عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: حين تكتب الأرضُ نصَّها

النقد الإيكولوجي من جمالية الطبيعة إلى أخلاق الوجود

لم تعد الطبيعة في الأدب الحديث مجرد مشهد تتكئ عليه الحكاية، ولا خلفية صامتة تتحرك أمامها الشخصيات، ولا مفردات زخرفية تستعير منها اللغة ألوانها وروائحها وأصواتها. لقد أخذت، في لحظة نقدية فارقة، تستعيد حقها في أن تكون موضوعاً للسؤال، وشريكاً في إنتاج المعنى، وربما ذاتاً لها حضورها وذاكرتها وحقها في الوجود. ومن هنا جاء النقد الإيكولوجي لا ليضيف الطبيعة إلى قائمة موضوعات النقد الأدبي، بل ليعيد النظر في موقع الإنسان نفسه داخل العالم.

فالسؤال الإيكولوجي لا يتوقف عند: كيف وصف الأدب الطبيعة؟ وإنما يذهب إلى ما هو أعمق: أي علاقة يقيمها النص بين الإنسان والعالم الطبيعي؟ وهل يرى الإنسان مالكاً للطبيعة أم كائناً مندرجاً في نظامها؟ وهل الأرض مجرد مادة للاستهلاك، أم ذاكرة حية تتشكل فيها هوية الإنسان ومصيره؟

إن هذه الأسئلة تنقل النقد من حدود الوصف الجمالي للطبيعة إلى مساءلة البنية الفكرية التي أنتجت علاقتنا بها. فالطبيعة، في المنظور الإيكولوجي، ليست شيئاً يقع خارج الإنسان، وإنما هي المجال الذي يتشكل فيه وجوده المادي والرمزي والأخلاقي. ولذلك فإن تدمير الغابة ليس تدميراً للأشجار وحدها، وتجفيف النهر ليس إلغاءً للماء فحسب، واقتلاع شجرة ليس فعلاً مادياً عابراً؛ فقد يكون ذلك كله محواً لذاكرة، وقطعاً لجذر، وإعادة صياغة قسرية للمكان والإنسان معاً.

- من مركزية الإنسان إلى أخلاق الكائن

من أهم التحولات التي أحدثها النقد الإيكولوجي مساءلته للمركزية الإنسانية، ذلك التصور الذي وضع الإنسان في مركز الكون، ونظر إلى الكائنات الأخرى باعتبارها موارد أو أدوات قابلة للتملك والاستثمار والاستهلاك.

لكن ماذا لو قلبنا السؤال؟

ماذا لو لم نسأل فقط: ماذا تمنحنا الطبيعة؟، بل سألنا: ماذا فعلنا نحن بالطبيعة؟

عند هذه النقطة يتغير موقع الإنسان في النص. يصبح النهر أكثر من مجرى للماء، والغابة أكثر من فضاء للوحشة أو الجمال، والحيوان أكثر من استعارة، والصحراء أكثر من مكان جغرافي، والشجرة أكثر من صورة شعرية. إنها كائنات تشارك في صناعة الدلالة، حتى وإن لم تتكلم بلسان بشري.

وهنا تكمن إحدى أجمل إمكانات الشعر: أن يمنح الصامت لغة، وأن يجعل ما لا يستطيع الكلام حاضراً في بنية القول. حين يقول الشاعر إن الأرض تتنفس، أو إن الشجرة تحفظ أسماء الغائبين، أو إن النهر يشيخ، فهو لا يمارس لعبة بلاغية فحسب، وإنما يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والعالم. اللغة نفسها تصبح وسيلة لتفكيك الحدود الوهمية بين ما نسميه «الإنسان» وما نسميه «الطبيعة».

- الأرض ليست مكاناً

في الأدب العربي، وخصوصاً في الشعر، لا تظهر الأرض دائماً بوصفها جغرافيا محايدة. إنها في كثير من النصوص أمٌّ وذاكرةٌ ونسبٌ وبيتٌ وهوية.

وهنا تكتسب القراءة الإيكولوجية خصوصيتها، لأن الأرض لا تُقرأ باعتبارها تربة فحسب، بل باعتبارها حاملةً لتاريخ الإنسان. الحقل ليس مساحة زراعية وحسب، والشجرة ليست نباتاً فقط، والماء ليس عنصراً طبيعياً مجرداً، فكل واحد منها قد يتحول إلى مستودع للذاكرة.

ولذلك يمكن للنقد الإيكولوجي أن يفتح في النص العربي أسئلة جديدة حول العلاقة بين الإنسان والمكان: كيف تتحول الأرض إلى هوية؟ كيف يصبح اقتلاع الشجرة اقتلاعاً للذاكرة؟ كيف يتحول النهر إلى استعارة للحرية؟ وكيف تصبح الصحراء فضاءً للوجود والتيه والبحث عن الذات؟

إن الطبيعة هنا لا تُستعمل لتزيين النص، بل تتحول إلى بنية دلالية تشارك في تشكيله.

- فلسطين: حين تصبح البيئة جزءاً من سؤال الوطن

ولعل الأدب الفلسطيني يقدم واحداً من أكثر المجالات خصوبة أمام القراءة الإيكولوجية؛ لأن العلاقة بين الإنسان والأرض فيه ليست علاقة جمالية أو وجدانية فقط، وإنما هي علاقة وجودية وتاريخية وسياسية.

فحين تُقتلع شجرة الزيتون، لا يُنتزع جذع من الأرض وحسب؛ إذ يمكن أن يُقتلع معه تاريخ عائلة، وذاكرة قرية، وطقس فلاحي، وسلسلة من الأسماء التي توارثت المكان جيلاً بعد جيل.

وحين تُجرف الحقول، لا يختفي محصول موسمي فقط، بل تتعرض منظومة كاملة من العلاقة بين الإنسان والمكان للتفكيك. وحين تُصادر المياه أو تتغير معالم الأرض أو تُقتلع الأشجار، يصبح السؤال البيئي متشابكاً مع سؤال السلطة والسيادة والعدالة والحق في المكان.

من هنا لا يعود ممكناً قراءة الأرض في الشعر الفلسطيني باعتبارها رمزاً سياسياً فقط. إنها كائن حي داخل منظومة الذاكرة والمقاومة.

إن الزيتونة الفلسطينية، مثلاً، لا تختزل في رمزيتها السياسية الشهيرة؛ إنها أيضاً شاهد نباتي على الاستمرار، وكائن يختزن الزمن في جذعه، ويصل الماضي بالحاضر، ويمنح الذاكرة شكلاً مرئياً. ولذلك فإن الاعتداء عليها يمكن أن يُقرأ في مستويين متداخلين: اعتداء على البيئة، واعتداء على الذاكرة.

وهنا يلتقي النقد الإيكولوجي بالنقد ما بعد الاستعماري؛ إذ يتبين أن السيطرة على الأرض كثيراً ما تعني السيطرة على مواردها، ومائها، وأشجارها، وحيواناتها، ومساراتها الزراعية، وعلى العلاقة الثقافية التي بنتها الجماعة مع المكان.

- الاستعمار بوصفه استيلاءً على الإنسان والطبيعة

لم يكن الاستعمار في تجاربه التاريخية الكبرى سيطرة على الإنسان وحده، فقد كان أيضاً إعادة تنظيم قسرية للعلاقة بين الإنسان والأرض.

الأرض تُرسم حدودها، والماء يعاد توزيعه، والغابة تتحول إلى مورد اقتصادي، والحيوان إلى سلعة، والمعدن إلى ثروة تستخرج وتُنقل، بينما يُدفع سكان المكان الأصليون تدريجياً إلى الهامش.

ومن هنا تتولد فكرة العدالة البيئية: من يملك الموارد؟ ومن يستفيد منها؟ ومن يدفع ثمن استنزافها؟ ومن يتحمل آثار التلوث والتجريف والتصحر وتغير المناخ؟

إن هذه الأسئلة تجعل النقد الإيكولوجي يتجاوز الطبيعة بوصفها موضوعاً جمالياً إلى الطبيعة بوصفها مسألة عدالة.

وهنا تتجاور الإيكولوجيا مع النقد الاجتماعي والسياسي وما بعد الاستعماري، فتغدو قراءة الأدب قراءةً في أنظمة القوة التي تحدد من يحق له أن يسكن، ومن يحق له أن يملك، ومن يحق له أن يشرب الماء، ومن يدفع ثمن الخراب.

- حين تصبح الشجرة شخصية أدبية

في القراءة التقليدية قد تكون الشجرة وصفاً للمشهد. أما في القراءة الإيكولوجية فقد تصبح الشجرة شخصيةً صامتة في النص.

ليس لأنها تتكلم بالضرورة، بل لأنها تؤثر في مسار الوعي، وتختزن الزمن، وتستدعي الذاكرة، وتربط الإنسان بمكانه.

الشجرة التي يقف تحتها الطفل ليست الشجرة نفسها حين يعود إليها بعد عقود. لقد تغير الطفل، وربما تغير المكان، لكن الشجرة تظل حافظةً لما لا يستطيع الإنسان الاحتفاظ به.

وهنا تنفتح البلاغة على الفلسفة: ما الذي يجعل شيئاً ما حياً في وعينا؟ وهل الذاكرة ملك للإنسان وحده؟ أم أن المكان نفسه يشارك في حفظها؟

إن النقد الإيكولوجي يتيح لنا أن نقرأ الاستعارة بوصفها أكثر من تزيين لغوي. فعندما تصبح الأرض أماً، والشجرة ذاكرة، والبحر غاضباً، والنهر شاهداً، فإن اللغة لا تصف الطبيعة فقط، وإنما تعيد توزيع الكينونة بين الإنسان وغير الإنسان.

- مناخ النص ومناخ العالم

ولا تقف الإيكولوجيا الأدبية عند الأشجار والمياه والحيوانات؛ إذ يمكن أن تمتد إلى المدينة الحديثة بما تحمله من ضجيج واستهلاك وتلوث واغتراب.

فالمدينة في الرواية والشعر قد تبدو فضاءً للحركة، لكنها قد تكون أيضاً فضاءً لاختناق الإنسان بالطوب والإسمنت والآلة. وقد تتحول العمارة إلى استعارة لانفصال الإنسان عن الطبيعة، بينما يصبح الحنين إلى الريف أو الحديقة أو البحر حنيناً إلى توازن مفقود.

ومن هنا يستطيع النقد الإيكولوجي أن يقرأ حتى الصمت في النص: ماذا غاب عن المشهد؟ أين اختفت الطيور؟ لماذا لم يعد النهر كما كان؟ لماذا صار الهواء ثقيلاً؟ لماذا تحولت الحقول إلى إسمنت؟

أحياناً تكون الكارثة البيئية أكثر حضوراً فيما لا يقوله النص مما يقوله.

- الأدب بوصفه تمريناً على المسؤولية

لكن هل يستطيع الأدب أن ينقذ العالم؟

ربما لا.

غير أنه يستطيع أن يغيّر الطريقة التي ننظر بها إلى العالم.

وهذه ليست وظيفة قليلة.

فالأدب لا يقدّم بالضرورة حلولاً علمية للاحتباس الحراري، ولا يستطيع أن يعيد نهراً إلى مجراه، لكنه قادر على أن يجعل القارئ يرى الشجرة بوصفها أكثر من خشب، والماء بوصفه أكثر من مادة، والحيوان بوصفه أكثر من سلعة، والأرض بوصفها أكثر من عقار.

إنه يعيد للوجود قدرته على إثارة الدهشة، وللأشياء التي اعتدناها حقها في أن تُرى من جديد.

وهنا تكمن القيمة الأخلاقية للنقد الإيكولوجي: إنه لا يقرأ الأدب فقط، بل يحاول أن يقرأ علاقة الإنسان بالعالم من خلال الأدب.

- نحو إيكولوجيا عربية للنص

ولعل الأدب العربي بحاجة إلى تطوير حساسيته الإيكولوجية الخاصة، لا باستنساخ المفاهيم الغربية، وإنما باستعادة ما تختزنه الثقافة العربية نفسها من تصورات عميقة عن الماء والشجرة والصحراء والحيوان والأرض والمطر والمواسم.

ففي التراث العربي والإسلامي طبقات واسعة من الوعي بالطبيعة وبالتوازن بين الكائنات، كما أن الشعر العربي القديم حافل بتفاصيل النبات والحيوان والمطر والبرق والروابي والوديان والنجوم. لكن المطلوب اليوم ليس العودة إلى الطبيعة بوصفها مادة وصفية، بل إعادة مساءلة علاقتنا بها في ظل عالم يواجه التصحر، وشح المياه، والتلوث، وتغير المناخ، والزحف العمراني، والاستغلال المفرط للموارد.

ومن هنا يمكن للنقد الإيكولوجي العربي أن يؤسس مساحته الخاصة عند تقاطع الأدب والبيئة والهوية والذاكرة والعدالة والاستعمار والاقتصاد والثقافة.

إنه نقد لا يسأل فقط: ماذا قال الشاعر عن الشجرة؟ بل يسأل أيضاً: أي عالم أنتج هذا القول؟ وأي علاقة بالطبيعة تكشفها اللغة؟ ومن يملك الأرض في النص؟ ومن يُقتلع منها؟ ومن يتكلم باسمها؟ ومن يصمت حين تُدمَّر؟

- حين تستعيد الأرض صوتها

في النهاية، لا يكمن جوهر النقد الإيكولوجي في تحويل الأدب إلى منشور بيئي، ولا في مطالبة الشاعر بأن يكون ناشطاً في حماية الغابات والأنهار، وإنما في إعادة اكتشاف حقيقة أكثر عمقاً: أن الإنسان ليس جزيرة منفصلة عن العالم، وأن خراب الطبيعة هو، في جانب منه، خراب للإنسان نفسه.

وحين يقرأ النقد الأدب من هذه الزاوية، فإنه لا يبحث عن الطبيعة في النص فقط، بل يبحث عن النص الذي تكتبه الطبيعة داخل الإنسان.

ربما لهذا تصبح الشجرة أكثر من شجرة، والنهر أكثر من ماء، والبحر أكثر من أفق، والأرض أكثر من تراب.

تصبح كلها صفحاتٍ من كتاب الوجود.

وعندئذ لا يعود السؤال: كيف كتب الإنسان الطبيعة؟

بل يصبح السؤال الأكثر قلقاً:

ماذا ستكتب الطبيعة عن الإنسان، حين تنتهي البشرية من كتابة تاريخها؟

***

بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين

في المثقف اليوم