الصمت الموروث والحب المحاصر
تدور الرواية حول فكرة إن العراقي يتعلم الصمت في بيته قبل أن يفرضه عليه الحاكم، ثم يدفع الحب ثمن هذا التعلم. وتحمل الفكرة حكاية بسيطة عن عائلتين تتجاوران في بيت ببغداد، يمتد زمنها من خريف عام 2000 إلى نحو عام 2009، ويرويها الشاب مصطفى.
يمهّد آل جابر للحكاية بإطار لافت، إذ تبدأ الرواية بصوت راوٍ في المصحة العقلية: "من دار المصحة العقلية، كل شيء يحمل الجنون يشكل عالماً من البهاء والنقاء والأحاديث الصادقة" (ص13). تقرن الجملة الجنون بالصدق منذ السطر الأول، فتضع القارئ أمام راوٍ يطلب منه أن يصدّق من يُظن به الخلل ثم يسلّم الراوي الحكاية لبطلها: "الأجدر أن يكمل بطلها الأحداث فهو الأقرب لكل ما يدور في أروقتها المنسية والأحفظ لممراتها المكتظة بالمسافرين" (ص35). فيرويها بضمير المتكلم، وبذلك يضع آل جابر القارئ أمام سؤال مبكر من الجنون في هذه الحكاية، من يملك الحقيقة؟ إذ يربط الحقيقة بصوت يُشك في عقله، ويترك للقارئ تقدير درجة الثقة به.
يبدأ الحدث بسلطة صغيرة داخل البيت-مشهد إيجار- فيفرض الحاج راضي على سالم مستأجراً جديداً، ويخيّره بين الزيادة والخروج: "ادفع ما يزيد عن إيجارك السابق، أو تخرج منه. الفكرة جعلت سالما مصدوما عاجزا عن المواجهة" (ص15). ويصف الراوي طرق راضي للباب بأنه "تُشبهُ اقتحامات جهاز الأمن الخاص". يحمل هذا التشبيه الخوف السياسي إلى علاقة بين مؤجر ومستأجر، فتتساوى سلطة الدولة وسلطة المالك في أثرهما. ويجيب سالم (المؤجر) بما يناقض شعوره: "نعم حجي راضي بكل سرور أهلاً وسهلاً بهم". يتناقض القول مع الشعور، وتصير المجاملة وسيلة دفاع، ومن اللافت أيضا تقابل الاسمين: راضي لا يرضى بما يملك، وسالم يسلّم بما يُفرض عليه.
تقدّم الرواية الجيرة بعد ذلك ملاذاً إذ يقول سالم لجاره عباس موظف السكك الحديدية، "إننا لا نملك وطنًا في أوطاننا"، ويقسّم الوطن: "البيت هو الوطن الأول والعمل هو الوطن الثاني، أما التربة التي نعيش عليها، فهي الوطن الحقيقي الذي يُحقق لكَ الأول والثاني بكرامة" (ص16-17). يعرّف النص الوطن بثلاثة أركان: بيت وعمل وتراب، وستفقد الرواية هذه الأركان واحداً بعد آخر. فبعد الحرب يجلس سالم في البيت بلا عمل، بحسب ما ورد في ص50. وفي المشهد التالي مباشرة يسقط الباب الخارجي على فاطمة، وتترك الكدمة آثاراً "تواكبها طيلة العمر" ويبدو أن آل جابر يمهّد بالجرح الصغير لمصيرها.
وينمو الحب في هذا البيت فيحفر مصطفى لفاطمة "بعود الآيس كريم قلب حب وسهماً فوق سطح البيت الذي يُغطيه التراب" (ص18). ويُمحى النقش على التراب بالريح مشيرا إلى هشاشة الحب قبل أن تهدده الحرب. وعندما ترحل عائلة عباس يبدو الطابق الثاني "كأنهُ بيت مهجور بلا أنفاس" (ص26)، إذ يمنح آل جابر البيت رئة وجسداً ويجعل فراغه موتاً صغيراً يسبق الموت الحقيقي. وفي الوداع تقول ليلى بلهجتها: "يا ريت اختي أتمنى والله أنتم ناس أوادم". تجمع الجملة الأمنية والمدح والوعد، وتنقل دفء الجيرة بلغة أهلها.
ثم تأتي الحرب فتكشف ما تخفيه البيوت فيتأمل سالم حال الناس ويقول: "حين يأتي الأشرار إلى المدينة يختبئ الجميع، ونحن نختبئ منذ أربعين عاماً" وتروي ليلى حادثة الحلاق نبيل وتقول: إن الناس تتخلى عن النقاش قبل الحرب "خوفًا من جدران البيوت، يقال لها أذنان" (ص44). ومما لا شك فيه أن هذه الجملة تلخّص تاريخاً كاملاً من التربية على الحذر إذ يظهر الصمت درساً يتوارثه الأبناء. وبعد سقوط النظام ينهب الناس المصارف والوزارات، فيمنع عباس ابنه من النزول ويقول له: "ولئن لم تفعل ذلك؛ فأنا بريء منك". ويكون جواب مصطفى: "إنني سأصمت وأسمعك تتكلّم؛ لأنكَ طاعة ومغفرة" (ص46-47). يحمي الأب ابنه بالمنع، ويتلقى الابن الحماية بالصمت، فيكتسب الصمت قوة العهد بين الأجيال.
وتفسّر الرواية أصل هذا الصمت في موضعين حين تقول أم مصطفى: "العجوز التي تسرق الأطفال مرت من هنا، هكذا جعلوا من الخوف ظلاً لنا" (ص141)، فتبدأ تربية الخوف بحكايات الأطفال، ثم يصل مصطفى إلى الفكرة بعد قراءته لأورويل وفي حواره مع فاطمة: "فالسلطة عادةً تنزعج من أيّ سؤال. أردفتُ: نُريد العيش بلا سؤال". ثم يضيف أن القمع يترك أثره في الناس: "وشيئًا فشيئًا يخرج الجلاد من دواخلنا" (ص70). فلا تأتي السلطة في الرواية من الخارج وحده لأنها تسكن أيضاً أذهان من وقع عليهم القمع.
وتبلغ الفكرة ذروتها في قصة فاطمة إذ تنقل الألسنة قصة فحواها إنها أرادت الزواج ممن تحب فقتلها أبوها وعمها، ويصفها محدّث مصطفى هذه القصة بالكذبة، إذ يقول إنها عادت من خطف غامض بعد يومين، وإن الأمر قضية شرف ويردف قائلا: "تم ابتلاع القصة بطريقة شرعية لدى العامة، فهكذا يتمكنون من إيجاد مبرر لقتلها" (ص139-140). ويسال مصطفى عن حقيقة الأمر: "وما هي الحقيقية" (139)، وهل للامر علاقة بقضايا الشرف التي تعرف في المجتمعات التي تحمل الطابع الشرقي. وتضيع الحقيقة بين روايات النساجين التي لاكتها ألسنتهم بين ردّ مقتلها على يد زوجها لطلبها الطلاق منه، وبين خطفها، وما تداوله الناس من أن والدها وعمها قتلاها ليلاً، لأنها أرادت الزواج ممن تحب، فتتزاحم في المشهد ثلاث روايات للحدث، ولا يرجّح النص إحداها ويخدم هذا الغموض المعنى، فالمجتمع يقتل فاطمة مرتين: مرة بالفعل ومرة بالرواية التي تبرره.
ويخلص مصطفى إلى حكم قاطع: " لقد ماتت لأنها أرادت أن تكون حرةً في اختيارها، في أوطاننا الإنسان مسير في كل شيء حتى في اختيار تسريحة شعرهِ وملابسه، ... يعيش الحب في مدينتي خائفاً من القبيلة"(140). وتعيد عبارة "في أوطاننا" صدى جملة سالم الأولى، فتتحول "لا نملك وطنًا في أوطاننا" من شكوى عابرة إلى حكم تثبته الأحداث، وعليه يقف الحب في الرواية بين سلطتين هما: سلطة الدولة التي علّمت الخوف، وسلطة القبيلة التي تحكم باسم الشرف. وآلية السلطتين واحدة، فكلتاهما تعاقب السؤال والاختيار.
وتعود الرواية في آخرها إلى إطار الجنون، إذ يقرأ مصطفى (العنبر رقم 6) لتشيخوف ويتساءل: "إن كريماً هو المجنون، ولكن من هو الطبيب؟ أنا أم فاطمة؟" (ص135). ثم ينتحر كريم وتنتهي الرواية بسطر واحد في الصفحة الأخيرة: "لكن ثمة شيئاً ما ينتظرني هناك في الأفق، بينما لا شيء يجذبني للبقاء هنا" (ص143). وبناء على ذلك يصير سؤال الطبيب والمجنون ميزاناً يُقاس به عقل المجتمع، لا عقل الأفراد وحدهم.
ويؤخذ على الرواية أمران هما: تتتابع الإحالات إلى سارتر ودوستويفسكي وكيركغارد وهمنغواي، وتشيخوف. بعضها يؤدي وظيفة واضحة، كإحالة (العنبر رقم 6) التي تعيد سؤال الجنون والعقل (ص135)، ويبدو بعضها زينة ثقافية أكثر من كونه إضافة إلى الحدث. وتأتي مقاطع التأريخ للحرب بتواريخها وتصريحات الرؤساء بنبرة موسوعية تقطع الصوت الذاتي. ويخف هذا العيب كلما عاد الراوي إلى البيت والعائلة. وهما موضع قوة الرواية.
خلاصة القول: يحوّل آل جابر في روايته بيتاً مستأجراً إلى صورة مصغرة للبلد، ويجعل الخوف إرثاً ينتقل بين الأجيال، ويحاكم الحب أمام سلطتين تتفقان على معاقبة السؤال والاختيار.
***
هبة قاسم








