(مجموعة امرأة من كرز وعسل)
الأديبة العراقية ذكرى لعيبي، لها تجارب مطبوعة ومنشورة في القصص والرواية وتكتب قصيدة النثر الموضوع الذي هو محور مقالتنا هذه. لقد قدمت لنا هذه الشاعرة المرأة بصور مختلفة من خلال وصف عالمها الداخلي ومشاعرها وأحاسيسها وتأملاتها وأفكارها حيث استطعنا أن نحدد حالة المرأة على وفق الشكل التالي:
أوّلا: الحزن (المرأة الحزينة)
من خلال استطلاعنا ودراستنا للغة العربيّة في إحدى الجامعات العربية واحتكاكنا بالمؤسسات العربيّة اللغويّة والأدبيّة المتعددة في أكثر من بلد عربيّ كذلك تتبعنا لما يُنشر وجدنا أنّ الحزن يتردد أكثر ما يتردّد في أدب المرأة العراقيّة التي أسبغت على شعرها نفثات ممّا تجيش به نفسها من لوعة وأسى وحزن تغلغل في ذاتها ونطبع في ذاكرتها ولذلك أسباب تاريخيّة واجتماعيّة لا مجال لذكرها هنا فعكست المرأة الأديبة تلك المعاناة في نثرها وشعرها. تقول الشاعرة لعيبي:
لو نطق الحزن
لقال هذه امرأة الدمع
وأم الصبر
تحيا وتموت على محبّة الله. (ص7)
الواضح من الأسطر السابقة أن الشاعرة تزج فيها أدوات الحزن الظاهرة: الدمع إذ تتحوّل المرأة إلى مجرد دموع، ثمّ تأتي بمفردة أخرى تجعلها لا تسقط في اليأس (الصبر) تستفيد من الاستناد إلى القرآن الكريم "صبر جميل"(سورة يوسف الآيتان 18 و83)" لتختتم التناقض الوارد بين الحياة والموت على وفق منظور الصبر لتنتهي المعادلة الثنائية بين:
الحزن والدمع = التوافق
الحياة والوت =التضاد
تنتهي بالضلع الثالث لها وهو المحبّة التي تطهر النفس النفس من كل سلب باعتبار إنّ الله محبّة (يوحنا 4-16.
ثانيا المرأة المغتربة (الغريبة):
في قصيدة (ياغريبة) تقول:
إفتحي للريح أبوابك المغلقة
وتساقطي عند سفح المعابد
قطرة ورد وعنبر
قصيدة تتوضّأ بمسك الفجر
لترنم بالدمع الله أكبر (ص10)
لا ترسم الشاعرة صورة سلبيّة لكلمة غريبة أو غربة أو اغتراب، فهي تتجاوز الغربة المكانية أي الهجرة خارج الوطن والاغتراب داخل المكان نفسه. إنّ معنى أن تكون المرأة غريبة هنا في هذا الموضع تعني المبدعة فمن معاني الغريب التحول والتجديد، فالغريب هو الذي ليس من الجماعة فهو مختلف عنهم، والغريب العجيب، وغريب الأطوار متقلب الأطوار (لسان العرب وغيره من القواميس اللغوية مادة غريب). إن المرأة الغريبة هي من تفتح الأبواب المغلقة وتترك لنسمات الحياة أن تدخل فتجدد الحياة، لتتحول هي بذاتها إلى ورد وعنبر هي امرأة متجددة تتعامل مع القوي وهو الريح ومع الرقيق الورد ولا تغفل أن تذكر الله. وهنا يتجلى التوازن بين القوي والرقيق وبين الصوت وهو الترنم والشم: العنبر والمسك، والرؤيا الباصرة: الفجر الذي يبدأ بذكر الله، وما دامت الغربة ساطعة واضحة المعالم فإنّها بعيدة عن الضياع بل تسير على نهج التفاني في الحقيقة المطلقة.
ثالثا: المرأة العاشقة المُحِبّة (بين العشق والحب)
يرد في تعريف العشق أنّه حالة أسمى وأرقى وأكثر صعوبة من الحب الذي يُعَرَّف بأنّه ميول نحو الشخص الآخر (المحبوب) يتمكن منه العقل أما العشق فيتميّز بالمعاناة المفرطة، لنقرأ النصّ التالي:
يا أنت
ياكلّي
يا كلّ أنسي
منك يبتكر البحر ألوانه
نحن شاهقان
سامقان معا
في الكلمات أعلاه نفحة خطاب تستخدم فيها الشاعرة نفسا يخصّ المتصوفة والعارفين: كلّي مفردة خاصة بالعشق الصوفي، وثمّة دخول في ألوان البحر: لونه كما هو مألوف الزرقة والسماء زرقاء، كذلك تبدو ألوان أخرى للبحر: الغضب والموج. الهدوء والسكينة والتأمّل. ونجد أيضا لون الأعماق بما تحويه من ظلمة وأسرار ومرجان ولؤلؤ ونفائس كثيرة.
فمن الحبيب يستمدّ البحر ألوانه، والبحر واسع وعظيم وعميق، وتأتي بعدئذ قضيّة السمو التي تقترن بالسماء والمقدّس ودرجة العاشقين منه.
إنّ في القصيدة نفسا صوفيا بلا شكّ لكنّي لا أجزم بأنّه نصّ صوفي بل سطور وردت بإيحات صوفية، فالشاعرة في هذا النص تبدو في مرحلة وسط ليست هي بالعاشقة المحضة التي اختفى عقلها تماما كقيس بن الملوّح وابن الفارض ورابعة العدويّة أو لم تع الحبّ بكونه عشقا إنّها في مرحلة وسط تقع بين العشق والحب.
رابعا: المرأة القوية (سيدة التحدّي)
يصوّر العمل الأدبي الناجح معاناة المرأة وعذاباتها بصيغتين: المرأة الضعيفة التي تخضع لقدرها وتستسلم لسطوة الرجل ولا تقول شيئا، والمرأة القويّة التي تتحمل عذابها ومعاناتها وتسجّل موقفا من الحياة ومما يحيط بها ويجرب حولها من أحداث، الحالة الثانية يمثّلها النصّ التالي:
يا أمير
لست بشاعرة
أو شهرزاد تلك التي
تبهجها المقامرة
لست مفتونة بنظرتك الآسرة (ص 14)
تستند السطور التالية إلى الركن الأساس والأهم في قصة (ألف ليلة وليلة) شخصية شهرزاد حيث كان شهريار مفتونا بقتل النساء كونه وجد ذات يوم زوجته تخونه، عندئذ قرر أن يبيت كل ليلة مع امرأة فيقتلها في الصباح، حتى تأتي شهرزاد أو تقتحم المشهد الدمويّ فتبدأ تحكي له حكاية كل ليلة ولا تنهيها حتى يطل الصباح عندئذ بعد الليلة الألف يدرك الملك شهريار خطأه ويتزوّج شهرزاد.
هذه القصة التي وردت في مجلد كامل من حكايات ألف ليلة وليلة لخصتها لنا الشاعرة السيدة لعيبي بكلمتين:
أمير وشهرزاد
إنّها استندت إلى التاريخ أو القصص الأدبي وجعلتنا نعيش معه إذ استعرضنا في ذاكرتنا من خلال كلمتين كل المجلد السردي عن شهريار، لقد غامرت شهريار وخاطرت بحياتها لأنها منذ البداية أحبّت المغامرة، وقامت بترويض الملك الوحش. إن مروضة السرك تروض الأسد بطريقتها الخاصة فيصبح طوع.. يديها.. ممكن لها أن تذله بسوطها أو تقف على ظهره، أما مروضة شهريار الوحش فقد اتبعت أسلوبا آخر جديدا على الوحش إنّه السرد والرواية أو القصة. لذلك عدت الشاعرة محاولة شهرزاد مغامرة، فهي _الشاعرة- لا تبهجها المغامرة. إنّ هذه العبارة تدلّ على أن شهرزاد قويّة وضعيفة في الوقت نفسه: قوية حين تغلبت على الملك الوحش بالأدب الذي اتخذته وسيلة للترويض أدب القصص الذي يتخلله الشعر والحكمة والجنس، وإنّها في النهاية أحبت شهرزاد. أحبته على الرغم من كلّ جرائمه ودماء النساء التي سفكها لذلك قالت:
لست مفتونة بنظرتك الآسرة
فهي امرأة قوية تجمع تحدي شهريار وسطوتها وملامحها لكنها في الوقت نفسه لا تحمل ضعفها.
خامسا: المرأة الواقعية.
هي التي تنتقد سقطات المجتمع فتساهم مع المجموع في أعماله وطموحاته وتنفعل معه في واقعيته وعبثه ولا تعزل نفسها عنه:
نداهم التفاصيل تداهمنا
ونخوض الحروب التي لا خسارة فيها
وكل يقول انتصرت (ص 20)
في حالات المجتمع السلبيّة مثل القلق والخوف والحرب والفوضى وغيرها من الآفات الاجتماعية الخطيرة تنفرد فيها الرواية والقصة بذكر التفاصيل والإسهاب لكنّ الشِّعر له سماته وأسلوبه الذي يعتمد على الإشارة والتلميح والاستعارة والتشبيه، فليس القول هنا محل تفصيل وما على الشاعرة إلا أن تتبع الاقتصاد في الوصف لتحتفظ بروح الشِّعر في قصيدة النثر، كما ما فعلته في الأسطر المذكورة أعلاه:
السطر الأول بلغة المتكلم: الجمع حيث عدت نفسها جزءا من كلّ.
وفي السطر اثاني ذكرت الحرب التي نخوضها نحن جميعا رجالا ونساء واستثنت أن هذه الحروب لا تؤدي إلى خسارة، وفي الحقيقة ليست هناك من حرب لا يخسر فيها الطرفان: الغالب والمغلوب، إنّ التفاصيل التي ذكرتها الشاعرة هي التي تدلنا على سرّ الحرب التي لا خسارة فيها، فالحرب غير الخاسرة هنا تعني اللاحرب نحن لم نحارب والتفاصيل التي داهمتنا وداهمناها هي وهم في وهم وفي ظننا أننا لم نخسر لكننا مهما يكن خسرنا فأيّة حرب يخوضها المجتمع ولا يخسر فيها معناها الخسارة لأنّ الوهم هو الحرب الوحيدة التي لا نخسر فيها ظاهريا وفي الواقع أننا خسرنا أنفسنا وحين نخسر أنفسنا نفقد كلّ شيء إذ لم تعد في هذه الحالة أيّة قيمة للأشياء.
***
د. قصي الشيخ عسكر








