عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

هاله السروجي: قراءة في قصيدة الشاعر نور الدين حنيف

يُعدّ الشاعر المغربي الأستاذ أبو شامة نور الدين حنيف واحداً من الأصوات الشعرية التي تستحق التوقف عندها وتأمل عوالمها؛ إذ تتسم نصوصه بعمقٍ فكري يكشف عن رؤية واعية للإنسان والحياة، وجمالٍ لغوي يضفي على عباراته سحراً خاصاً، وصدق شعوري يجعل القارئ قريباً من نبض تجربته. ولا تقف قصائده عند حدود التعبير عن المشاعر، بل تتجاوز ذلك إلى ملامسة قضايا الإنسان وأسئلته وقلقه وأحلامه، في لغةٍ تجمع بين قوة المعنى ورهافة الإحساس. ومن هنا، تبدو قراءة شعره رحلةً ثريةً في عوالم الفكر والجمال والشعور...

القصيدة:

عندَما تتحوّل عدْوى القطيعِ منَ الدّهْماءِ إلى النّخبة:

دَهْماءُ شانَتْ وُجودَها سائِمَهْ

مِثْلَ الْقَطِيعِ انْساقَتْ بِلا لائِمَهْ

*

عَذَرْتُها إذْ لَفَّتْ بِها ثُلّةٌ

خَرْقاءُ مِنْ أحْزابٍ غَدَتْ حاكِمَهْ

*

و الْمَشْهَدُ الْآنَ: نُخْبَةٌ شَابَهَتْ

دَهْماءَ... قدْ رامَتْ جَهْلَها راغِمَهْ

*

كِلاهُما اسْتَحْلى صَمْتَهُ تابِعًا

رأْسٌ بِقاعِ الرّمْلِ انْطَوَتْ نائِمَهْ

*

تخْشَى صَهِيلَ الْبَقَا لَدَى عِزّةٍ

عنْ رَكْضِها اخْتارَتْ راحَةً واهِمَهْ

*

تهْفُو إلى عيْشٍ يرْتَضِي نِعْمةً

مِنْ طاعِمٍ كَاسٍ... رَامَها دائِمَهْ

*

غِرّانِ... غَرّتْهُما الدُّنَى لَذَّةً

أرْدَتْهُما خَيْبَةً... قَضَتْ لاطِمَهْ

*

قَطِيعُ نُخْباتٍ باعَ ذِمّاتِهِ

بَخْسًا بِسُحْتٍ... بضاعةٌ عادِمَهْ

*

بِنَرْجِسٍ ساوَمَ الْوَرى تافِهًا

قدْ قدّمَ الذّاتَ قُبْلَةً لاثِمَهْ

*

نُخْباتُ مسْخٍ تملّقَتْ زُلْفَةً

تسَلّقَتْ نجْمَةً... بدَتْ فاحِمَهْ

*

هذا مَقَالِي... تنْسِيبُهُ واجِبٌ

فَلا تُقَوِّلْنِي كذْبَةً رَاجِمَهْ

هذه القصيدة تحتمل قراءة فلسفية عميقة؛ لأنها لا تتحدث عن القطيع بوصفه جماعة من العامة فقط، بل تنقل السؤال إلى مستوى أكثر إزعاجاً: ماذا يحدث عندما تفقد النخبة وظيفتها النقدية، وتتحول هي الأخرى إلى قطيع؟

- القراءة الفلسفية

المحور الأساسي في النص هو مفارقة القطيع. الشاعر يبدأ من الصورة التقليدية للدهماء التي تنساق بلا تفكير:

"مثلَ القطيعِ انساقتْ بلا لائمه"

لكن المفاجأة الفلسفية تأتي حين يقول:

"والمشهدُ الآن: نخبةٌ شابهتْ

دهماءَ... قد رامتْ جهلَها راغمه"

هنا تنقلب المعادلة: المشكلة لم تعد في أن العامة يقلدون، وإنما في أن النخبة تتخلى طوعاً عن وعيها النقدي. وكأن الشاعر يقول إن الجهل ليس دائماً غياباً للمعرفة؛ أحياناً يكون اختياراً مريحاً للتخلي عن المعرفة.

وهذه نقطة شديدة الأهمية.

 فالإنسان لا يصبح تابعاً لأنه يجهل فقط، بل قد يصبح تابعاً لأنه يفضّل السلامة والراحة والمصلحة على مسؤولية التفكير.

1 - من قطيع العامة إلى قطيع النخبة

القصيدة تهدم ثنائية شائعة: العامة مقابل المثقفين.

فالنخبة، بحسب النص، ليست محصّنة من عقلية القطيع:

"كِلاهُما استحلى صمتَهُ تابعاً"

وهنا يصبح الصمت موقفاً فلسفياً، لا مجرد غياب للكلام.

الصمت في القصيدة ليس حياداً؛ إنه نوع من المشاركة السلبية. فحين يمتلك الإنسان القدرة على الكلام ثم يختار الصمت خوفاً أو طمعاً أو حفاظاً على امتيازاته، يصبح الصمت نفسه فعلاً له تبعات.

ومن هنا يمكن قراءة القصيدة في ضوء سؤال فلسفي قديم:

هل مسؤولية المثقف أن يعرف فقط، أم أن عليه أن يقول ما يعرفه؟

الشاعر يميل بوضوح إلى الاحتمال الثاني.

2 - الراحة في مواجهة الحرية

من أجمل الصور في النص:

"تخشى صهيلَ البقا لدى عزّةٍ

عن ركضها اختارتْ راحةً واهِمَهْ»"

الحرية هنا ليست شيئاً مريحاً.

إنها «ركض»، و«صهيل»، ومواجهة، ومخاطرة.

بينما التبعية تمنح الإنسان شيئاً مغرياً: الراحة.

وهنا تظهر مفارقة عميقة: الإنسان قد يتنازل عن حريته لأنه يخاف كلفتها.

فالحرية تعني أن تتحمل مسؤولية اختيارك، بينما القطيع يتيح لك أن تقول: الجميع فعلوا ذلك، فلماذا أتحمل أنا المسؤولية؟

إذن القصيدة تضعنا أمام ثنائية:

الحرية = مسؤولية ومخاطرة

التبعية = راحة وأمان ظاهري

ولذلك وصف الشاعر الراحة بأنها «واهِمَة»، لأنها راحة مؤقتة تنتهي إلى الخيبة:

"غرّانِ... غرّتهما الدنى لذّةً

أردتهما خيبةً..."

3 - الإنسان الذي يستبدل الكرامة بالمصلحة

ثم تنتقل القصيدة من نقد التبعية إلى نقد بيع المبدأ:

"قطيعُ نخباتٍ باعَ ذمّاتِهِ

بخساً بسُحتٍ..."

هنا لم يعد الأمر مجرد ضعف أو خوف، بل أصبح مقايضة أخلاقية.

الضمير له ثمن، والكرامة لها ثمن، والموقف له ثمن.

لكن المفارقة أن الشاعر يقول «بخساً»؛ أي أن الإنسان لا يبيع قيمته بثمن عظيم حتى، بل قد يبيعها مقابل منفعة صغيرة أو امتياز عابر.

وهذه من أقسى أفكار النص:

أحياناً لا تكون المأساة في أن الإنسان باع نفسه، بل في أنه باعها بثمنٍ بخسٍ تافهٍ.

4 – النرجس بوصفه فلسفة للذات

البيت:

"بنرجسٍ ساومَ الورى تافهاً

قد قدّمَ الذاتَ قبلةً لاثمه"

يمكن قراءته رمزياً باعتباره نقداً لـ النرجسية الثقافية.

النرجس هنا ليس مجرد حب للذات، بل ذات أصبحت مركز الحقيقة، بحيث يتحول المثقف من صاحب رسالة إلى شخص يبحث عن الاعتراف، والتصفيق، والقرب، والمكانة.

وبذلك تصبح «النخبة» نخبة بالاسم فقط، بينما سلوكها محكوم بحاجتها إلى الزلفى والقبول الاجتماعي.

وهذا يتصل بالبيت:

"نُخباتُ مسخٍ تملّقتْ زُلْفَةً

تسلّقتْ نجمةً..."

فالترقي هنا ليس نتيجة الاستحقاق بالضرورة، بل نتيجة التملق.

والقصيدة بذلك تطرح سؤالاً مؤلماً:

هل قيمة الإنسان فيما هو عليه، أم فيما يستطيع أن يصل إليه؟

5 - أخطر ما في القصيدة: تحوّل النخبة إلى قطيع

العنوان نفسه يحمل المفارقة المركزية:

"عندما تتحول عدوى القطيع من الدهماء إلى النخبة"

كلمة «عدوى» شديدة الدلالة؛ لأنها تجعل القطيع ليس مجرد سلوك جماعي، وإنما مرضاً اجتماعياً ينتقل من فئة إلى أخرى.

وهنا يصبح القطيع حالة ذهنية، لا طبقة اجتماعية.

فقد يكون الإنسان مثقفاً، شاعراً، أستاذاً، مفكراً، أو صاحب مكانة، ومع ذلك يتصرف بعقلية القطيع إذا أصبح:

يخشى الاختلاف.

يقدّم السلامة على الحقيقة.

يبحث عن رضا الجماعة.

يصمت حين ينبغي أن يتكلم.

يبيع موقفه مقابل منفعة.

يجعل القبول الاجتماعي معياراً للحقيقة.

وهكذا تقول القصيدة ضمنياً:

النخبة لا تكون نخبة بما تملكه من معرفة، بل بما تفعله بهذه المعرفة عندما تصبح مكلَّفة.

6 - خاتمة القصيدة: الدفاع عن مسؤولية القول

"هذا مقالي... تنسيبُه واجبٌ

فلا تقوّلني كذبةً راجمه"

 هنا الشاعر ينتقل من نقد القطيع إلى تأكيد مسؤولية الكلمة.

هو لا يريد أن يُنسب إليه ما لم يقله. وكأن القصيدة، في نهايتها، تدافع عن مبدأ أساسي: حرية القول مرتبطة بدقة القول ومسؤوليته.

وهذا يجعل النهاية أكثر من مجرد احتراز أدبي؛ إنها امتداد لفلسفة النص كلها.

فالقصيدة تدافع عن الإنسان الذي يملك صوته ولا يسمح للجماعة أن تتكلم باسمه.

في جوهرها القصيدة ليست هجاءً للدهماء بقدر ما هي محاكمة لفكرة التبعية نفسها. وهي أكثر قسوة على النخبة من العامة، لأن النخبة يفترض أن تمتلك أدوات السؤال والتمييز والمقاومة.

وأعمق سؤال تتركه القصيدة في ذهن القارئ هو:

متى يتوقف الإنسان عن أن يكون فرداً يفكر، ليصبح مجرد رأسٍ آخر في القطيع؟

والأجمل أن النص لا يجعل «القطيع» طبقة اجتماعية؛ بل يجعله إغراءً يمكن أن يسقط فيه أي إنسان، حتى من يظن نفسه فوق القطيع.

ولهذا يمكن اختزال فلسفة القصيدة في عبارة واحدة:

أخطر أشكال القطيع هو القطيع الذي يظن أفراده أنهم نخبة.

يبحث عن رضا الجماعة.

يصمت حين ينبغي أن يتكلم.

يبيع موقفه مقابل منفعة.

يجعل القبول الاجتماعي معياراً للحقيقة.

وهكذا تقول القصيدة ضمنياً:

النخبة لا تكون نخبة بما تملكه من معرفة، بل بما تفعله بهذه المعرفة عندما تصبح مكلَّفة.

***

بقلم الناقدة السورية "هاله السروجي"

 

في المثقف اليوم