمل في الدير. فكيف لا تقصده علها تجد السعادة هناك:

سر بنا سر بنا لعل لدى الرهبان

سر النعيم والآمال

هؤلاء الزهاد في القنة البيضاء

حيث الصفاء ملئ الوجود

علهم يعرفون ما قد جهلنا

عن شهابِ السعادةِ المفقود

وحين زارت الدير تفاجأت؛ لأنها لم ترَ فيه أجواء المرح التي تبتغي فيها السعادة، بل وجدت رهباناً تقرأ في وجوههم قساوة الحياة بسبب الزهد والتقشف، وكأنها ترى الوجه الثاني للموت. ففي قصيدتها (عند الرهبان) تقول:

عجبا أين ما يقولون؟ ما لي

لا أرى غير حيرة الأشقياء

ما الذي عندكم من البشر والأفراح؟

ماذا يا أيّها الزاهدونا؟

ليس إلا عمر يمرّ حزينا

يتهاوى كآبة وسكونا

حدّثوني عنكم فقالوا قلوباً

نُسجت من نقاوةٍ وثراء

ونفوس صيغت من الزهر والعطر

وهامت مع السّنا والّنقاء

أين هذا الذي يقولون عنكم

أيّها الراهبون؟ أين تراه؟

اسم (تاييس) لم يزل يملأ الكون

فأين الذي أضّلت خطاه؟

ما نسينا غواية الراهب المسكين

في حبّها، وكيف هداها!

يا له بائسا سما بابنة الإثم

إلى قمّة السماء وتاها

أيّها الراهبون لن تنبت الأزهار

والعطر والسّنا في النفوس

عبثا تهربون من مغريات العيش

كم في الوجود من تاييس

لن تذوقوا شهد السعادة ما دمتم

أناسيّ من تراب وماء

إلا أن الدير خيّب آمالها، فلم تجد في الدير سوى أناس تقرا في وجوههم أسى الحياة وشبح الموت، لم تجد في الدير سوى وجوه شاحبة ومسنّة ترى من خلالهم صورة حياتها:

لم أجد في تلك الصوامع غير الأوجه

الشاحبات والديجور

لم أجد غير وحشة تبعث اليأس

وصمت كمثل صمت القبور

هؤلاء الأشباح ماذا تراهم؟

آدميّون أم بقايا طيوف

فيم جاءوا وأية سلوى

وجدوها ما بين هذي الكهوف

فكيف لا تغادر الدير وشبح الموت يطاردها ووسائل الأعلام لا تتحدث إلا عن تجار الحروب:

أيها المعبد الحزين وداعا

أنت يا من لاذت به آمالي

لم أجد في حماك زهرة أحلامي

فيا ضيعة السّرى والكلال

لم أجد زهرة السعادة والأفراح

عند الزهّاد والراهبينا

آه ضاعت أيّام عمري وما زال

شراعي يطوي فراغا حزينا

عند شط الحياة ألقيت مرسى

زورقي في الضباب تحت الظلام

أرقب السائرين في الشاطىء الصخري

بين الوهاد والآكام

إلا أنها قبل العودة تنصح الرهبان - محال عليهم أن يتذوقوا شهد السعادة في أديرتهم طالما يحملون في جبلتهم الأولى خطيئة آدم وحواء- فما عليهم إلا أن يتمتعوا بالحياة لان الحياة كتبت للأحياء وقارعي كؤوس الشفاء:

أيّها الراهبون لن تنبت الأزهار

والعطر والسّنا في النفوس

عبثا تهربون من مغريات العيش

كم في الوجود من تاييس

لن تذوقوا شهد السعادة ما دمتم

أناسيّ من تراب وماء

وفي سنة 1950 عادت الشاعرة لكتابة مطولتها من جديد بعد أن أصبحت (وكما تقول في مقدمتها) مواردها الأدبيّة أغنى فأعادت نظمها من جديد بعد أن اختفى أمام عينيها شبح الموت لتحل محله فسحة الأمل، فتغيّر عنوان مطولتها من (مأساة الحياة) إلى (أغنية للإنسان) وتبدّل عنوان قصيدتها من (عند الرهبان) إلى (أنشودة الرهبان)، كما تبدّلت نظرتها إلى الأشياء التي حولها، فأيقنت أن الله لم يكن محبوساً بين جدران الدير ليجيب على دعاء الكثيرين ممن يقصدونه:

إنه الدير فيه ينتصر الموت

وفي قبوه يعيش الآه

في خفاياه، في ممرّاته السود

الحزينات لا يعيش الله

مسكن الصمت والكآبة والجدب

ومأوى الرغائب المدفونه

وصراع مع العواطف تصحي

ناره أذرع الليالي اللعينه

ولا يكمن في الدير عشب الخلود بل فيه أناس أتقياء تركوا صباهم وملذات حياتهم وحبهم وذكرياتهم بلا رجعة إليها، أملا أن يجدوا في الدير السعادة الأبديّة ليهبوا ذاتهم للآخر.. أناس جاءوا بعد صراع طويل مع مفهوم الحياة والسعادة الأبديّة فقصدوا الدير:

فأتينا الدير صرعى حيارى

علّ في ديجوره بعض سلوه

هذه يا حياة مملكة الرهبان

في عزلة وفي اكفهرار

دفنوها وكاد ينسى رعاياها

الحيارى حتى ضياء النهار

في هذه المرّة لم تجد في اوجه الرهبان شحوب ولا وحشة قاتلة ولا أشباح، بل وجدت أناسا أشبه بالنحل معتكفين في صوامعهم لا يخرجون إلا من اجل ارتشاف الرحيق من الأزهار، فيسدون آذانهم حتى عن صوت القنابر كي لا يعكر عليهم زهدهم وصلاتهم، في هذه المرّة لم يكن الصراع مع الموت بعد أن أيقنت أن الموت لا خلاص منه، بل كان صراعاً بين الراهب وعواطفه، فاستطاع بإيمانه القويم وصلاته الحميمة أن يتغلب على عواطفه وشهواته ويسخّرها من أجل رسالته، من أجل أن يسقي أرض الدير الجُدُوبة بعواطفه المكتومة، إلا أن الموت في نظر الشاعرة كالعنكبوت يقتحم أينما شاء:

ذلك العنكبوت ذو الأرجل الفضّة

هل منه مهرب أو ملاذ

انه من دمائهم يتغذى

وهو من قلب أمسهم أفلاذ

انه حبهم يعود إليهم

ينسج الذكريات والأهواء

لا تطيق الأسوار رد خطاهُ

فهو قد خالط الرؤى والدماء

وفي عام 1965 ولدت الصورة الثالثة لمطولتها وتحت نفس العنوان الثاني (أغنية للإنسان2) وبأسلوب مغاير ونظرة مغايرة، بعد أن زالت عنها، نظرتها المتشائمة لتتوشح بالاطمئنان والإيمان بالله، فأيقنت أن الدير ليس مأوى لمن يهرب من الموت؛ ولا حلبة للصراع مع العواطف والنـزوات بل هو مكان للتأمل وخلود النفس كما تقول في قصيدتها (في دنيا الرهبان):

ربنا سر بنا لعل لدى الرهبان

سرّ النعيم والآمال

هؤلاء الزهّاد في القّنة البيضاء

حيث الصفاء ملء الوجود

عّلهم يعرفون ما قد جهلنا

عن شهاب السعادة المفقود

قد سألت الرهبان عن كنزنا السّحري

لكن لم ألق منهم جوابا

في هذه الصورة، كشفت الشاعرة عن أسباب اختيار الرهبان للدير، الذي جاء نتيجة لإدراك الراهب أسرار الخلود التي خفيت على غيرهم، بعد أن اختصتهم الأنجم بالكشف عن تلك الأسرار دون سواهم . فقصدت الدير وهي واثقة في هذه الحالة من العثور (لدى الراهب) على الكنـز المفقود من خلال براءة صلاته وشغفه:

إن في أفقكم جلالا وشعرا

وسكونا مطلسم الأستار

وصلاة لله تقطر حبا

طّهرتها يد الدموع الغزار

ثم عادت لتقارن بين ما سمعته عنهم (الرهبان)، من أنهم يمتلكون قلوبا نقيّة، ونفسا طيّبة وهم يتوشحون بالضياء، وبين ما تلمسته عندهم، وهم يحولون ديرهم إلى عذابا ووهماً، وحيث صوامعهم رثّة:

فلم الحزن والشحوب يطلاّن

لديكم من أعين وشفاه؟

يلقيان الظلال فوق وجوه

صامتات المرأى خواء الجباه؟

فتعود الشاعرة ناصحة إياهم بالكف عن ذلك لأن جهودهم في قلع جذور تاييس والاتحاد بالله ستبوء بالفشل، لأن الصراع بين الخير والشر، سيبقى قائما أبد الدهر:

واسم تأييس لم يزل في شفاه الريح

يتلى على الوجود اللاهي

رمز قلب ممزق بين صوتين

نداء الهوى وصوت الله

وحيث الإنسان يستطيع أن يرى الله ويتحد به لا في القلاية المعزولة وحدها بل في كل مكان عليه أن يغيّر نظرته مثلما غيّرتها هي نفسها؛ فبدلا من أن تكون السعادة في الدير وهو موصد الأبواب؛ تكون فيه عندما تكون أبوابه مفتوحة للحياة، وبدلا من أن تستقر هذه السعادة عند الوجوه الشاحبة والملابس الرثّة؛ تجدها أكثر عند الوجوه المتفائلة والملابس النظيفة والأنيقة، فعادت تنصح الراهب أن يبتعد عن الألم وعذاب النفس مكتفياً بما لديه من براءة النفس وقوة الإرادة ونقاوة القلب، يكفيه كل ذلك وصلاته الطاهرة تقطر حباً، فتعود مرة ثالثة إلى حيث أتت بعد أن أيقنت أن الله والسعادة موجودة في كل مكان وزمان:

وسألقي ربي هناك بعيدا

عن دياجيك إن ربي ضياء

وطريقي يمتد حيث يد الله

جمال ورحمة وارتواء

فدرب الحياة خضراء

وذراع الوجود يفرش خصبا وثراء.

***

نزار حنا الديراني

في المثقف اليوم