يمثّل الحوار العلمي القائم على الأدلة والمعايير الموضوعية ركيزة أساسية في تطوير النظريات اللسانية وتقويم إسهاماتها. وفي هذا الإطار، تتيح بعض الاعتراضات المثارة حول (نظرية الصفر اللغوي) فرصة لإعادة عرض أسسها وتوضيح مقوماتها النظرية والتطبيقية، بما يضعها أمام معايير التقويم العلمي، ويفتح المجال أمام المعترضين لمراجعة المواقف في ضوء الأدلة والحجج. فالقيمة الحقيقية للنقد لا تكمن في إطلاق الأحكام، بل في تحديد مواضع الاعتراض وأسانيده، بما يسهم في تطوير النظرية وإثراء البحث اللساني.
تطرح نظرية الصفر اللغوي للنحو الكلي وتطبيقاتها في العربية تصورًا لسانيًا يسعى إلى إعادة النظر في الكيفية التي تتشكل بها الجملة في الذهن قبل أن تظهر في صورتها اللغوية المنطوقة أو المكتوبة. ولا تنطلق هذه النظرية من التعامل مع الجملة بوصفها مجموعة من المفردات والعلامات الإعرابية ، وإنما تنظر إليها في إطار بنائها الكلّي والعلاقات التي تنتظم أجزاءها داخل ذلك البناء.
إن مناقشة صفة النظرية لهذا المشروع ينبغي ألا تُحسم بالانطباع أو بالتسمية، وإنما بالرجوع إلى مقومات البناء النظري في البحث اللساني: هل هناك موضوع محدد؟ وهل تمتلك النظرية مفاهيمها ومبادئها الخاصة؟ وهل تقدم تفسيرًا لمشكلة لسانية محددة؟ وهل تمتلك قابلية للتطبيق والاختبار؟ وهل ترتبط بما سبقها من نظريات، وتفتح في الوقت نفسه مجالات جديدة للبحث؟
إن الإجابة على هذه الأسئلة تقتضي قراءة النظرية في مجموع بنائها، لا الوقوف عند مفهوم واحد منها أو عند جانب تطبيقي منفرد. وعند قراءة كتاب (نظرية الصفر اللغوي للنحو الكلّي وتطبيقاتها في العربية) في ضوء هذه المعايير، تتبين مجموعة من المقومات التي تؤسس لهويتها بوصفها مشروعًا نظريًا في اللسانيات المعاصرة.
أولًا: من مشكلة الوصف النحوي إلى بناء تصور ذهني لإنتاج اللغة
تبدأ قيمة أي نظرية علمية من قدرتها على تحديد المشكلة التي تسعى إلى تفسيرها. ومن هذا المنطلق، لا تقدم نظرية الصفر اللغوي نفسها باعتبارها إعادة تسمية لبعض المفاهيم النحوية المعروفة، وإنما تنطلق من ملاحظة وجود فجوة بين المعنى الذي يتشكل في الذهن وصورته اللغوية النهائية، وتسعى إلى بناء تصور يفسر المرحلة التي تنتظم فيها عناصر الفكرة والعلاقات القائمة بينها قبل اختيار الألفاظ وصياغة الجملة.
ويتصل هذا المنطلق بنقد بعض جوانب الدرس النحوي التراثي، ولا سيما حين غلب على التحليل الاهتمام بالعوامل اللفظية والعلامات الإعرابية والعلاقات الجزئية على حساب النظر إلى البناء الكلّي للجملة والمعنى الذي تنتظم في ضوئه عناصرها. وتناقش النظرية هذا الجانب في مواضع متعددة من الكتاب، منها الصفحات 12، 68، 69.
ولا يعني هذا النقد إلغاء المنجز النحوي العربي أو التقليل من قيمته، فالتراث النحوي يمثل أحد المنابع الأساسية التي تستند إليها النظرية، وإنما يتعلق الأمر بإعادة قراءة بعض مفاهيمه في ضوء سؤال لساني مختلف: كيف تنتظم الفكرة في الذهن، وكيف تتحول هذه البنية المفهومية إلى بناء لغوي؟
وفي اللسانيات الحديثة، ارتبط سؤال إنتاج اللغة بصورة خاصة بالاتجاه التوليدي، الذي أسهم في نقل البحث من وصف الجملة الظاهرة إلى البحث في البنية الذهنية للغة. غير أن نظرية الصفر اللغوي ترى أن الانتقال إلى الحديث عن بنية ذهنية أو نحو كلّي لا يكفي وحده للإجابة عن السؤال المتعلق بالآليّة التي تنتقل بها الفكرة إلى الجملة. ولذلك تناقش ما تسميه (مشكلة الصندوق الأسود)، أي بقاء الآليّة الداخلية التي تتوسط بين الفكرة والتعبير اللغوي بحاجة إلى مزيد من التفسير. وقد تناول الكتاب هذا الجانب في الصفحات 18، 19، 46.
ويتصل بذلك موقف النظرية من مفهوم الجملة النواة والتحويل، إذ ترى أن افتراض أنماط معينة من الجمل تمثل الأصل الذي تُشتق منه أنماط أخرى بواسطة عمليات تحويلية قد يقود في بعض الحالات إلى تحليلات لا تنطلق من المعنى الذي أراده المتكلم عند إنتاج الجملة. ولذلك تناقش هذه المسألة في الصفحات 13، 47، 48، 70، مقترحة النظر إلى الجملة من منطلق المعنى الكلّي الذي يتحدد أولًا، ثم العلاقات التي تنتظم داخله، ثم الوسائل اللغوية التي تحقق ذلك المعنى.
وهنا تتحدد إحدى الإضافات المركزية التي تقوم عليها النظرية: كيف تتكون البنية انطلاقًا من الفكرة وصولا إلى الجملة؟
ثانيًا: «مرحلة الصفر» بوصفها مستوى ذهنيًا بين الفكرة والتعبير
يمثل مفهوم (الصفر اللغوي) المركز المفهومي في النظرية. والمقصود به مرحلة ذهنية تجريدية تسبق ظهور الجملة في صورتها اللغوية، وفيها يجري تنظيم الفكرة وتحديد العلاقات التي ستتجسد لاحقًا في ألفاظ وتراكيب. فهي ليست «صفرًا» بمعنى غياب اللغة، وإنما مستوى سابق على التحقق اللفظي للجملة، يقع بين تشكل الفكرة في الذهن وظهورها في التعبير اللغوي. وقد عرض الكتاب هذا المفهوم في الصفحتين 14، 16.
وتنبني أهمية هذا المفهوم على أنه يحاول أن يفسر منطقة لا تظهر بصورة مباشرة في الملفوظ، لكنها ضرورية لفهم كيفية انتقال الإنسان من المعنى إلى التعبير. فالمتكلم لا يبدأ ـ وفق التصور الذي تقوم عليه النظرية ـ بمجموعة من الكلمات المتناثرة ثم يبحث بعد ذلك عن العلاقات التي تربطها، وإنما يبدأ من بناء كلّي للفكرة، ثم تتحدد داخله العلاقات بين مكوناتها وهي في حالة من الصور الذهنية والمفاهيم نطلق عليها تسمية المدلولات، وبعد ذلك تُختار الألفاظ والصيغ القادرة على التعبير عن تلك المدلولات وهي متعلقة ببعضها مسبقا
ومن هنا يأتي ارتباط النظرية بمبدأ (من الكل إلى الجزء)؛ فالكل الدلالي يمثل نقطة الانطلاق، ثم تتحدد أجزاء البنية وفق الوظائف التي تؤديها في ذلك الكل. وبذلك تمر الفكرة بالمراحل الآتية وصولا الى التعبير عنها بالجملة:
1. تحديد المعنى الكلّي
وفق التصور الذي تقدمه النظرية، يتحدد أولًا نوع الفكرة أو المعنى العام الذي يريد المتكلم التعبير عنه. فإذا كانت الفكرة إخبارية مثبتة، فإنها تتشكل على هذا الأساس، وإذا كانت نفيًا أو استفهامًا أو شرطًا، فإن طبيعتها تتحدد منذ نشأتها الذهنية، ولا تكون الجملة المثبتة أصلًا تتحول منه الصيغ الأخرى. وتناقش النظرية هذه المسألة في الصفحات 21، 23، 26.
وتكمن أهمية هذا التصور في أنه يجعل المعنى العام للفكرة سابقًا على الارتباط بين أجزائها، ويمنح الأدوات اللغوية وظيفتها في التعبير عن معنى سبق تحديده ذهنيًا .
2. تنظيم العلاقات بين أجزاء الفكرة
بعد تحديد المعنى الكلّي، تنتقل العملية إلى تنظيم العلاقات بين مكونات الفكرة. وتقدم النظرية في هذا المستوى أربع علاقات نحوية رئيسة تشكل أساسًا لتنظيم أجزاء الجملة، هي:
- الإسناد، ويمثل رأس الهرم والعلاقة الرئيسة التي يقوم عليها البناء.
- التخصيص، ويشمل العلاقات التي تضيف تحديدًا إلى المعنى، ومنها المفاعيل والحال والتمييز.
- الإضافة، بما تؤديه من ربط بين مكونين في علاقة الإضافة المباشرة وغير المباشر أي بوساطة أدوات الإضافة المسماة بحروف الجر.
- التوضيح، ويشمل ما يؤدي وظيفة التوضيح كالصفة والبيان وغيرها مما سمي بالتوابع.
وتعرض النظرية هذه العلاقات وترتيبها الوظيفي في الصفحات 21، 25، 26.
ولا تكمن أهمية هذه العلاقات في كونها مجرد إعادة تصنيف لوظائف نحوية معروفة، وإنما في وضعها ضمن نظام ذهني سابق على اختيار الألفاظ؛ فالعلاقة تتحدد أولًا في البنية المفهومية بين المدلولات، ثم تنتقل إلى الوسيلة التي تحققها في الدوال المناسبة.
3. الانتقال إلى المعجم الذهني
بعد تحديد العلاقات، تأتي مرحلة اختيار الألفاظ بصيغها الصرفية وأصواتها بعد أن تحددت العلاقات بين مفاهيمها، وهنا تنتقل العملية من مستوى التنظيم المفهومي إلى المستوى اللفظي الذي تتجسد فيه الفكرة. وقد تناول الكتاب هذه المرحلة في الصفحة 22.
وبذلك تتكون آليّة العمل الذهني من حركة متدرجة:
الفكرة الكلية ← تنظيم العلاقات ← اختيار الألفاظ والصيغ ← الجملة المتحققة.
وهذه الحركة هي التي تمنح «مرحلة الصفر» موقعها النظري؛ فهي ليست مجرد مرحلة زمنية يمكن رؤيتها منفصلة، وإنما مستوى تفسيري يُفترض أنه يفسر الانتقال من المعنى غير المتحقق لفظيًا إلى البناء اللغوي المتحقق.
ثالثًا: حداثة النظرية لا تعني القطيعة مع التراث
من القضايا الأساسية في تقويم أي مشروع علمي جديد تحديد علاقته بما سبقه. والجدة العلمية لا تعني بالضرورة أن تنشأ النظرية من فراغ أو أن تقطع صلتها بالمعرفة السابقة، بل قد تتمثل الجدة في إعادة تنظيم معارف سابقة داخل نسق جديد، أو إعادة تفسيرها في ضوء سؤال علمي مختلف.
ومن هذه الزاوية، تستند نظرية الصفر اللغوي إلى عدد من الأصول والمقدمات الموجودة في التراث العربي والدرس اللساني الحديث، لكنها تعيد توظيفها ضمن بناء نظري جديد.
ففي تراث سيبويه نجد مباحث تتصل بالاستقامة والإحالة، وبالمسند والمسند إليه، وهي من القضايا التي تتصل بطبيعة العلاقات التي تقوم عليها الجملة. وقد ناقش الكتاب هذه الصلة في الصفحات 61، 62، 63.
أما عند عبد القاهر الجرجاني، فإن مفهوم النظم ومعاني النحو يمثلان مرجعًا مهمًا في النظر إلى قيمة العلاقات بين أجزاء الكلام، لا إلى المفردات منفردة. وتتناول النظرية هذه الصلة في الصفحات 12، 65، 66.
كما تستفيد من بعض التصورات التي نجدها عند حازم القرطاجني، كما ورد في الصفحة 62، ومن جهود المحدثين في إعادة النظر في بعض المفاهيم النحوية، ومنهم إبراهيم مصطفى، ومهدي المخزومي، وتمام حسان، في قضايا تتصل بنقد العامل وإعادة تنظيم النظر النحوي، كما يرد في الصفحات 12، 25، 63، 65.
وعلى هذا الأساس، فإن أصالة النظرية لا تقوم على ادعاء انقطاعها عن التراث، وإنما على طريقة تركيبها لهذه الأصول داخل تصور جديد لإنتاج اللغة.
ويضاف إلى ذلك الإفادة من بعض مبادئ علم النفس المعرفي ونظرية الجشتالت، ولا سيما مبدأ النظر إلى الكل قبل أجزائه، وهو ما يرتبط مباشرة بالمنهج الذي تقترحه النظرية في الانتقال من الكل إلى الجزء. وقد تناول الكتاب هذه الصلة في الصفحات 18، 20، 48.
رابعًا: من الوصف إلى التفسير
تتحدد قيمة النظرية العلمية، بدرجة كبيرة، في قدرتها على الانتقال من وصف الظاهرة إلى تفسيرها. ومن هذه الزاوية، تسعى نظرية الصفر اللغوي إلى ألا تظل عند حدود وصف الجملة بعد ظهورها، وإنما تبحث عن الآلية التي تسبق ذلك الظهور.
فإذا كان التحليل النحوي التقليدي ينظر إلى الوظائف التي تؤديها الكلمات في الجملة بعد تحققها، وإذا كانت بعض الاتجاهات الحديثة قد اهتمت بالبنية المجردة والعمليات التي تفسر الانتقال بين أنماط تركيبية مختلفة، فإن نظرية الصفر اللغوي تقترح مستوى يبدأ من الفكرة ذاتها، ويجعل تنظيم العلاقات جزءًا من عملية إنتاج اللغة قبل اختيار الكلمات.
وهنا تتحدد القيمة التفسيرية لمفهوم الصفر اللغوي: إنه يقدم تصورًا للمرحلة التي يمكن أن تفسر لماذا اختار المتكلم هذه العلاقة وهذا اللفظ وهذا البناء للتعبير عن معنى محدد.
ولا يعني ذلك أن النموذج قد حسم جميع الأسئلة المتعلقة بالآليات العصبية لإنتاج اللغة؛ فهذه الأسئلة تحتاج إلى أبحاث معرفية وعصبية وتجريبية متخصصة. وإنما يعني أن النظرية قدمت نموذجًا مفهوميًا قابلًا لأن تتحول افتراضاته إلى أسئلة بحثية قابلة للاختبار.
خامسًا: قابلية النظرية للاختبار والبحث التجريبي
من المهم هنا التمييز بين البناء النظري وبين الإثبات التجريبي الكامل لآلياته العصبية. فالنظرية اللسانية قد تقدم نموذجًا تفسيريًا محددًا، ثم تأتي الدراسات التجريبية بعد ذلك لتختبر تنبؤاته وتحدد مدى مطابقته للعمليات الفعلية في الدماغ.
إن غياب التحقق المختبري في المرحلة الحالية ينبغي ألّا يُفهم على أنه غياب للبناء النظري، لأن النموذج النظري المقترح يضع مجموعة من الفرضيات والتنبؤات التي يمكن أن تكون موضوعًا لأبحاث لاحقة في اللسانيات المعرفية وعلم اللغة العصبي، باستخدام الأدوات التي تتيح دراسة معالجة اللغة ونشاط الدماغ.
إن النظرية تقدم تصورًا محددًا يمكن أن تُبنى عليه اختبارات مستقبلية، وإن نتائج هذه الاختبارات يمكن أن تؤيد تنبؤاتها أو تعدّلها أو تكشف الحاجة إلى تطويرها.
سادسًا: القيمة التطبيقية للنظرية
لا تتوقف أهمية نظرية الصفر اللغوي عند الجانب النظري، وإنما تمتد إلى مجالات تطبيقية متعددة.
ففي تعليم العربية، يمكن أن يسهم الانتقال من حفظ القاعدة والإعراب الجزئي إلى فهم العلاقات التي تنتظم المعنى الكلّي في جعل النحو أكثر اتصالًا بالعملية اللغوية ذاتها. وهذا ما يفتح مجالًا لتطوير المناهج التعليمية للناطقين بالعربية ولغير الناطقين بها، وهو ما أشرت إليه في الصفحتين 12، 25.
وفي التطبيق على لغات متعددة أظهرت التطبيقات التي أُجريت على الإنجليزية والسويدية فضلا عن العربية قدرة النموذج على تفسير العلاقات اللغوية في لغتين تختلفان عن العربية في عدد من الوسائل التركيبية، مع بقاء المبادئ الكلّية التي تنظم بناء الفكرة والعلاقات بين مكوناتها. وقد ورد هذا التطبيق في الصفحتين 36، 37
وفي الترجمة، يمكن للنظر في البناء اللغوي من خلال العلاقات والمعنى الكلّي أن يساعد في تفسير اختلاف اللغات في الوسائل التي تستخدمها للتعبير عن العلاقات نفسها، وهو المجال الذي تناولته النظرية في الصفحة 50.
ويمتد الأفق كذلك إلى علم اللغة العصبي ودراسة بعض اضطرابات الكلام، ومنها الحبسة والتأتأة، باعتبار أن النموذج يضع سلسلة من المستويات التي يمكن أن تصبح موضوعًا للبحث في حالات الاضطراب اللغوي. وقد ناقش الكتاب هذه الآفاق في الصفحات 55، 56، 57.
وهذه التطبيقات تعني أن النظرية تفتح مسارات بحثية جديدة يمكن اختبارها وتطويرها في دراسات لاحقة.
سابعًا: هل تمثل نظرية الصفر اللغوي نظرية لسانية؟
إن السؤال عن هوية المشروع ينبغي ألّا يُحسم بمجرد الاعتراض على مصطلح «نظرية» أو قبوله، وإنما ينبغي أن يُطرح على أساس المعايير العلمية التي يُقاس بها البناء النظري.
وعند النظر في نظرية الصفر اللغوي من هذه الزاوية، نجد أنها تتناول موضوعًا لسانيًا محددًا يتمثل في النحو الكلّي المشترك بين اللغات، وبناء الجملة والعلاقات التي تنتظم بين مكوناتها، وتقترح جهازًا مفهوميًا خاصًا بها، وفي مقدمته مفهوم «مرحلة الصفر اللغوي»، كما تقدم مجموعة من العلاقات التي تنتظم وفقها مكونات الفكرة، وتطرح تصورًا لتسلسل العملية من المعنى الكلّي إلى العلاقات ثم إلى اختيار الألفاظ.
كما أنها لا تكتفي بوصف الظاهرة، بل تسعى إلى تفسيرها من خلال تحديد مستوى ذهني بين الفكرة والتعبير، وتدخل في حوار نقدي مع بعض التصورات السابقة، سواء في نظرية العامل أو في اللسانيات التوليدية، وتطرح تطبيقات في تعليم العربية والترجمة واللسانيات التطبيقية وعلم اللغة العصبي.
ومن ثم، فإن الاعتراض على كونها نظرية ينبغي أن يكون اعتراضًا معياريًا محددًا: أي بيان المعيار العلمي الخاص بالبناء النظري الذي لم يتحقق فيها، بدل الاكتفاء بالقول إنها «ليست نظرية». فهذا النوع من الحوار هو الذي يتيح للمشروع العلمي أن يتطور، ويحدد في الوقت نفسه النقاط التي تحتاج إلى مزيد من البرهنة أو الاختبار.
إن النظرية العلمية ليست بناءً مغلقًا لا يقبل المراجعة، وإنما هي إطار تفسيري يظل قابلًا للنقد والاختبار والتعديل والتطوير. ولذلك فإن فتح المجال أمام الاختبارات التجريبية المستقبلية لا ينتقص من طبيعة النظرية، بل يمثل جزءًا من مسار تطورها العلمي.
خاتمة: نحو إسهام لساني عربي قابل للحوار والاختبار
تُظهر القراءة المنهجية أن نظرية الصفر اللغوي تستوفي المقومات الأساسية للبناء النظري اللساني؛ إذ تقدم موضوعًا محددًا، وجهازًا مفاهيميًا خاصًا، ومنطلقات تفسيرية وتطبيقات تفتح آفاقًا للبحث والتطوير. وتتمثل آليتها المركزية في الانتقال من الكل إلى الجزء؛ إذ تبدأ بتحديد نوع الفكرة ومعناها الكلي، ثم تنظيم العلاقات بين مدلولات مكوناتها، وصولًا إلى اختيار الألفاظ والصيغ المناسبة للتعبير عنها في جملة متكاملة. وبذلك تقدم النظرية تصورًا تفسيريًا للمرحلة الذهنية التي تصل بين الفكرة وبنائها اللغوي المتحقق. وقد أتاح تطبيقها على أكثر من لغة طرحها بوصفها نظرية لسانية للنحو الكلي، أي النحو المشترك بين اللغات.
وتستند النظرية إلى أصول في التراث النحوي العربي، ولا سيما ما يتصل بالعلاقات بين مكونات الجملة وأثرها في بناء المعنى عند سيبويه والجرجاني، كما تفيد من جهود التجديد النحوي الحديث ومبادئ علم النفس المعرفي ونظرية الجشتالت. وتعيد توظيف هذه المنطلقات ضمن تصور يسعى إلى تحديث النحو العربي، بجعل المعنى الكلي والعلاقات بين مكونات الجملة أساسًا للتحليل، دون إغفال العلامات الإعرابية.
وانطلاقًا من هذه المقومات، تدعو النظرية إلى تقويم علمي موضوعي يستند إلى معايير البناء النظري والأدلة التطبيقية، ويفتح المجال لاختبار آلياتها وتطويرها؛ فالحوار القائم على الحجة والمنهج هو السبيل إلى تعزيز إسهامها في تجديد الدرس النحوي العربي وترسيخ إسهامها في اللسانيات المعاصرة.
***
الدكتورة سناء حميد البياتي








