عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: السرد القصصي والروائي

أسرار من ثلاث زوايا لاكتشاف ما وراء الحكاية

لا يُختزل السرد القصصي والروائي في حكاية تُروى، بل هو فنّ إعادة تشكيل الواقع، وكشف ما يتوارى خلف الأحداث من صراعات النفس وأسئلة الوجود وتحولات المجتمع. ومن خلال ثلاث زوايا متكاملة، نقترب من أسراره الجمالية والنفسية والتأويلية، ونستكشف كيف تتحول الحكاية من مجرد وقائع إلى تجربة إنسانية عميقة.

ليس السرد أن نروي ما حدث فحسب، بل أن نكتشف كيف يمكن لما حدث أن يتحول إلى تجربة إنسانية وجمالية تتجاوز حدود الواقعة. فالحكاية قد تكون بسيطة في ظاهرها، لكن طريقة بنائها، وعمق شخصياتها، وما تنطوي عليه من دلالات خفية، هي التي تمنحها القدرة على البقاء في الذاكرة. ومن هنا، تتكشف أسرار السرد القصصي والروائي من خلال ثلاث زوايا متداخلة: بنية الحكاية، وعمق الشخصية، وأفق التأويل.

١-  الزاوية الجمالية والبنيوية، هندسة الحكاية

تكمن براعة السارد في الطريقة التي ينظم بها الأحداث، لا في كثرتها. فالحكاية شيء، وكيفية روايتها شيء آخر؛ إذ يستطيع الكاتب أن يبدأ من النهاية، أو يقطع تسلسل الزمن، أو يستدعي الماضي في لحظة حاضرة، ليمنح الحدث دلالة لا يتيحها الترتيب التقليدي.

والزمن الروائي ليس تقويماً للأيام والسنوات، بل نسيج من الذاكرة والتوقع والانتظار؛ فقد تمر سنوات في جملة، بينما تتمدد لحظة واحدة على صفحات، لأن قيمتها النفسية تفوق امتدادها الزمني.

وتتجلى الحرفة أيضاً في اختيار الراوي، وتوزيع المعرفة، وضبط الإيقاع، وإدارة المسافة بين ما يعرفه القارئ وما تجهله الشخصيات. فليس مطلوباً من الكاتب أن يكشف أوراقه دفعة واحدة، بل أن يمنح كل معلومة في وقتها الذي يجعلها أكثر تأثيراً.

أما الحذف، فهو أحد أسرار الاقتصاد السردي؛ إذ قد يكون الصمت أبلغ من التفسير، والتفصيل العابر أعمق من الوصف المطوّل. وربما تكشف نظرة مرتبكة، أو رسالة لم تُفتح، أو باب ظل موصداً، عن تاريخ كامل من الخوف والفقد.

إن السرد المحكم لا يقوم على تكديس الوقائع، بل على انتقائها وترتيبها وإقامة علاقات خفية بينها، بحيث يبدو كل تفصيل جزءاً من بنية متماسكة، لا زينة معلقة على جسد الحكاية.

٢- الزاوية الفلسفية والنفسية، الإنسان خلف الشخصية

لا تُصنع الشخصية الروائية من صفات جاهزة، ولا تُقاس بمدى صلاحها أو فسادها، بل بقدرتها على إقناعنا بأنها كائن حي، تحكمه رغبات متعارضة، وتدفعه مخاوف قد لا يجرؤ على الاعتراف بها.

والكاتب المتمكن لا يقول إن شخصيته بخيلة أو جبانة أو نبيلة، بل يضعها أمام موقف يكشف معدنها. فالفعل أصدق من الوصف، والاختيار في لحظة الاختبار أبلغ من صفحات من الشرح.

وتبدأ الشخصية في اكتساب عمقها حين تصطدم رغبتها بعائق، وحين تضطر إلى الاختيار بين ما تريده وما ينبغي لها فعله، أو بين صورتها أمام الآخرين وحقيقتها في أعماقها. وقد ينطلق إنسان بحثاً عن الحرية، ثم يكتشف أنه أسير خوفه؛ وقد يدافع آخر عن العدالة، بينما يعجز عن إنصاف أقرب الناس إليه.

في هذه المسافة بين الادعاء والحقيقة، وبين الرغبة والقدرة، تتشكل المأساة الإنسانية، ويولد الصراع الذي يمنح الرواية حرارتها النفسية والفكرية.

ولا يقل التناقض أهمية عن التحول؛ فالإنسان ليس كتلة صلبة من الصفات، بل كائن تتنازعه الذاكرة والمصلحة والندم والأمل. وكلما استطاع الكاتب أن يكشف هذه الطبقات دون افتعال، ازدادت شخصياته اقتراباً من الحياة.

أما الفكرة الفلسفية، فلا ينبغي أن تُفرض على الشخصيات من خارج تجربتها، أو أن تتحول الرواية إلى منبر للوعظ. الأجمل أن تنبثق الفكرة من المصير، وأن يتولد السؤال من الفعل، وأن يترك الكاتب للقارئ فرصة اكتشاف ما لم تقله الشخصيات صراحة.

فالرواية العميقة لا تقدم الإنسان بوصفه جواباً نهائياً، بل تضعه في مواجهة أسئلته الأكثر إلحاحاً.

٣- الزاوية الاجتماعية والتأويلية، ما وراء ظاهر النص

لا تنتهي دلالة الحكاية عند حدود أحداثها المباشرة؛ فقد تتحدث قصة عن بيت تتنازع عليه أسرة، بينما تفتح، في عمقها، أسئلة الانتماء والذاكرة والملكية والسلطة. وقد يبدو فقدان عاملٍ عمله حادثة فردية، لكنه يكشف، في سياق أوسع، هشاشة الإنسان أمام منظومة اقتصادية لا تمنحه دائماً حقه في الكرامة والأمان.

هنا يصبح النص مساحة لقراءة المجتمع، لا مرآة سلبية له. فالعلاقات بين الشخصيات، وطبيعة الصراعات، وتوزيع الأصوات، وما يُقال وما يُحجب، كلها عناصر قد تكشف بنية القوة والهيمنة والإقصاء.

ومن الأسئلة الجوهرية في قراءة السرد: من يمتلك حق الكلام؟ ومن يُدفع إلى الصمت؟ ومن يروي الحكاية، ومن يُختزل إلى موضوع في رواية الآخرين؟

إن منح الشخصية المهمشة صوتها ليس مجرد اختيار تقني، بل قد يكون موقفاً جمالياً وأخلاقياً يعيد النظر في الصور السائدة، ويكشف ما أخفاه التاريخ الرسمي أو الوعي الاجتماعي.

وللمكان، بدوره، ذاكرة لا تقل عمقاً عن ذاكرة الإنسان. فالبيت قد يتحول إلى رمز للحنين أو الأسر، والمدينة إلى فضاء للحرية أو الاغتراب، والقرية إلى مستودع لذاكرة جماعية تتنازعها الرغبة في البقاء ومرارة الفقد. ولا يكتسب المكان هذه الدلالات بمجرد وصفه، بل من علاقته بالشخصيات وما يطرأ على هذه العلاقة من تحولات.

وفي هذا السياق، يغدو الرمز أداة لتوسيع المعنى، شرط ألا يتحول إلى شفرة مصطنعة يفرضها الكاتب على نصه. فالرمز الناجح ينشأ من صميم التجربة، ويتكرر أو يتحول أو يكتسب دلالة جديدة حتى يصبح جزءاً من الوعي الداخلي للحكاية.

أما القارئ، فليس متلقياً سلبياً؛ إنه شريك في بناء الدلالة، يصل بين الإشارات، ويعيد تأويل الأحداث، وقد يكتشف في النهاية معنى لم يكن واضحاً في البداية. لذلك قد تكون النهاية المفتوحة مؤثرة حين تترك سؤالاً مشروعاً، لكنها تفقد قيمتها إذا كانت مجرد وسيلة لإخفاء ضعف البناء أو غياب الحل الفني.

إن النص الجيد لا يفرض تأويلاً واحداً، لكنه لا يبيح كل التأويلات؛ فالمعنى يتعدد، غير أنه يظل مرتبطاً بشواهد اللغة والبناء والشخصيات.

- حين يصبح السرد حكاية معرفة الإنسان.

تتكامل الزوايا الثلاث حين يلتقي إحكام البناء بعمق الشخصية واتساع الدلالة. فالبنية تمنح الحكاية شكلها، والشخصية تمنحها نبضها الإنساني، والتأويل يفتحها على أسئلة المجتمع والوجود والذاكرة.

وليست براعة الكاتب في أن يقول كل شيء، ولا في أن يترك كل شيء غامضاً، بل في أن يعرف ما ينبغي كشفه، وما يجب تأجيله، وما يستحق أن يظل معلقاً في وعي القارئ بعد انتهاء القراءة.

إن سر السرد ليس في غرابة الأحداث وحدها، ولا في كثافة اللغة، ولا في وفرة الرموز؛ بل في القدرة على جعل التفاصيل تنطق، والشخصيات تفاجئ، والأحداث تتجاوز أسبابها المباشرة إلى معانٍ أرحب.

فالقصة الناجحة تجعلنا نرغب في معرفة ما سيحدث، والرواية العميقة تجعلنا نعيد النظر في ما حدث، أما السرد العظيم فيتركنا نتساءل عما لم نكن نعرفه عن أنفسنا قبل أن نقرأه.

***

بقلم: عماد خالد رحمة- برلين

في المثقف اليوم