عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

سعيف علي: نهج الدُّو لأحمد بن إبراهيم: اقتصاد اللغة واتساع المعنى

تُعد مجموعة «نهج الدُّو..» لأحمد بن إبراهيم الصادرة في اواخر سنة 2025 تجربة لافتة في كتابة القصة القصيرة جدا. تتجاور فيها نصوص الحكاية مع الصورة. ويتقاطع فيها السرد مع الشعر، ويقوم التناص وسيلة لإغناء الدلالة لا مجرد استعراض للمرجعيات.

يحمل عنوان المجموعة دلالة تستحق التوقف. ف «الدو» يحيل إلى علي الدوعاجي أب القصة القصيرة التونسية وهو أمر يحمل ارهاصات وإشارات دالة عن مسار وتطورو استمرار السرد القصصي التونسي. يذكر التقديم النقدي لعلي غازي أن هذا الجنس الأدبي يقوم على «الجملة المقتصدة، واللفظة الدالة، والمعالجة الفنية التي تستوجب حذف كل ما هو زائد وفائض عن هدف النص وبؤرته، وتكثيف الأحداث والوصف لتعميق دلالات السرد، واختزال الفضاء الزمكاني والشخوص للابتعاد عن التقريرية، وتوظيف الرمز والتناص والأنسنة والغرائبية والشاعرية» (ص 8).

تقترح هذه القراءة مقاربة المجموعة تنظر إلى العمل الأدبي بوصفه بنية تتحقق دلالتها في فعل القراءة نفسه دون التورط في نظريات التلقّي بصفة مباشرة. يصبح القارئ حليفا في إنتاج المعنى لا مستقبلا له فحسب. يصلح هذا لقراءة نصوص لا تمنح دلالتها جاهزة، تترك فراغات، وتحذف روابط، وتنتهي قبل أن تكتمل، فتدفع القارئ إلى ملء ما سكت عنه النص.

العتبة والتناص: «نهج الدّو...» بوصفه نصا مفتاحا

يفتتح الكاتب مجموعته بنص يحمل عنوانها نفسه، «نهج الدو...»، ويرد فيه اسم الدّوعاجي صراحة بين أسماء ثلاثة كتّاب فرنسيين، في مشهد يجمع العاطل الكسول الباحث عن خروف العيد بامرأة غامضة تقوده إلى غرفة مليئة بالألواح الزيتية والتماثيل والموسيقى. يضع السارد الدّوعاجي في مصاف كامو ولامرتين وهوغو، لكنه يفعل ذلك من داخل المدينة العتيقة لا من داخل موسوعة أدبية، فالإحالة هنا شعبية، والدوعاجي حاضر بوصفه نهجًا يُمشى فيه لا تمثالًا يُوقف أمامه.

ينتهي النص بمفارقة قاسية. يفرح الأطفال بالكبش، وتبكي الزوجة، ويقسم الرجل على الطلاق، ثلاث ردود فعل تنعقد في جملتين اثنتين فقط، بلا شرح ولا تعليق، في مشهد يترك القارئ وحده أمام تفسير هذا التناقض المفاجئ.

يستدعي هذا النص قارئا يعرف الدوعاجي وكامو ولامرتين وهوغو معًا، فهذا القارئ وحده من يبلغ عمق الإحالة، والنص يفترضه سلفًا، وهذا الافتراض بذاته جزء من بناء المعنى قبل أن تبدأ القراءة الفعلية.

التكثيف والفراغ: بنية استدعاء

يظهر ذلك بوضوح في نص «فراغ»: «جارتي بجسدها المبلّل فتنة. غابت عن نافذتي الواطئة. نبتة "المهبولة" هي السبب» (ص 46). لا يشرح النص العلاقة بين الجارة والنبتة، ويكتفي بإثباتها، فيُترك للقارئ أن يبني الصلة بنفسه: أهي سبب واقعي، أم رمز لما لا يُقال صراحة؟ يظل السؤال معلقًا، والفراغ هنا فراغ إنتاجي لا سلبي.

في نص «احتفال»: «تراءت له ساحة الحرية في الليل سوقًا مشتعلة. نزع ثوبه وعرضه للبيع. لأن تلاميذه يقلّدون حركته تلك..» (ص 13). يمكن قراءة المشهد بوصفه مفارقة بين الحرية والجسد، فتتحول الحرية إلى سوق، ويتحول الجسد إلى سلعة، وتدخل حركة الشخصية في فضاء التقليد والتعليم. غير أن الجملة الأخيرة تعيد ترتيب المشهد بأثر رجعي. كان القارئ يقرأ نزع الثوب فعلًا عبثيًا، فإذا بالجملة الأخيرة تقلب القراءة، ويصبح الفعل درسًا تربويًا يُنقل إلى جيل كامل من التلاميذ.

يعتمد نص «إيقاع» على تفصيل صغير يتحول إلى سبب لانفصال حاد «سقط مشموم الفلّ من فوق أذنه وهو يمشي في السوق صحبة زوجته. طلّقها حينها لغفلتها» (ص 59). الفراغ بين سقوط الزهرة والطلاق هو كل مادة القصة، بلا تفسير ولا تمهيد، وهو ما يفتح أمام القارئ ثلاثة أسئلة في آن واحد: هل الطلاق مبرر؟ هل هو قسوة عابرة؟ أم تعبير عن هشاشة كانت كامنة أصلًا في العلاقة؟ النص لا يرجّح واحدًا منها.3302 ahmad

القطع السردي والتقطيع البصري

تتجه بعض نصوص المجموعة إلى بناء المشهد من خلال انتقالات حادة، لا يهتم فيها السرد بإقامة جسور واضحة بين اللقطات. ينتقل القارئ من صورة إلى أخرى وكأنه أمام تقطيع سينمائي لا وصفا متصلا، فيُترك له وحده أن يصل الأجزاء المتباعدة.

في نص «عند الفجر»: «جال الطفل اليتيم أرجاء الحي القصديري ممسكًا بعظم لساق شاة اتخذه نايا. اندفع وراءه أترابه متهامسين "لقد تعشى هذا اللعين لحمًا حدّ التخمة؟" ساقه نغمه خارج الحي فتناثر أشلاء» (ص 14). تأتي النهاية بصورة مفاجئة لا يشرح النص سبب التحول إليها، وتشبه حركتها في بعض جوانبها القطع السينمائي الذي ينتقل من الهمس إلى العنف دون مشهد وسيط يبرر الانتقال.

يقدم نص «حُضن» مشهدًا آخر قائمًا على الاختزال: «يرتمي بثقله على الكرسي. يطلب من النادلة "التلميذة" قارورة خمر وكأسين. يستعمل واحدة طوال جلسته والأخرى يرسم عليها طفلة على شاكلة الجنين. ثم يملؤها خمرًا ويغادر مرددًا في نفسه "متى ستناديني أبي؟"» (ص 49). تحمل الكأس صورة طفلة غائبة، ويرتبط الرسم بالسؤال الأخير ارتباطًا لا يفسره النص، فيمكن أن تُقرأ الكأس بديلًا رمزيًا عن الطفلة، ويصبح عنوان «حُضن» جزءًا من شبكة الفقد والأبوة التي يبنيها القارئ من العلاقة بين هذه العناصر المتناثرة.

ينتقل نص «دنيا» سريعا بين الشجار والبكاء والغناء: «ما إن خرجت من المعهد حتى التحق بها. عرض عليها في شاشة هاتفه صورًا لخصومة بين أبيها وأمها وهي تنعته بالفجور. انطلقت نحو دارهم مرّت بينهما وهما يتخاصمان. بكت بشدة حتى نامت. استفاقت على صوت أبيها يغني. وأمها ترقص في انتشاء» (ص 67). تنتقل الفتاة من حالة إلى نقيضها تمامًا من التوتر إلى الانفعال ثم إلى الغناء، دون أن يقدم السرد تفسيرًا مطولًا لهذا التحول، فيبقى التناقض داخل المشهد نفسه، وعلى القارئ أن يقرر أي الحقيقتين أصدق.

بنية الجملة: الاقتصاد كخيار تركيبي

لا يقتصر الاقتصاد في «نهج الدُّو..» على حذف الأحداث أو الروابط بين الجمل، بل يبدأ من الجملة نفسها في تركيبها الداخلي. الجملة هنا قصيرة في الغالب، وتمتد قليلا حين يستدعي المشهد ذلك، لكنها نادرًا ما تطول لتشرح، فتتوقف عند حد الإشارة تاركة التوقف نفسه مساحة يملؤها القارئ.

ما يلفت في هذا البناء هو حذف الفاعل أو تعويمه في مواضع القمع تحديدا. في «دمهم الأسود» تفتتح القصة بفعل بلا فاعل مسمّى: «أخرجوهم من أرضهم وشرّدوهم في الصحراء» (ص 11)، فضمير الغائب الجمعي لا يُسمّى في النص كله، ويبقى الجلاد بلا هوية، بينما يُسمّى الضحايا وحدهم بضمير المفعول. هذا التوزيع النحوي وحده، لا الحدث المروي، هو ما يصنع بنية القمع: من يملك الفعل لا يُذكر، ومن يقع عليه الفعل هو وحده الحاضر لغويًا في الجملة.

كما أن الجملة الاسمية القصيرة التي تقطع تسلسل الجمل الفعلية عند نقاط الحسم. في «فراغ» تأتي الجملتان الأوليان فعليتين، ثم تُختتم القصة بجملة اسمية جامدة: «نبتة "المهبولة" هي السبب» (ص 46). ضمير الفصل «هي» يصنع لهجة الحكم القاطع، فتُغلق القصة بصيغة التقرير بعدما كانت بصيغة السرد، وهذا الانتقال من الفعل إلى الاسم هو ما يمنح الجملة الأخيرة وزنها الختامي، لا محتواها وحده.

بالنسبة الى ضمائر الإشارة والوصل التي تحيل إلى غير مذكور، فتفرض على القارئ إعادة بناء المرجع بنفسه. في «إيقاع»: «سقط مشموم الفلّ من فوق أذنه وهو يمشي في السوق صحبة زوجته. طلّقها حينها لغفلتها» (ص 59). كلمة «حينها» ظرف زمان يحيل إلى لحظة السقوط، لكن الجملة لا تربط نحويًا بين السقوط والغفلة إلا عبر هذا الظرف وحده، بلا أداة سببية تصل الفعلين، فتترك الرابط معلقًا في الفراغ النحوي بين جملتين مستقلتين، وهذا الفراغ هو ما يحمل المفارقة لا التصريح بها.

كما يحظر تكرار الجملة نفسها بتحوير طفيف، وهي تقنية تظهر بوضوح في «آخر حلم..»، حيث تتكرر عبارة «مرّ يوم كامل ولم يأت» (ص 18) بضمائر متبادلة بين المتكلمين، فيتحول الحوار من تبادل معنى إلى تبادل صيغة نحوية بحتة، وكأن الشخصيتين تتقايضان الجملة نفسها لا الكلام، وهذا التماثل النحوي هو ما يذيب الفارق بينهما تدريجيًا حتى يتوحد صوتاهما في النهاية.

يلحظ بوضح غياب أدوات الربط السببية منها والاستدراكية، في مواضع كان يُنتظر فيها وجودها. في «حصاد» تتوالى الجمل «فتقدم خفية وأطلق النار. سمع صرخة مخنوقة. صرخ فرحا» (ص 57)، بلا أداة تفصل بين الفرح والصرخة المخنوقة، فيقرأ القارئ الفرح والفجيعة في السطر نفسه دون أن يوجهه النص إلى أيهما أصدق. الجملة في هذه المجموعة تُبنى إذن لتخفي فاعلها حين يكون القمع موضوعها، وتتجمد اسميًا حين يكون الحكم غايتها، وتترك الرابط معلقًا حين تكون المفارقة أداتها؛ البناء النحوي هنا ليس وعاء للمعنى، بل هو المعنى نفسه في كثير من هذه المواضع.

ضوء وظل وصوت

تستفيد بعض نصوص المجموعة من العناصر البصرية والسمعية في بناء المشهد، فيصبح الضوء جزءًا من السرد لا خلفية له، وتؤدي الأصوات وظيفة موازية في صناعة التوتر أو المفارقة.

يبني نص «الغراب» عالمه من الطرق والريح والشمعة والظلام: «طرق خفيف على الباب. "لعلّها الريح"، فقلت في نفسي "طرق من جديد. لعلّها حبيبتي السمراء"، همست. عرجت الباب قليلًا وبحذر. رقص ضوء الشمعة الأصفر. ظلام كثيف، رياح خفيفة، شيء ما نقر قدمي، إنه غراب. تفرّسني بعيون مشتعلة ودخل في خطوات عنيفة» (ص 36). يمنح توزيع الضوء والظلمة المشهد طابعًا تشويقيًا يتجاور فيه المرئي والمخفي، ويتحول الغراب من طائر إلى عنصر في بناء الرهبة قبل أن ينكشف عن جثة شاب أسمر تنهشها الصقور في نهاية النص، دون أن يُفسَّر الرابط بين الزائر الليلي وهذه الصورة الأخيرة.

يؤدي الصوت وظيفة واضحة في نص «وقع»: «وقع حذاء زوجته يرقصه وهو يتبعها في السوق.. نبهه الشرطي قائلًا: "قرنا رأس الخروف ثقبا سلّتك" أنزلها من فوق رأسه وانحنى ليعالجها. انفجرت زوجته ضاحكة لصوت تقطع سرواله من الخلف» (ص 55). تتحول الأصوات الثلاثة، وقع الحذاء ثم صوت الشرطي ثم صوت التمزق، إلى جزء من الحدث لا خلفية له، فتسهم في صناعة المفارقة أكثر مما يسهم أي وصف بصري مباشر.

يبلغ الصوت وظيفة مختلفة في نص «آخر حلم»، إذ تنتهي التجربة كلها بصرير مزعج لعجلات القطار (ص 19). فتأتي النهاية الصوتية فاصلًا حادًا بين الحلم والواقع، وتمنح القفلة أثرها المفاجئ الذي يعيد تعريف الحوار الطويل الذي سبقها.

المفارقة والقفلة: صدمة تأويلية

تحتل المفارقة موقعًا مركزيا في عدد من نصوص المجموعة، إذ تعيد الجملة الأخيرة أحيانًا ترتيب ما سبقها بالكامل، فتتحول النهاية إلى مفتاح للقراءة لا مجرد ختام لها. القفلة في هذه المجموعة ليست نهاية بقدر ما هي بداية تأويل جديد يبدأ حيث انتهى النص.

يقدم نص «طريق الخطأ» نموذجًا واضحًا لهذه البنية «أهانته جهرًا في الحفل. ركبا السيارة. داعبته بمعسول كلام متقطع. انتبه إلى حديقة منزل تطل منها أعناق الورود كأنها تحييه. قطع واحدة حمراء. أراد أن يضعها على صدرها فصرخت وفتحت الباب وهربت. صدمتها سيارة مجنونة. قبل أن يلمسها انتبه إلى الدم في كفيه. صرخ "لم أقصد قتلها."» (ص 47). تغير القفلة معنى المشهد السابق بالكامل. فيتحول المسار العاطفي إلى مأساة. وتأتي العبارة الأخيرة نفيًا للقصد عن الفعل، تاركة سؤالين معلقين. هل ينفي القصد المسؤولية؟ وهل يبرر الفعل العاطفي هذا الموت؟ النص لا يجيب عن أي منهما.

قمع وعبث

يحضر القمع في نص «صراخ» (ص 21) بوصفه صدى لمقاومة تنتهي إلى عدم، لا بوصفه خطابًا مباشرًا: «يبدو أنه قضى فترة طويلة يدفع في الجدار. رفاقه لا قدرة لهم على تهدئته. في الغد صباحًا أيقظهم بصراخه: "لقد حرّكت الحائط. هيا لنهرب." كوّة الباب الحديدي تنبعث منها هبرة نور ترتسم على الحائط المقابل ابتسامة صفراء. مازال يصرخ يحرّض رفاق الثورة الوهميين على الهرب. أبلغ الحارس مسؤوليه. اقتحمت الزنزانة قوة من الحرس. فثقبوا جسده برصاص أبيض. حين سقطت جثته على الحائط أعادته إلى مكانه دون إراقة دماء». يقوم النص على مفارقة بين المقاومة والعجز: تظهر الثورة من خلال وعي الشخصية وحده، بينما يحضر القمع في صورة الحرس والرصاص، ويأتي العبث في النهاية حين تعيد الجثة الحائط إلى حالته الأولى. فيمحو المشهد أثر المواجهة كأنها لم تقع.

اما عبارة «دون إراقة دماء» فتكتسب أهمية خاصة في هذا السياق. إذ يصبح القتل نفسه خاليًا من أثره الظاهر، ويبدو القمع كأنه لم يحدث، بينما تظل الجثة وحدها شاهدة على ما جرى فعلًا، فيُترك القارئ أمام هذا التناقض بين المحو المعلن والحقيقة المستترة.

مفارقة اجتماعية

يطرح نص «لا فرق» مسألة الطبقة الاجتماعية من زاوية لا تخلو من سخرية: «رفضه أهل الفتاة التي أحبها بدعوى أنه لا ينتمي للطبقة الأرستقراطية. لازم الحانة التي يشتغل بها صديقه. حيث يذهب كل ليلة ليغني صحبة فرقة موسيقية "هاوية". حدث أن استدعي إلى حفل زفاف في حي شعبي. لم يصدق. كانت الفتاة الأرستقراطية هي المطربة المصاحبة للفرقة الشعبية..» (ص 56). تقوم المفارقة على اجتماع عالمين متباعدين ظاهريًا في شخص واحد: الفتاة الأرستقراطية التي ترفضه عائلتها هي نفسها مطربة الفرقة الشعبية التي يلازمها كل ليلة، فتتزعزع صلابة التصنيف الطبقي الذي بدأت به القصة.

يحضر التناقض أيضًا في نص «إنسانية»: «افترش المشرد الزبالة. قهقه لفوضى الذباب والقطط حوله نام متوسدًا سرواله. تهامس طلبة كلية الطب وهم يسرعون في تنظيف هيكله العظمي من بقايا المبيدات..» (ص 16). يدخل العنوان نفسه في مفارقة مع المشهد: تحضر كلمة «إنسانية» في مقابل جسد لم يحظَ بها إلا بعد أن صار عظامًا يُدرَّس عليها، فلا يصرخ النص، بل يكتفي بعرض الصورة تاركًا التناقض يتولد من تجاور العنوان والمشهد وحده.

المنفى وذاكرة الأرض

تتصل بعض النصوص بقضايا الأرض والاقتلاع وتبدل الهوية، ويضغط الكاتب هذه القضايا الكبرى في مشاهد قصيرة جدًا، فتتحول الأرض إلى ذاكرة، ويصبح الجسد نفسه حاملًا لأثر التاريخ عليه.

يقدم نص «دمهم الأسود» صورة جماعة أُخرجت من أرضها وشُردت في الصحراء: «أخرجوهم من أرضهم وشرّدوهم في الصحراء بدعوى بدائيتهم وأنهم في المكان الخطء. التحقوا بهم إلى الصحراء بدعوى أنهم من جديد في المكان الخطء. الحقيقة التي جاهروا بها كل العالم أن هذه الصحراء هي خزان دمهم الأسود» (ص 11). تكتسب الصحراء هنا معنى يتجاوز المكان الجغرافي، إذ تتحول من فضاء للمنفى إلى مستودع للذاكرة والدم، فيصير الطرد نفسه اعترافًا لا عقابًا.

نص «نجاح» أيضا يمثل مسارًا مكثفًا من التحول: «رست سفينتهم الشراعية الوسخة بأرض خصبة. دخلوها حذرين. إنها غابة كبيرة.. أصبح السكان الأصليون شقر البشرة وأصبح لسانهم غريبًا. وبعد مدة رقصت كفوفهم يمينًا وشمالًا تتلمس حجم صدورهم التي حدّدتها طقوس البنادق والسيوف» (ص 65). يضغط النص تاريخًا طويلًا من الاستعمار في صور قليلة: تتغير البشرة، وتتغير اللغة، ويتغير الجسد نفسه، بينما يحضر العنف في الخلفية بوصفه القوة التي أعادت تشكيل هذه الأجساد وحركتها.

يأتي معنى الأرض بصيغة مختلفة في نص «قيل..»، حيث تتحول وصية الأب المتكررة، «أوصيكم أولادي ألا تفرطوا في أرضكم»، إلى قصة تُروى للأبناء كل ليلة عند ضوء شمعة، قبل أن يكتشف الأبناء في الجملة الأخيرة أنها نُشرت لاحقًا في كتاب باسم امرأة قيل إنها إحدى ضحايا الأب نفسه (ص 39). تتحول الأرض هنا إلى ذاكرة عائلية مزدوجة الوجه: وصية حانية من جهة، وسرّ مظلم يُكتشف متأخرًا من جهة أخرى، فتصبح القصة التي رواها الأب حكاية عن أب آخر لم يعرفه أبناؤه قط.

العنوان المقتضب

تحمل نصوص المجموعة عناوين قصيرة إلى أبعد حد، غالبًا كلمة واحدة أو كلمتين: «فراغ»، «إيقاع»، «صراخ»، «حُضن»، «غريب»، «وقع». هذا الاقتضاب في العتبة ليس تفصيلًا شكليًا. هو امتداد للاقتصاد اللغوي نفسه إلى المستوى الأول الذي يلتقيه القارئ قبل النص، فالعنوان لا يلخص الحكاية ولا يمهد لها. انه يشير إلى كلمة واحدة يُفترض أن تنمو معانيها كلها داخل السطور القليلة التالية.

 في المقارنة بين عنوان «إنسانية» ومضمونه القاسي. تقوم المفارقة كلها على المسافة بين الكلمة الواحدة في العتبة والمشهد الذي يليها. العنوان هنا لا يوجه القراءة توجيهًا مسبقًا بقدر ما يضع أمام القارئ لغزًا صغيرًا عليه أن يحله بنفسه بعد الفراغ من القراءة، لا قبلها.

نص مفتوح وقارئ شريك

تكشف «نهج الدُّو..» عن كتابة تراهن على القارئ، فلا تمنحه دلالاتها جاهزة. تتركه أمام فراغات وروابط محذوفة تدفعه إلى بناء المعنى بنفسه، فيصبح شريكًا في إنتاج النص لا متلقيًا له فحسب.

تتمثل قيمة المجموعة في قدرتها على تحويل القليل من الكلمات إلى مساحة واسعة للتأويل. تنتهي القصة في الصفحة، لكن معناها لا ينتهي بالضرورة. يبقى أثرها في ذهن القارئ، حيث يبدأ فعل القراءة من جديد.

***

سعيف علي

في المثقف اليوم