دراسات وبحوث
منير محقق: التمثلات الجمعية والفردية
رحلة بين الفلسفة، وعلم الاجتماع، وعلم النفس لفهم البناء الاجتماعي للمعرفة
الملخص: يعد التمثل مفهوماً محورياً لفهم كيفية إدراك الأفراد للعالم الاجتماعي والثقافي، وكيفية تشكّل المعرفة داخل الجماعات. تهدف هذه الدراسة إلى تقديم رؤية شاملة لمفهوم التمثل من خلال مقاربات متعددة: الفلسفية عند شوبنهاور، الاجتماعية عند دوركايم ومفكري علم الاجتماع المعاصرين مثل جوردن مارشال، فريديريك لوربون، وجون ماري سيكا، وعلم النفس الاجتماعي والمعرفي عند سيلامي، موسكوفيتش، وجون بيجي.
تركز الدراسة على التمثلات الفردية والجماعية وميكانيزمات اشتغالها، بما في ذلك الأحكام المسبقة والأجوبة الاجتماعية، مع إبراز التفاعلات والتعارضات بين التمثلات الفردية والجماعية كما وصفها دوركايم ضمن مفهوم الوعي الجمعي مقابل الوعي الفردي.
تشير النتائج إلى أن فهم التمثل الجمعي والفردي يمثل أداة أساسية لتحليل السلوك الاجتماعي، تفسير الظواهر الثقافية، وفهم ديناميات التواصل والمعرفة داخل المجتمع.
الكلمات المفتاحية: التمثل، التمثل الجمعي، التمثل الفردي، الوعي الجمعي، الوعي الفردي، دوركايم، موسكوفيتش، علم النفس الاجتماعي، علم النفس المعرفي، الأحكام المسبقة، البناء الاجتماعي للمعرفة.
Abstract:
Representation is a central concept for understanding how individuals perceive the social and cultural world, and how knowledge is formed within communities. This study provides a comprehensive perspective on representation through multiple approaches: the philosophical view of Schopenhauer, the sociological perspective of Durkheim and contemporary sociologists such as Gordon Marshall, Frédéric Le Play, and Jean-Marie Sicard, and the social and cognitive psychology perspectives of S. Sélimi, Moscovici, and Jean Piaget.
The research emphasizes individual and collective representations and their operational mechanisms, including prejudices and social responses, highlighting the interactions and conflicts between individual and collective representations as described by Durkheim in the concept of collective versus individual consciousness.
The findings indicate that understanding both collective and individual representations is essential for analyzing social behavior, interpreting cultural phenomena, and comprehending the dynamics of communication and knowledge construction in society.
Keywords: representation, collective representation, individual representation, collective consciousness, individual consciousness, Durkheim, Moscovici, social psychology, cognitive psychology, prejudices, social knowledge construction.
على سبيل التقديم
يشكل مفهوم التمثل أداة أساسية لفهم كيفية إدراك الإنسان للواقع الاجتماعي والثقافي، وكيفية تشكّل المعرفة داخل المجتمعات. إذ يمثّل هذا المفهوم حلقة وصل بين الفلسفة، علم الاجتماع، وعلم النفس، حيث تتقاطع رؤى متعددة لتفسير ظاهرة الإدراك الجماعي والفردي.
تنطلق هذه الدراسة من النظرية الفلسفية عند شوبنهاور، الذي رأى في التمثل وسيلة لفهم الإنسان لذاته والعالم المحيط به، ثم تنتقل إلى المقاربات الاجتماعية التي تناولت التمثلات الفردية والجماعية وخصوصًا مفهوم الوعي الجمعي مقابل الوعي الفردي عند دوركايم، مع إشارات إلى آراء علماء الاجتماع المعاصرين مثل جوردن مارشال، فريديريك لوربون، وجون ماري سيكا.
كما يتطرق البحث إلى المقاربات النفسية والاجتماعية، حيث تستعرض الدراسة رؤى سيلامي وموسكوفيتش في علم النفس الاجتماعي، بالإضافة إلى تحليل جون بيجي في علم النفس المعرفي لفهم كيفية تكوّن التمثلات.
تهدف الدراسة إلى كشف العلاقات المعقدة بين التمثلات الفردية والجماعية، وإبراز أثرها في البناء الاجتماعي للمعرفة، مما يمكّن من فهم أعمق للآليات النفسية والاجتماعية والثقافية التي تشكّل سلوك الأفراد والجماعات.
مفهوم التمثل
عرف مفهوم التمثل في العديد من الدراسات، قبل أن يدخل حقل علم النفس وحقل علم النفس الاجتماعي، لهذا نجده يتبلور حسب النظريات التي تعمل على توضيح معالمه والاستفادة مما يقدمه في فهم السلوك البشري والتنبؤ به، ويرجح أغلب الباحثين والدارسين أن مفهوم " التمثل " ظهر لأول مرة في كتاب الفيلسوف آرثر شوبنهاور " العالم إرادة وتمثلا" سنة 1818، حيث يرى شوبنهاور: "العالم هو تمثل، أي أنه يكون قائما هناك بالنسبة لشيء آخر، أعني بالنسبة لذلك الذي يتمثله، وهو الشخص نفسه)... (ولذلك فإن العالم بوصفه تمثلا- وهو الجانب الذي نتأمله بمفــرده هاهنا- يتألف من نصفين جوهريين ضروريين ومتلازمين، والنصف الأول هو الموضوع the object، وهو ما يكون خاضعا لصورتي المكان والزمان اللذين تنشأ من خلالهما الكثرة، أما الصنف الآخر وهو الذات فلا يقع في إطار المكان والزمان؛ لأنه يكون كلا مجملا ولا يتجزأ في كل موجود يقوم بفعل التمثل"(1).
فانطلاقا من هذا التعريف الذي قدمه شوبنهاور، نستنتج على أن التمثل هو نتاج خفي لنشاط الإرادة، رغم أن بعض الباحثين يرون بأن هذا الطرح، فيه شيء من المبالغة وذلك لوجود فلاسفة ومفكرين سبقوا شوبنهاور في دراسته، وبتجاوزنا المستوى الزمني لظهور مصطلح "التمثل" إلى المستوى اللغوي نجد أن معناه في القرآن الكريم، حيث يقول الله عز وجل في كتابه العزيز: ﴿فأرسلنا إليها روحنا، فتمثل لها بشرا سويا﴾(2)، فالتمثل من هذه الوجهة، مبني على الشبه، من خلال بناء صورة مطابقة للموضوع الأصلي، بالإضافة إلى التأكيد على أهمية الفعل أو السلوك الخارجي في خلق التمثل، لأنه هو من يخلق فعل التمثل، والفرد يكون فقط مجرد وعاء أو مستقبل للتمثل.
في اللغة العربية: يشتق مفهوم التمثل من فعل مثل فنقول مثل تمثيلا الشيء لفلان أي صوره له بالكتابة ونحوها، كأنه ينظـر إليه، وتمثيل الشيء، شبيه به، وجعله مثله. والتمثلات مفرده تمثل، وهي التصور السابق، أو المعلومات الأولية عن موضوع أو قضية. ونقول «تمثّل أو تصوّر الشيء: توهّم صورته وتخيّله واستحضره في ذهنه؛ وتصور له الشيء: صارت له عنده تمثّل مشخص أو صورة وشكل(3).
نجد في لسان العرب لابن منظور التعريف التالي: "التمثُّل من مثَّل، يمثل، مثولا، ومثَّل التماثيل أي صورها، ومثّل الشيء بالشيء أي شبه به وتصوره حتى كأنه ينظر إليه وامتثله أي تصوره"(4)، أما في قاموس le petit robert، فالتمثلreprésentation عملية وضع واستحضار شيء ما أمام الأعين أو العقل؛ وهو جعل موضوع غائب أو مفهوم ما، محسوساً بفضل صورة، شكل، رمز، دلالة ما(5).
في قاموس اللغة الفرنسية: نجد التعريف التالي: التمثل هو "فعل وضع أمام الأعين أو أمام فكر شخص (6)، التمثل هو "عمل أو فعل إرجاع الموضوع مدركا، سواء كان مفهوما أو موضوعا غائبا، بواسطة صورة، أو وجه، أو دليل"(7).
أما في الموسوعة العالمية Hachette فقد حدد التمثل كفعل: " تمثل شيء ما عبر صورة أو علامة أو رمز" وهو يأخذ ثلاثة معاني على الأقل:
1 ـ معنى مجازي فنقول تمثل مثالي للتاريخ.
2 ـ الصورة الممنوحة للوعي عبر الصورة والذاكرة.
3 ـ فعل تمثيل مشهد مسرحي.
4 ـ هذه الصباغة تمثيل للعاصفة " (8)
نستنتج من هذه التعاريف أن التمثل هو فعل فكري، أو نشاط عقلي نقوم به لإرجاع الشيء مدركا من خلال تمثل صورة لهذا الشيء الغائب؛ التمثل هو عملية بناء عقلي كما أنه عملية تركيب يقوم بها الفكر من أجل تصور الشيء ذهنيا. إلا أنّ مفهوم التمثل حسب دلالته اللغوية سواء في اللغة العربية أو الفرنسية لم يأخذ معنى واضحا ودقيقا يمكننا بالفعل من فهم معانيه الجوهرية في أبعدها المختلفة، خصوصا تلك التي اكتسبها هذا المفهوم في علم الإجتماع. أو علم النفس الاجتماعي أو علم النفس المعرفي. ومن هنا يجب أن نعرض أهم المعاني الجوهرية، لهذا المفهوم. كما وردت في هذه العلوم المعاصرة. ففي الواقع، نجد تنوعا واختلافا في الدراسات التي اهتمت بمفهوم التمثل؛ فالتمثل ليس محللا دوما بنفس الطريقة من طرف كل الباحثين كما أشار إلى ذلك كلود فلامون C. Flamen، إذ يقول: "يستعمل مصطلح التمثل في العديد من قطاعات العلوم الإنسانية بمعان مختلفة، وغالبا ما تكون مبهمة"(9).
المفهوم الفلسفي للتمثل
يرجع الفضل في استعمال مفهوم التمثل لأول مرة في منظور المعرفة وكما سبق وأن أشرنا إلى ذلك إلى الفيلسوف شوبنهاور A. Schopenhauer يقول: بيير مانوني P. Mannoni "إن التمثلات بالنسبة إلى الفيلسوف شوبنهاور هي تسقط وتكشف في السيرورات العقلية كمنتج العمل السري للإرادة"(10)؛ وبعبارة أخرى وحسب بيير مانوني، فهو يرى على أن الفيلسوف شوبنهاور لم يتخطَّ النظرة الفلسفية المحضة في تعريف مفهوم التمثل.
وأما من وجهة نظر كل من "تهنس" و"لمبرور" Lempreur. A Et. Thines G فقد عرفا مفهوم التمثل بمنظور فلسفي آخر، إذ بالنسبة لهما أنّ "التمثل يتضمن دلالة مزدوجة لكل ما ينوب عن الشيء، وما يأخذ مكانه في الفهم، وما يستوعب من مضمونه ومعناه، سواء كان نسخة، أو مدلولا أو رمزا لتمثل يتميز عن الانطباع، باعتباره نتيجة عمل يقوم فيه الفكر بجمع وتنظيم ما هو مقدم له(11). إلى جانب هذا المفهوم الفلسفي، يقدم هذان الفيلسوفان مفهوما نفسيا للتمثل، وفيه يركزان على محتوى التمثل من جهة، وعلى مسار بناء التمثل من جهة أخرى. وفي هذا الصدد يعرفان التمثل على النحو الآتي " التمثل الاجتماعي هو عملية البناء الاجتماعي للواقع الذي يؤثر في نفس الوقت على المحفزات والاستجابات لهذه المحفزات، فهو إذن سيرورة معرفية تتظاهر كحقيقة محسوسة "(12). وهكذا يمكننا أن نستنتج بأن عملية التمثل هي إعادة بناء الصورة للشيء المتمثل، حسب نظرتنا الخاصة لهذا الشيء، وحسب قيمة وأهمية هذا الشيء بالنسبة إلينا.
مقاربة علم الاجتماع
احتل مفهوم التمثل مكانة بارزة في علم النفس الاجتماعي، حيث يعد أحد مفاتيح الأنشطة العقلية التي يستعين بها الفرد من أجل الاستجابة لمختلف الأوضاع التي يعيشها، وقد ظهرت فكرة التمثلات في البداية كمفهوم سوسيولوجي سواء كانت مجموع المعلومات أو علم خاص، حيث بدأت أكثر من قرن (1898-1895)مع عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم Durkheim Emile، فلكي تصبح وتغدو السوسيولوجيا علما قائما بذاته على غرار بقية العلوم الأخرى المتقدمة حسب دوركايم، كان عليها أن تحدد موضوعها الخاص بها، وتعطي تعريفا قبليا لموضوعها الذي ينبغي أن يكون متميزا عن بقية موضوعات العلوم الأخرى، وتأسيسا على هذا التصور الابستمولوجي سيميز دوركايم في التمثلات بين تمثلات فردية وتمثلات جماعية، وسيترتب عن هذا التمييز ضرورة تحديد طبيعة العلاقة القائمة بين السوسيولوجيا من جهة وعلم النفس من جهة ثانية، وسيفضي تحليل دوركايم لطبيعة هذه العلاقة حيث "احتفاظ السوسيولوجيا بعلاقة وطيدة بعلم النفس، الشيء الذي سيتعذر معه عدم الفصل بين هذين التخصصين".
وهكذا فإن تحليل التمثلات بوصفها مكونة للحياة الاجتماعية، سيقود دوركايم إلى بناء الظاهرة الاجتماعية باعتبارها هي التي ستشكل الموضوع المركزي للسوسيولوجيا حيثُ أنّ الجماعات الاجتماعية أو المجتمع هما أساس الدراسات الاجتماعية والتي كانت حسب إميل دوركايم منظمة وتحدد بفضل نظام أو روح وهي الوعي الجمعي الذي يشكل دعامة للجماعة والذي يضمن ديمومتها. بحيث يمكن القول أن هذا الوعي الجماعي ذو طبيعة روحية، لكنها أيضا أساسية، تعطي للفرد طريقة التفكير والتصرف، وتصبح مادية داخل المؤسسات الاجتماعية، بفضل وسائل كالقوانين الاجتماعية والأخلاقية والسياسية، كما في الرؤية الدينية عبر المعتقدات أو الطقوس الجماعية والحكايات الشعبية الشفهية والمكتوبة وأشكال الفلكلور والأهازيج وأشكال الفرجة والفرح الجماعية والاجتماعية في المناسبات الدينية أو الوطنية. فمن هذا المنطلق وعلى هذا الأساس ميز" إميل دوركايم" بين ما هو فردي وما هو جماعي على مستوى التمثلات. حيثُ سيصنف التمثلات السابقة الذكر إلى تمثلات فردية وتمثلات جماعية:
التمثلات الفردية:
يرى دوركايم أن التمثلات الفردية لها كموضوع الوعي الخاص بأعضاء المجموعة الجماعية وفي إطار تفنيد أطروحة بعض علماء النفس النافية لوجود حياة نفسية خاصة بالإنسان يرى دوركايم أن التمثلات الفردية مستقلة عن خلايا دماغ خاص، ودليله على ذلك، أنها تظهر من جديد على سطح الوعي بعد غيابها لبعض الوقت، وإذا كان من الممكن إعادة إنتاج ظاهرة التذكر من جديد فإن معنى ذلك أن التمثلات طيلة غيابها عن وعي الفرد تتمتع بوجود مستقل عن الخلايا الدماغية حيث لا يمكن موضعتها.
هكذا يؤكد دوركايم أنّه لا يمكن فهم التمثلات الفردية دون الأوضاع والمواقف والميول والثقافة التي يستنبطها الأفراد والتي تحكم رؤيتهم إلى العالم وإلى أذواقهم، كما تحكم أنماط تفكيرهم وأسلوب عيشهم والمعايير التي يعتمدونها في تصنيف مجالات الحياة بحسب الأولويات، لذلك فإن تمثلات الأفراد حسب "دوركايم": "تختلف باختلاف القيم الثقافية التي اكتسبوها من المجتمع وباختلاف استعداداتهم العقلية والوجدانية والجسدية (13).
ومنه فالتمثلات تبعا لهذا الفهم، هي تصورات اجتماعية تتأسس في شكل قيم ومعايير للسلوك والتذوق والقول، بل يمكن اعتبارها تيارات رمزية تسيطر داخل مجتمع معين، وتنظم ضمنها آفاق رؤيتها ووعيها بشرط وجودها، يقول إميل دوركايم: "التمثلات هي ذلك التدفق الدائم من صورة الحياة، بحيث تدفع بعضها البعض كتدفق مجرى نهر دائم الجريان، ولا تبقى على حالها، إنها تتغير بتغير الحياة الإجتماعية، وإذا كانت التمثلات شخصية، فالمفاهيم لا شخصية ومن خلالها تتمكن العقول من التواصل"(14).
التمثلات الجماعية:
ينتقل دوركايم بعد تحديده للتمثلات الفردية إلى تعريف التمثلات الجماعية على الشكل الآتي: إذا كانت التمثلات الفردية خارج عن خلايا دماغ خاص فإن نفس الشيء يمكن أن يقال عن التمثلات الجماعية الخارج عن أدمغة كل أعضاء جماعة اجتماعية معينة أو محددة، بحيث تشكل التمثلات الفردية ولا يمكنها بالتالي إلا أن تكون قابلة للمقارنة بصيغة ما مع هذه الأخيرة، ويمكن الوصول إلى خلاصة مفادها أن الظواهر الاجتماعية التي يتعين تحديدها وذلك بهدف أن يكون للسوسيولوجيا موضوعا خاصا بها هي أولى. وهكذا يؤكد أن التمثلات الجماعية أكثر حضورا وأصدق دلالة من التمثلات الفردية، ويبدو هذا منطقيا بالنظر إلى أن الاتجاهات السوسيولوجية تمثيل إلى الجماعة، وإقصاء للفرد باعتباره جزء منها ويتأتى بها. فالوعي الجماعي يتجاوز الوعي الفردي ويتحكم فيه ويوجهه، وفي هذا السياق يقول: إميل دوركايم: "إن الوعي الجماعي يحرض التمثلات الجماعية التي تختلف حسب موضوعاتها: اقتصادي، سياسي، أخلاقي، ديني...وحسب طبيعتها مادية أو مثالية وهي أشكال عقلية واجتماعية التي تجمع عناصر كثيرة أسطورية، أو نظرة حول المكان أو الوقت (تقاليد، علم موحد، آراء، أساطير، حكايات شعبية...) ولها علاقة مع الممارسات اليومية والسلوكيات الفردية والجماعية ونتيجة لهذه الأسباب تشكل التمثلات الجماعية القاعدة الأساسية للأحكام الإنسانية"(15).
هكذا يخلص دوركايم إلى ما مفاده أنّ التمثلات الجماعية لها سلطة الإكراه التي بمقتضاها تفرض الظواهر الاجتماعية ذاتها على الفرد، بحيث تتخذ هذه التمثلات الجماعية كموضوع لها الوعي الجمعي والملاحظ أن دوركايم ركز بشكل كبير على ممارسة الظواهر الاجتماعية للإكراه على الأفراد وميزها عن الظواهر العضوية والنفسية . يقول دوركايم في هذا الصدد ما يلي: "إن الظواهر الاجتماعية المكونة من التمثلات الجماعية مميزة ليس فقط عن الظواهر العضوية، ولكن مميزة كذلك عن الظواهر النفسية التي ليس لها وجود إلا في وبواسطة الوعي الفردي"(16)، وقد شدد دوركايم على أن الظواهر الاجتماعية توجد في الوعي الجمعي الذي شكل العمود الفقري للسوسيولوجيا الدوركايمية، الذي بدونه كانت ستنهار وحدة النسق ومن ثم يختلف الوعي الجمعي عن الوعي الفردي...إن هذا التأكيد على أن التمثلات التي تنبني على أسس الجماعة وترتبط بالوعي العام الذي يسود المجتمع هي في منأى عن التغيير ومستمرة ودائمة عبر الأجيال. هكذا نرى أن دوركايم قد ركز على قوة وقهر المجتمع وذلك أنه لتفسير أي ظاهرة يجب الرجوع إلى المجتمع، أي هناك تغييب للفرد، وبالتالي المجتمع هو القيم والعادات والتقاليد والدين ...وهي التي تكون التمثلات الاجتماعية، وهي ظواهر جمعية ومستقلة عن الأفراد.
وتبعا لذلك يرى دوركايم أن الناس، بمن فيهم علماء الإجتماع، وغيرهم من العلماء، لا يمكنهم فهم عالمهم، إلا من خلال استخدام المفاهيم التي تسمح لهم باستيعاب وتنظيم التجارب والخبرات الفوضوية التي تتلقاها حواسهم، فقبل أن يتسنى لهم الإقدام على فعل ما، يتحتم عليهم تصور هذا الفعل بشكل من الأشكال ومحاولة توقع تبعاته، والتصورات الجمعية هي المفاهيم المشتركة اجتماعيا التي يستطيع الناس من خلالها التفاعل مع العالم الطبيعي وغيرهـــم من الناس الذين يقابلونهم، وعليه فالواقع إنما هو واقع تشكله الظروف المجتمعية، وفي التفاعلية الرمزية، تم صوغ هذه الفكرة نفسها فيما يتعلق بتوظيف الرموز والمعاني لبناء معنى الموقف، وقد تم تبني هذه النقطة في أعمال جان بودريارد الذي يفضل مصطلح" الصورة الزائفة" وذلك لتوكيد وجهة نظره في ضرورة اعتبار التصورات الجمعية انعكاسات فكرية مباشرة عن واقع خارجي مستقل، أي أنه يجب رؤيتها دائما باعتبارها مشكلات للواقع"(17).
أمّا بالنسبة لعالم الاجتماع الفرنسي" بيير بورديو" فإن كل التمثلات التي تكونت لذا الأفراد عن وضعهم هي الكيفية التي يمثلون بها ذلك الواقع الذي يتولد عن منظومة الإدراك والتقدير هذه الوضعية التي تحددها مكانة الفرد في النظم الاجتماعية، وتتولد كذلك عن التمثلات التي تكون لذا الآخرين عن هذه الوضعية لذلك فالاختلافات الموجودة في الواقع العيني توجد أيضا في أذهان الفاعلين، وتتحول تلك الاختلافات إلى فوائد يجنيها الأفراد والفاعلين بسبب عدم تكافؤ في امتلاك رؤوس الأموال المادية منها والرمزية، أي امتيازات معترف بها في التمثلات التي تكون لدى الفاعلين، وتكتسب تلك الامتيازات مشروعيتها من خلال الاعتراف بها، يقول بورديو في هذا الصدد:" إن التمثل الذي يكون لدى الأفراد عن وضعهم في الفضاء الاجتماعي يتولد عن منظومة من رسوم الإدراك والتقدير التي تتولد بدورها عن وضعية معينة تحددها المكانة في توزيع الخيرات والرأسمال الرمزي، والتي تدخل في اعتبارها التمثلات التي تكون لدى الآخرين عن هذه الوضعية والتي يحدد تجمعها الرأسمال وكذا المكانة في التوزيع وقد وجدت تعبيرها الرمزي في أسلوب العيش"(18).
وما ينبغي التأكيد عليه بالنسبة "لبيير بورديو "وهو أن تمثلات الأفراد عن الكيفية التي يمثلون بها ذلك الوضع، كلها تنتج عما يسميه بمنظومة الإدراك والتقدير، كما أن لهذه التمثلات دور كبير في إضفاء المشروعية على الفوارق الاجتماعية والطبقية، وتختلف تمثلات الفاعلين باختلاف شرط الوجود الاجتماعي، أما عالم الاجتماع البريطاني جون سكوت فيعرّف"التمثلات على أنّها الظواهر الفكرية المشتركة التي ينظم من خلالها الناس حياتهم، وتشكل مكونات جوهرية من أي ثقافة، وقد طرح هذا المصطلح لأول مرة دوركايم للإشارة إلى واحدة من الأنواع الرئيسية لـ "الحقائق الاجتماعية" التي يعنى بها علم الإجتماع: وهي المعتقدات والأفكار والقيم والرموز والتوقعات التي تشكل طرق التفكير والشعور التي تتسم بالعمومية والديمومة ضمن مجتمع ما أو مجموعة اجتماعية ما والتي تتشاركها باعتبارها خصيصة جماعية لها"(19).
ويعرّفها جيل فيريول إذ يقول في هذا الصدد ما يلي: من الممكن أن نعتبر التمثلات واقعا فريدا من نوعه يدل على رسوخ بنية الوعي الجماعي وطابعه الاستعلائي، أو آلة تصنيف الأشخاص والتصرفات، أو هيئة وسيطة بين الإيديولوجيات والممارسات، أو شكلا خاصا لفكر رمزي له قواعد تشكيل وانتشار خاصة به، وبغض النظر عن وجهة النظر المتبناة، تعرف بعض الإنتاجات بالمحتوى عندما يتعلق الأمر مثلا بالمعلومات أو الآراء، وترتبط بالفرد أو المجموعات، وتقع عند الحد المشترك للمادة والشخص، وللصورة والدلالة وتمنح بذلك نماذج وأطرا تحليلية قادرة على إفهامنا تكوين الحس المشترك بشكل أفضل، وهذا عبر عدد من العمليات ولا سيما الاحتجاز الانتقائي والتعميم المبنين أو الإجراءات منها المتصلة بالوضعنة والتشخيص(20).
وحسب تعريف عالم الاجتماع جوردن مارشال يشير مصطلح التمثلات إلى: "الطريقة التي تعمل بها الصورة والنصوص على إعادة بناء المصادر الأصلية التي تمثلها، وليس مجرد عكسها فحسب، وهكذا فإن رسمها لشجرة أو صورة لها أو وصفا مكتوبا لها لا يمكن أن يكون شجرة حقيقية، وإنما كل ذلك إعادة بناء الشيء الذي بدأ الشخص القائم بالتصوير أنه كذلك، فلو أن ذلك التصور كان شجرة فعلا، لما أمكن أن يكون صورة، أو رسما أو نصا مكتوبا.والتمثل أو التصور مفهوم مهم في السيمولوجيا " علم العلامات" وفي علم اللغة…ويدل على طريقة إعادة بناء وصياغة المعنى، إذ أنّ التصور يعمل باستمرار على تأكيد الأفكار النمطية عن هوية النوع، كما نلاحظ أن كل الصور التي تقدمها وسائل الاتصال في الإعلانات أو في الأفلام السينمائية إنما تقدمها دائما باعتبارها " شريحة من الواقع"، ومحاولة فهم تلك الصور، والتوصل إلى فهم معين لها، وكيف تقوم بصياغة المعنى.. حيث تميل الصور خاصة إلى تصنيف أفكار معقدة في معان ظاهرة البساطة، على النحو الذي ينفى عنها التناقض والغموض، ومن ثم تصبح التصورات كالأساطير التي يقبلها الناس برغم ذلك كشيء حقيقي"(21).
كما يعرّفها عالم الاجتماع فريدريك لوبرونFrédéric lebaron فيعرفها كما يلي: "تعني التمثلات الاجتماعية أولا وقبل كل شيء تلك الصورة الذهنية لظاهرة ما، ويتم دراستها بشكل خاص من قبل علم النفس الاجتماعي"(22).
ويرى الباحث وعالم الاجتماع جون ماري سيكا Jean Marie Seca:"أن التمثلات الاجتماعية هي منتوج ونظام لنشاط عقلي بفضله الشخص أو الجماعة تعيد بناء الواقع الذي تواجهه وتستند له رموزا خاصة، كما يعتبره نسقا لترجمة الواقع الذي يحكم العلاقات مع الأفراد ومحيطهم(23)، في حين يشير مفهوم التمثل عند دونيس جودلات:"معرفة الحس المشترك والتي تعمل فيه المضامين والمحتويات على إبراز عملية التطور العمومي والوظيفي، ذو الصبغة الاجتماعيـة وبشكل عام يشير هذا المفهوم إلى شكل الفكر الاجتماعي، فالتمثلات الاجتماعية هي أنماط التفكير الموجه بشكل فعلي نحو التواصل والفهم والضبط والسيطرة على المحيط الاجتماعي المادي والمثالي، وبما أنها كذلك، فهي تمثل سلوكيات خاصة عل مستوى تنظيم المحتويات والعمليات العقلية والمنطقية، كما أن التنميط الاجتماعي للمحتويات وسيرورة التمثلات ترتبط بالظروف والسياقات الذي أنتج هذه التمثلات وأشكال التواصل الذي تروج من خلاله، والوظائف التي تشغلها في تحقيق التعامل مع العالم والآخرين (24).
إن دراسة التمثلات بحسب هذه التصورات تمنحنا معلومات حول تلك العلاقة بين الأفراد والجماعة التي ينتمون إليها، فهي بهذا تعطي معنى لموضوع التمثل وتؤدي إل ردود فعل متشابهة بين أفراد المجتمع الواحد، بحيث يكونون معنى مشتركا ومتقاسما بينهم، ولذلك فغايتها هي توجيه السلوك والاتصالات بين أفراد المجتمع الواحد، ثم تنظيم المحيط والتحكم فيه، على اعتبار أنها تساهم في تأسيس نظرة موحدة لواقع الجماعات الاجتماعية أو ثقافة معينة، فالتمثلات والمعارف الخاصة، فلا نقول عن تمثل أنه اجتماعي، إلا في الحالة التي يكون فيها تقاسما بين أفراد المجتمع، وكان يسمح بفهم مشترك ويظهر أثناء التفاعلات الاجتماعية، وبذلك يصبح للتمثلات وظيفة خلق الانسجام والتناغم داخل الجماعة عبر الأثر الذي تخلفه في فهم وضعيات بذاتها وتكوين إجابات حولها، بحيث تمنح للحالات المعيشة، السلوك البديهي، وهي تتكون من خلال التفاعلات التي تحدث بين أفراد المجتمع في مدة زمنية معينة، وتساهم في التنشئة الاجتماعية.
إن التمثلات بهذا المعنى توجه سلوكياتنا ونظرتنا إلى العالم. إنها أشكال المعرفة المتداولة داخل المجتمع وهي تأخذ الخصائص التالية:
1 ـ تكون كتقاسم بين أفراد الجماعة وهي تتشكل انطلاقا من التجارب المعيشية، والمعارف الملقنة.
2 ـ غايتها التنظيم والسيطرة على المحيط وتوجه التواصل والتصرفات التي تحدث بداخله.
3 ـ تساهم في إحداث تناغم اجتماعي، عبر أحداث وتكوين واقع مشترك داخل الجماعة الواحدة .
4 ـ تقبل التغيير لكنه لا يحدث إلا عندما نتجه رأسا نحو عناصر النواة المركزية للتمثل.
وهنا ينبغي أن نطرح مجموعة من التساؤلات وهي كالتالي:
كيف تتكون التمثلات؟
وما نواتها المركزية؟
وما الميكانيزمات التي تحكمها؟
أ ـ تكون التمثلات الاجتماعية: لكل فرد آليات وميكنزمات تسمح له بتكوين تمثلاته الخاصة، وهي ذات طبيعة معرفية: إنها طرق لتنظيم المعلومات الصادرة عن العالم الاجتماعي الذي هاجر إليه الفرد. بحيث يبدو من المستحيل أن نمنحه كل المعلومات الضرورية حتى يضبط ويفهم وأن يتصرف أمام حالة معطاة، ولذلك فهو مضطر لانتقاء تلك المعلومات التي تبدو له ذات راهنية وتمكنه من إعطاء الدلالة المتناسبة التي تتلاءم وهذه الحالة أو تلك.
ب ـ بنيـة التمثل
1 ـ النواة المركزية: النواة المركزية لتمثل اجتماعي معين هي مجموع التمثلات المتضمنة فيها
والمكونة من عنصر أو مجموعة عناصر تدل على التمثل وهي عناصر أقل كثرة بشكل عام للنواة المركزية، وهي تمثل مجموع المعارف الأكثر مقاومة للتغيير.
2 ـ العناصر المحيطة: العناصر المحيطة هي أقل تركيزا في التمثل الاجتماعي وهي تنتظم من حول العناصر النواتية، بحيث تلعب دورا أساسيا في إعطاء الدلالة للواقع وختمه بطابعها، كما تسمح بتصدير معنى ما إلى وضعية ما أيضا بطريقة سريعة كما يمكن أن تقبل بمعارف تناقض التمثلات المختومة وهو ما يعني أنها قادرة على التطور من دون إحداث تغيير كبير في التمثل (25).
ج: ميكانيزمات التمثلات الاجتماعية
1 ـ تكوين الانطباعات: الانطباع هو صورة عامة منسجمة عن صورة مكونة من مجموعة من المعارف أقل أو أكثر تنافرا أو تباينا، بحيث إن الفرد يستسلم لتأطير بعض المعارف التي تتعلق بوضعية معيشة تفرض نفسها عليه، واختياره لهذه الانطباعات يخضع لميكانزمين اثنين خاصين وهما:
- تأثير أولي: يرتبط بمدى أثر المعارف الأولى التي تلقيناها بالمقارنة مع المعارف الموالية.
- تأثير جوهري: لبعض المعارف ذات القيمة وهي طباع، يطلق عليها اسم الخطوط الجوهرية.
2 ـ الأحكام المسبقة والأجوبة الاجتماعية: Stéréotype
الحكم المسبق: هو تقويم يمارسه الفرد بناءا على اعتبارات ذاتية، وخاصة ومؤسسة بشكل قبلي،
فالأحكام الجاهزة هي رأي جاهز، يتم قبولها دون تفكير مسبق ويتم ترديدها دون تمحيص أو تحقق مسبق، ولذلك فهي تعمل عل رسم الواقع بشكل معين، أي العمل على تقطيعه إلى فئات محددة وهي أيضا تصورات عقلية مكتسبة، لا تتلاءم بالضرورة مع وقائع ذات طابع موضوعي.
3 ـ كيفية اشتغال الأحكام المسبقة والجاهزة: إن الأحكام المسبقة هي بمثابة تمثلات اقتصادية يسهل انتقالها، جاهزة، تعمل على تبسيط الواقع، حيث تعمل على توجيه الفهم، لبعض الوضعيات لتفادي التحليل المعمق والمكلف من حيث الوقت والجهد، وهي تعمل على تحقيق الاندمـاج وضمان العضوية داخل الجماعة، بالنظر إلى أنها مشتركة، ومتبناة بين أكبر عدد من أفراد المجتمع، ولذلك فهي تيسر عملية التمييز داخل مجموعة منسجمة. يظهر تحجر الأحكام الجاهزة بشكل واضح عندما نأخذ بعين الاعتبار أثرها على الإدراك وذكريات الذوات، بحيث تم إجراء بحث في الولايات المتحدة حول صورة الإنسان الأبيض والإنسان الأسود لدى مجموعة من الأفراد، حيث أخذ الأبيض شفرة حلاقة بيده، ليطلب من العينة وصف ما شاهدوه، إذ عملوا على مباشرة عل ربط شفرة حلاقة بالإنسان الأسود تبعا لما ترسخ في أذهانهم من أحكام جاهزة حيث يعتبرون الإنسان الأسود الأمريكي كائن عنيف.
أن تكون الأحكام الجاهزة تخضع لأربع تطورات معرفية
الأول: ما فوق التعميم La Surgénéralidation والتي تقتضي تعميم الصفة المميزة لدى فرد معين على بقية الأفراد الآخرين.
الثاني: الانحرافات السلبية المرتبطة أساسا بالميل العميق إلى اختيار وتفضيل الخطوط السلبية لفرد أو مجموعة معينة.
الثالث: الأحكام الجاهزة ترتبط بالميل الداخلي نحو الأخذ بالخطوط العريضة للفرد أو الجماعة.
الرابع: الربط المغلوط الذي يتأسس على الميل الداخلي يجد له انسجاما في مختلف الخطوط العريضة لمجموعة اجتماعية معطاة (26).
إن ما يمكن ملاحظته من خلال الطرح السوسيولوجي لمفهوم التمثل هو اعتباره غير قابل للتغيير بالنظر إلى أنه يرتبط بالوعي الجماعي لشريحة اجتماعية عريضة، الأمر الذي يجعل منه متعاليا على شعور الفرد وخارج إرادته، ببسط سيطرته عليه، والتحكم فيه، حيث لا يمنحه إمكانية تجاوزه، مادام يلتزم بالالتزام والقهر وهو كذلك، لأنه نتيجة تفاعلات وعلاقات تنشأ بين أفراد المجتمع، ولأنه يضمن تماسك المجتمع ويحافظ على بنيته واستمراريته، فالتمثل يقوي الروابط الاجتماعية السائدة، الأمر الذي يجعل هذا التصور أحادي الجانب من حيث أنه يلغي المكون السيكولوجي للفرد وردوده في إحداث التمثل مما يضع أمامنا إمكانية الانفتاح على مقاربات أخرى، خاصة مقاربة علم النفس الاجتماعي.
مقاربة علم النفس الاجتماعي
جاء في قاموس علم النفس لنوربير سيلامي ما يلي:
"التمثل الذي يرجع إلى الكلمة اللاتينية "Representare" أي "إحضار الشيء" لا يقصد به إحضار صورة لحقيقة الشيء، بل هو بناء يقوم به نشاطنا العقلي"(27)، ويرجع السبق في توظيف مفهوم التمثل الاجتماعي إلى عالم النفس الاجتماعي سيرج موسكو فيتشيSerge Moscovici الذي اقترحه لأول مرة في كتابه son image et son public سنة 1961 في دراسته للتحليل النفسي،
حيث شكل مفهوم التمثل في هذه الفترة مجال اهتمام واسع ليلقى رواجا بعد ذلك، في مجال الأبحاث النفسية الاجتماعية خاصة مع الباحثين هرليش وداوز وبيري كليمان، وفي العلوم الإنسانية بصفة عامة وفيه يقول موسكوفيسي: "عهدنا عهد التمثلات الاجتماعية بامتياز"(28).
وقد حاول "Moscovici" مقاربة المفهوم من خلال حديثه على أن التمثلات الاجتماعية وضعت قنطرة عبور بين ما هو اجتماعي إلى ما هو فردي، ومما هو فردي إلى ما هو اجتماعي، ولتحقيق ذلك تم القيام بعمليتين هما: إضافة أشياء وحذف أشياء، نظرا لكون الإنسان العادي هدفه هو الحفاظ على توازنه واستقراره المعرفي والنفسي، وذلك بالتركيز على أشياء معينة. حيثُ يعتبر أنه "يمكن مقارنة التمثلات الاجتماعية بنظريات المعرفة المشتركة والعلوم الشعبية المنتشرة داخل مجتمع معين" فالتمثلات بهذا المعنى يتم بناؤها في إطار الممارسات اليومية، يتم تقاسمها بين أعضاء مجموعة معينة (29).
ويعود الفضل لموسكو فيتشي في إعطاء الوضوح العلمي اللازم لمفهوم التمثل الاجتماعي، كما وصف الطريقة الملائمة لمقاربته بشكل سيكو سوسيولوجي فمن جهة، أعاد التساؤل حول مفهوم التمثل الاجتماعي، ثم أبان عن أهميته في العديد من مجالات الحياة الاجتماعية من جهة ثانية.
فقد أبرز كيف أن التمثل يعمل على تحويل المعرفة العلمية إلى معرفة مشتركة بين عدد من الأفراد وبشكل متبادل أيضا، يقول: "التمثل نسق من القيم والمفاهيم والسلوكيات المرتبطة بسمات ومواضيع يحدد معالمها الوسط الاجتماعي. وهي لا تسمح فقط بتحقيق استقرار حياة الأفراد والجماعات ولكنها تشكل فوق كل هذا وذاك أداة لتوجيه إدراك المواقف وصياغة الأجوبة عل التساؤلات المطروحة.
ويتشكل التمثل تحت تأثير عاملين رئيسيين وهما:
التواضع والموضعة: (L’objectivité)
يمثل النواة المركزية للتمثل فمن خلاله تتم عملية بناء الموضوع، في شكل جديد، وتتكون بدورها من ثلاثة مراحل وهي:
- البناء الانتقائي Sélection constructive
فمن خلال هذه العملية يتبنى الفرد الرموز والمعايير والقيم الملائمة لتمثلاته السابقة حول موضوع ما. فعملية الانتقاء هذه تهدف إلى خلق تلائم وتوافق ما بين مكونات ومضامين تمثلات الأفراد وبين أشكال وصيغ بنائها من طرف الفرد.
- الخطاطة البنائية Schématisation constructurale
حين يقوم الفرد خلال هذه العملية بتجزيء أو تشجير معطيات التمثل حسب خبراته لتستجيب للقواعد المعرفية والسلوكية القائمة، أي لتمثلاته السابقة والتي يشترك فيها مع بقية أفراد المجتمع، مما يعطي التمثلات سهولة استدعائها أثناء التواجد في وضعية معينة قد كون الفرد حولها مسبقا.
- التطبيع naturalisation
وهي تعمل على تحديد المفاهيم المجردة للنشاط العقلي وتجسيد الأفكار من خلال منحها صورة معينة حيث يعمل الفرد من خلال تأكيد مسايرة معاييره للقيم السائدة داخل المجتمع.
- الترسيخ L’encrage
وهو يعمل على تأمين التوجه الاجتماعي للتمثل مع القيم المعرفية الخاصة التي يتطلع إليها في الجماعة المرجعية، فالترسيخ بهذا المعنى، يمكن اعتباره مرادفا لاستقرار التمثل وفق المعايير الاجتماعية السائدة، فيصبح حقيقة مرجعية يستند إليها الفرد في كل أفعاله ومواقفه وسلوكياته السيكوسوسيولوجية (30).
تأسيسا على ما سبق فإن المقاربة السيكوسوسيولوجية قد عملت على تقديم التمثل وتفسيره باعتباره عملية بنائية تخضع للتجديد، وليس مجرد استدماج مكانيكي من قبل الأفراد، كما زاوجت بين "البعد النفسي للفرد" و"البعد الاجتماعي للجماعة" فكان ذلك بمثابة الانطلاقة نحو فهم جديد للتمثل في بعده المعرفي خاصة مع علم النفس المعرفي.
مقاربة علم النفس المعرفي
اشتغل جون بياجي بدوره على مفهوم التمثل والأحكام الأخلاقية عند الطفل، خاصة فيما يتعلق بتكوين السيرورات النفسية المتدخلة في معالجة معطيات الواقع مثل سيرورة الترتيب والتفييء والتفسير، فمن خلال التمثل نستطيع حسب فهم مشكل الحفاظ على الكميات لدى الطفل مثلا، وهو لم يهتم التمثلات العقلية عند الطفل إلا من حيث أنها تساهم وتتماشى مع تكوين شبكة للفهم المنطقي للعالم بالنسبة إليه والتي تنمو بشكل متدرج وبشكل مرحلي تبعا للنمو العقلي للطفل.
إن دور التمثلات الاجتماعية السائدة داخل مجتمع ما في ظهور الأحكام الأخلاقية عند الطفل، جعلت بياجي منذ سنة 1932 يعمل على فهم تحولات أفكار الأطفال التي يكونوها خلال مراحل نموهم حول مفاهيم أخلاقية كالانضباط والاحترام التبادل والتعاون والواجب .. فالأطفال سيدمجون هذه المفاهيم ويضعون تمثلا لها من خلال التنشئة الاجتماعية التي يخضعون لها داخل مؤسسة الأسرة والمدرسة وهم مجبرون على التصرف وفق هذه التمثلات الاجتماعية ليحققوا اندماجهم داخل الجماعة(31)، أما في سنة 1946 فقد انهمك بياجي على فهم تكوين الرموز لدى الطفل من خلال نموه العقلي، حيث يظهر التمثل كسيرورة للتقليد واستعمال الصور العقلية، فلعب الأطفال مثلا، يسمح للطفل بالمرور إلى الوضعية الحقيقية في الواقع وعلى تحضير ذاته للسلوك المفترض مستقبلا.
إن تكوين المعرفة بهذا المعنى، هو بمثابة سيرورة نمو وتطور متواصلة، لا يمكن معرفة بدايتها الأولى أو نهايتها، لأن كل معرفة جديدة هي وليدة معرفة سابقة في بنائها على مفاهيم وتصورات وخبرات وتجارب معينة. ومهما كانت طبيعة هذه المعارف فإنها تتشكل داخل إطار أو "بنية ذهنية" تسمى التمثلات حيث تقوم هذه الأخيرة بعدة وظائف منها رصد المعطيات المعرفية وانتقاء المعلومات وتحويلها وإعادة بنائها، مما يجعل منها نشاطا معرفيا إبداعيا (32).
على سبيل الختم
خلصت هذه الدراسة إلى أن التمثل يشكل حجر الزاوية لفهم كيفية إدراك الأفراد للعالم الاجتماعي والثقافي، ولفهم ديناميات المعرفة داخل الجماعات. أظهرت الدراسة أن التمثلات الفردية والجماعية تتفاعل أحيانًا بشكل متكامل وأحيانًا بشكل متعارض، وهو ما يوضح التعقيد الداخلي للسلوك الاجتماعي.
كما أبرزت الدراسة أهمية المفكرين والفلاسفة مثل شوبنهاور ودوركايم، وعلماء الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي والمعرفي، في تقديم أدوات تحليلية دقيقة لفهم التمثل.
إن دراسة بنية التمثل وآلياته، بما في ذلك الأحكام المسبقة والأجوبة الاجتماعية، توفر فهماً علمياً متكاملاً لكيفية اشتغال المعرفة داخل المجتمع، وتؤكد أن التمثلات تشكل أساسًا لفهم الظواهر الثقافية والاجتماعية، كما تعزز من القدرة على التفسير الأكاديمي للسلوك الاجتماعي وآليات التواصل الجماعي.
***
د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث جامعي مغربي
..........................
لائحة المراجع والمصادر
المراجع والمصادر باللغة العربية
- القرآن الكريم.
- ابن سيدة: المحكم والمحيط العظم في اللغة، ت.د. عائشة عبد الرحمان بنت الشاطئ، ط 2، ج3.
- بيير بورديو، الرمز والسلطة، ترجمة بن عبد العالي، دار توبقال للنشر، الطبعة الثانية 1990.
- جون سكوت، علم الاجتماع، المفاهيم الأساسية، طبعة الأولى بيروت 2009.
- جيل فيريول، معجم مصطلحات علم الاجتماع، طبعة الأولى، 2011.
- جوردن مارشال، موسوعة علم الاجتماع، مراجعة وتقديم محمد الجوهري. طبعة الأولى 2000.
- مجلة مواقف للبحوث والدراسات في المجتمع والتاريخ.
- حليمة كريم 2007 ص .120، المرجع: التمثلات وعلاقتها بالعملية التعليمية، مجلة علوم التربية، دورية مغربية نصف سنوية، أكتوبر 2007، العدد 35.
- مجمع اللغة العربية، معجم علم النفس والتربية، الجزء الأول، الهيأة العامة لشئون المطابع الأميرية،1984.
- ريجيس دوبري، مفهوم الصورة عند ريجيس دوبري.
- شاكر عبد الحميد، عصر الصورة.
- فرانسوا مورو: البلاغة مدخل لدراسة الصور البيانية، ترجمة: محمد الولي وعائشة جرير، إفريقيا الشرق-الدار البيضاء، 2003م.
- شرف الدين مجدولين: الصورة والنوع والمتخيل الثقافي قراءة في نموذجين نقديين، مجلة نزوى، العدد.36، أكتوبر2003.
- صلاح عبد الفتاح الخالدي، نظرية التصوير الفني عند السيد قطب، الفنون المطبعية، الجزائر،
1988.
- عمر عتيق، ثقافة الصورة دراسات أسلوبية، عالم الكتب الحديث للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى،2010.
- شاكر عبد الحميد، عصر الصورة.
- علي بن محمد الشريف الجرجاني، كتاب التعريفات، مكتبة لبنان، طبعة جديدة، بيروت، 1985.
- إيناسيورامونه، ترجمة نبيل الدبس، الصورة وطغيان الاتصال، دمشق، 2009.
- عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تحقيق محمود محمد شاكر، مطبعة المدني بالقاهرة، ودار المدني بجدة، الطبعة الثالثة، 1992 م.
- كامل حسن البصير، بناء الصورة الفنية في البيان العربي.
- عبير عليوة إبراهيم، الصورة الفنية في شعر حسان بن ثابت، رسالة ماجستير مخطوطة بكلية الآداب، جامعة الزقازيق،1990م.
- الولي محمد، الصورة الشعرية في الخطاب البلاغي والنقدي، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط1،
1990.
- عبد القادر القط، الاتجاه الوجداني في الشعر العربي المعاصر، دار النهضة العربية، ط2، 1981.
- ابن كثير، تفسير القرآن الكريم، (4/ 106. (
- القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 15، ص. 328.
- الجاحظ، عمرو بن بحر، كتاب الحيوان، تحقيق وشرح عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، ج3.
- د. كامل البصير، بناء الصورة الفنية في البيان العربي.
- د. إحسان عباس، تاريخ النقد الأدبي عند العرب.
- الراغب أحمد، وظيفة الصورة في القران الكريم، ص 21, عن: قدامة بن جعفر، نقد الشعر.
- الدكتور محمد إبراهيم عبد العزيز شادي، الصورة بين القدماء والمعاصرين.
- العسكري ابو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل، كتاب الصناعتين، تحقيق علي محمد البجاوي، ومحمد أبو الفضل إبراهيم، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركائه، 1952م.
- الدكتور محمد محمد أبو موسى، البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري.
- الراغب احمد، وظيفة الصورة في القران الكريم، ص.30، عن ابن الاثير، المثل السائر.
- حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تحقيق محمد الحبيب الخوجة – بيروت – دار الغرب الاسلامية، ط. 2، 1981.
- محمد بوزاوي، معجم مصطلحات الأدب، الدار الوطنية للكتاب، الجزائر، د ط، 2009.
- أحمد جمعة أحمد نايل، التحليل الأدبي أسسه وتطبيقاته التربوية، دار الوفاء، الإسكندرية، ط1،
ص.206.
- جابر عصفور، الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي، دار الثقافة للطباعة والنشر، مصر،
ط3، 1992.
- مصطفى ناصف، الصورة الأدبية، مكتبة مصر، القاهرة، ط. 1، 1998م.
- عز الدين إسماعيل، التفسير النفسي للأدب، مكتبة غريب، القاهرة، ط4، د.ت.
- أبو أديب كمال، جدلية الخفاء والتجلي، دار العلم للملايين، بيروت، طبعة 3، ص. 20.
- اليافي نعيم، الصورة في القصيدة العربية المعاصرة، القاهرة، ص. 2.
- ماجدة حمود، مقاربات تطبيقية في الأدب المقارن، تحاد كتاب العرب، سوريا، ط. 1، 2011م.
- أهمية الصورة في العملية التعليمية التعلمية – الحوار المتمدن العدد 2826 – المحور: الفلسفة،
علم النفس، وعلم الاجتماع.
- أحمد فرشوخ، الطفولة والخطاب.
- الدكتور أحمد أوزي، الطفل والمجتمع.
- مصطفى الورياغلي، الصورة الروائية.
- كيليطو، الأدب والغرابة.
- د. محمد مفتاح تحليل الخطاب الشعري إستراتيجية التناص، دار السنوبر ط1 1985.
- جوزيف كورتيس، مدخل إلى السيميائية السردية والخطابية، ترجمة: د. جمال حضري، الدار العربية للعلوم ناشرون، منشورات الاختلاف.
- كورتيس، مدخل إلى السيميائية السردية والخطابية، ص 208، ترجمة د. جمال حضري، منشورات الاختلاف، الجزائر العاصمة، الجزائر، السنة 2007.
- غريماس، تقديم لكتاب جوزيف كورتيس مدخل إلى السيميائية السردية والخطابية.
- المراجع والمصادر بغير العربية
– Larbi Layachi: Yesterday and Today (الأمس واليوم).
- Black Sparrow Press, Santa Barbara. CA. 1985: The Jealous Lover.
Tambouctou Books. CA. 1985.
- Le petit robert.
– Flament. C. 447: 1989.
– P. Mannoni, 1989.
– G. Thines, et, A. Lempreur, 1975.
– Thines et Lempreur, 1975.
– E.durkeheim: " forme élémentaire de la vie religieuse" puf. Paris 1968.
– Baudrillard, Jean. Simulacra and Simulations. The Precession of Simulacra.
– La sociologie de A à Z. Frédéric lebaron. paris.2009.p 103.
– Jodolet, D. 1984.
– Langenfeld 2005.
– N. Sillamy ,1980.
– Moscovici, " son image et son publique" édition puf, 1961.
– Yves Alpe, 2005.
– Ferdinand de Saussure, Cours de linguistique générale dans Bougnoux, D.
Sciences de l’information,
- Larousse, Paris, 1993, p. 12.
- Gremas, sémiotique structurale.6
- G. Courtes, Introduction à la sémiotique narrative et discursive.
- Analyse sémiotique du texte, p.15, Groupe d entre vernes.
الهوامش
(1) ـ آرثر شوبنهاور، العالم إرادة وتمثلا.ط.1. القاهرة، المركز القومي للترجمة 2006. ص 58.(
(2) ـ سورة مريم، الآية17.
(3) ـ المنجد في اللغة والإعلام، 1975، ص.440.
(4) ـ ابن منظور، 2000: 436.
(5) - Le petit robert 1, 1984, p1676.
(6) - Le petit robert 1, 1979, p1679.
(7) - Le petit robert 1, 1979, p1679.
(8) – Dictionnaire couleursTextes et images.993P1266
(9) – Flament. C. 447: 1989.
(10) – P. Mannoni, 1989: 35.
(11) – G. Thines, et, A. Lempreur, 1975:837.
(12) – Thines et Lempreur, 1975, p.837.
(13) – E.durkeheim: " forme élémentaire de la vie religieuse" puf. Paris 1968 page 65.
(14) ـ نفس المرجع صفحة 66.
(15) ـ دوركايم،1988، ص85.
(16) ـ دوركايم،1988، ص85.
(17) – Baudrillard, Jean. Simulacra and Simulations. The Precession of Simulacra.
(18) ـ بيير بورديو، الرمز والسلطة، ترجمة بن عبد العالي، دار توبقال للنشر، الطبعة الثانية 1990.
(19) ـ جون سكوت، علم الاجتماع، المفاهيم الأساسية، طبعة الأولى بيروت 2009 ص. 203-122.
(20) ـ جيل فيريول، معجم مصطلحات علم الاجتماع، طبعة الأولى، 2011، ص. 153.
(21) ـ جوردن مارشال، موسوعة علم الاجتماع، مراجعة وتقديم محمد الجوهري. طبعة الأولى 2000 ص 411.
(22) – La sociologie de A à Z. Frédéric lebaron. paris.2009.p 103.
(23) ـ مجلة مواقف للبحوث والدراسات في المجتمع والتاريخ، ص 194
(24) – Jodolet, D. 1984, p. 357 et 378.
(25) – Langenfeld 2005, p168.169.
(26) – Langenfeld 2005, p168.169.
(27) – N. Sillamy ,1980, p. 1029.
(28) – Moscovici, " son image et son publique" édition puf, 1961, page. 73.
(29) – Yves Alpe, 2005, p.220-221.
(30) – Monnouni: 2010 Mai, P.47-48
(31) – Monnouni 2010 Mai p.47.
(32) ـ حليمة كريم 2007 ص .120، المرجع: التمثلات وعلاقتها بالعملية التعليمية، مجلة علوم التربية، دورية مغربية نصف سنوية، أكتوبر 2007، العدد 35، ص.120.






