دراسات وبحوث

حمزة مولخنيف: الطبيعة بوصفها نظاما معقولا في فلسفة ابن رشد

من التفسير الغائي إلى انتظام العالم

في تاريخ الفكر الفلسفي تحتل الطبيعة مقاما يتجاوز حدود الموضوع المعرفي إلى مرتبة الأصل الذي تُوزَن به قدرة العقل على النفاذ إلى بنية الوجود. فكلُّ نظرٍ في الطبيعة ينطوي في العمق على امتحانٍ خفيٍّ لمشروعية البرهان وعلى مساءلةٍ دقيقة لمعنى النظام، وعلى استنطاقٍ متواصل للعلاقة التي تصل الموجود بتعقّله والحركةَ بمبدئها والكثرةَ بوحدتها. ومن ثَمّ غدت الطبيعة في ضمير الفلسفة الكبرى موضعا تنكشف فيه منزلة الإنسان من العالم، كما تنكشف فيه منزلة العالم من الحكمة؛ إذ لا يستقيم للعقل أن يطمئن إلى نفسه إلا في كونٍ تُدرك أجزاؤه بعللها وتُفهم حوادثه بسننه وتُقرأ مظاهره على ضوء انتظامٍ باطنٍ يردّ الكثرة إلى نسق والتفرق إلى تأليف والتبدل إلى قانون.

وعلى هذا الأفق الموشّى بكثافة الأسئلة وصرامة النظر، ينهض فكر ابن رشد بوصفه أحد أصفى التعبيرات الفلسفية عن معقولية العالم وأحد أمتن المحاولات التي شُيِّدت في الثقافة الإسلامية لإعادة وصل الطبيعة بالعقل والكون بالحكمة والبرهان بالإيمان. فالرجل لم يقف عند حدود الشرح المدرسي لأرسطو ولم يتعامل مع الموجود الطبيعي على أنه مادةٌ مبذولةٌ للحس أو حشدٌ من الوقائع المتجاورة، بل قرأه من داخل بنيته واستنطق حركته من داخل عللها، وردّ تفرّق ظواهره إلى مبدأ انتظامٍ يجعل العالم قابلا لأن يُفهم وجديرا بأن يُتخذ سبيلا إلى معرفة ما فوقه. وفي هذا تتحدد قيمة المشروع الرشدي، طبيعةٌ تنكشف بوصفها نظاما ونظامٌ يُفضي إلى حكمة وحكمةٌ لا تُنال بإبطال الوسائط بل بإحكام النظر فيها.

وتزداد هذه الرؤية عمقا إذا استُحضر السياق الجدلي الذي تشكّلت فيه. فقد كان ابن رشد يكتب في زمنٍ اشتدّ فيه النزاع حول معنى السببية وحول موقع الطبائع من الفعل الإلهي وحول إمكان ردّ العالم إلى سننٍ مطردة أو إلى تعاقبٍ منقطعٍ للحوادث. لذلك جاءت فلسفته في الطبيعة مشروطةً بمعركةٍ فكرية كبرى، موضوعها الحقيقي أوسع من الفيزياء وأبعد من وصف الظواهر؛ إذ كانت معركةً حول صورة العالم في العقل، أهو عالمٌ تُمسك به العلل وتضبطه القوانين وتخترقه الغايات، أم مجالٌ للانفصال، يتعذّر فيه الوثوق برباط الأسباب، ويضيق فيه أفق البرهان؟ ولعل الدفاع عن الطبيعة عنده معنىً يتجاوز البحث في العناصر والحركات إلى الدفاع عن كرامة العقل نفسه، لأن العقل لا يُثبت جدارته إلا في كونٍ يقبل الفهم ولا يُظهر قوته إلا في عالمٍ يحمل في باطنه قابليةَ الانتظام.

ولهذا ارتبط مفهوم الطبيعة في فلسفة ابن رشد ارتباطا وثيقا بمفهوم الغاية لا على جهة الزيادة الخطابية أو التلوين اللاهوتي، بل على جهة التأسيس البنيوي لمعنى الموجود الطبيعي. فالموجود في الأفق الرشدي لا يُستوفى بالنظر إلى مادته ولا يُستكمل بوصف صورته ولا يُفهم تماما بردّه إلى علته الفاعلة وحدها، بل يطلب في حقيقته جهةً رابعةً تمنح حركته معناها، وتكشف عن الوجه الذي به ينتظم الفعل في سياق الكمال. وقد اكتسب الغائية في فلسفته دلالةً مركزية؛ لأنها تُخرج الوجود من رتبة الوقائع المتراكمة إلى رتبة البنية المقصودة وتُعيد وصل الجزئي بالكلي وتفتح الطريق أمام قراءة العالم لا باعتباره مشهدا متبدّلا فحسب، بل باعتباره أثرا متماسكا لحكمةٍ تسري في أجزائه وتنتظم بها مراتبه وتغدو معها الطبيعة مرآةً كاشفةً عن عقلانية الوجود. وإذا كان الفكر الفلسفي قد عرف منذ أرسطو تقاليد متباينة في فهم الطبيعة، فإن خصوصية ابن رشد تتجلى في قدرته على الارتقاء بهذا الإرث إلى صياغةٍ جديدةٍ أكثر تماسكا في الجمع بين الدقة البرهانية والرهان الحضاري. فالمسألة عنده لا تتعلق ببيان كيفية حدوث الأشياء فحسب، بل تمس صورة الإنسان عن العالم الذي يسكنه وعن الحقيقة التي يطلبها وعن الإله الذي يستدل عليه. لأن عالما بلا نظام لا يورث علما، وعالما بلا علل لا يورث برهانا، وعالما بلا انتظام لا يورث حكمةً، بل يورث حيرةً لا تنتهي. أما العالم الذي تتساند فيه الحركات وتتآزر فيه الأسباب وتنتظم فيه الموجودات بحسب مراتبها فهو وحده العالم الذي يسمح للعقل أن يعبر من الظاهر إلى الباطن ومن الأثر إلى المؤثّر ومن الطبيعة إلى ما يجعل الطبيعة نفسها ممكنةً ومفهومةً.

من هذا المدخل تنفتح القراءة الرشدية للطبيعة بوصفها أفقا فلسفيا بالغ الثراء، تتقاطع فيه الفيزياء مع الميتافيزيقا ويتعانق فيه البرهان مع التأويل ويتحول فيه النظر في العالم من رصدٍ للظواهر إلى استكشافٍ لمعمار الوجود. ويغدو الانتقال من التفسير الغائي إلى انتظام العالم انتقالا من ملاحظة الوظائف الجزئية إلى إدراك النسق الكوني ومن تعليل الحركة في أفراد الموجودات إلى فهم الحركة في كلية العالم، ومن الوقوف عند ظاهر الطبيعة إلى النفاذ نحو معقوليتها الباطنة. وعلى هذا الأساس يتحدد مقصد هذا المقال المتواضع، مساءلة الكيفية التي صاغ بها ابن رشد مفهوم الطبيعة ضمن رؤيةٍ تجعل العالم نظاما معقولا وتجعل من انتظامه برهانا على حكمةٍ متعالية، من غير أن تُفرغ الموجودات من طبائعها أو تُعطل العلل في مراتبها أو تُحول القدرة الإلهية إلى نقيضٍ للنظام الذي به يقوم العالم ويُعرف.

ليس النظر في الطبيعة عند ابن رشد ترفا نظريا منفصلا عن صميم مشروعه الفلسفي ولا هو مجرد تلخيص شارحٍ لفلسفة أرسطو في العالم الإسلامي، بل هو موضعُ التقاءٍ دقيق بين الأنطولوجيا والفيزياء والإلهيات وأصول النظر العقلي في الموجودات. ذلك أن الطبيعة في الأفق الرشدي ليست مجموعا مبعثرا من الظواهر التي تُدرَك بالحس وحده، ولا ميدانا للفوضى أو المصادفة المطلقة، وإنما هي بنيةٌ محكومةٌ بقوانين مشدودةٌ إلى علل ومفصَّلةٌ وفق ترتيب يكشف عن معقولية العالم وانضباطه. ومن هنا كانت الطبيعة عنده أقرب إلى أن تكون “كتابا” آخر للوجود، تُقرأ صفحاته بمناهج البرهان كما تُقرأ آيات الوحي بمناهج التأويل الرشيد، ولهذا كان ابن رشد شديد الإصرار على أن فساد النظر في الطبيعة يفضي لا محالة إلى فساد النظر في الإلهيات لأن من عجز عن فهم انتظام الأثر تعذّر عليه إدراك حكمة المؤثِّر.

إن ما يميز المشروع الرشدي في هذا الباب هو أنه لا يتعامل مع الطبيعة بوصفها معطى خاما، بل بوصفها نظاما معقولا؛ أي إن الموجود الطبيعي عنده لا يُفهم من حيث هو واقعٌ فحسب، بل من حيث هو قابلٌ للتعليل ومن حيث هو حاملٌ لانتظام داخليّ يشي بأن الوجود ليس حادثا على سبيل العبث ولا قائما على محض التجاور العشوائي. وهذا المعنى هو الذي يجعل ابن رشد وريثا أمينا لأرسطو من جهة ومصححا لكثير من الانحرافات التي أدخلها المتكلمون وبعض الفلاسفة على معنى السببية والطبيعة من جهة أخرى. ولعل عبارة أرسطو الشهيرة “الطبيعة لا تفعل شيئا عبثا” تمثل المفتاح المنهجي الأوضح لفهم الرؤية الرشدية للعالم، إذ تلقّاها ابن رشد لا بوصفها جملةً مدرسية مكرورة، بل بوصفها مبدأً كاشفا عن البنية العميقة للموجودات الطبيعية وعن امتناع رد العالم إلى المصادفة أو الفوضى أو الإرادة المنفصلة عن الحكمة.

لقد كان ابن رشد يدرك بحسّ الفيلسوف والمتكلم معا، أن السؤال عن الطبيعة هو في جوهره سؤال عن العقلانية الكامنة في الوجود. فإذا كانت الطبيعة تجري على سنن مطردة وإذا كانت الموجودات تصدر عن أسباب محددة وإذا كانت صور الأشياء ووظائفها ومآلاتها قابلة للفهم، فإن ذلك لا يعني فقط إمكان العلم بل يعني أيضا أن العالم نفسه مؤسَّس على نحوٍ معقول. 

ولهذا لم يكن غرضُه من شرح كتب أرسطو في السماع الطبيعي والسماء والعالم والكون والفساد مجرّدَ خدمةِ التراث اليوناني، بل كان يسعى إلى ترسيخ قاعدةٍ كبرى، مؤدّاها أن البرهان على الله وعلى العناية وعلى الحكمة لا يمرّ عبر خرق النظام الطبيعي، بل عبر فهمه. فالإعجاز في نظر العقل الرشدي لا يتمثّل في إبطال السببية بل في انكشافها في أتمّ صورها؛ إذ كلّما ازداد النظام إحكاما ازداد العقل اقترابا من إدراك الحكمة الكلية التي يفيض عنها الوجود. وهنا يتبيّن أن التفسير الغائي في فلسفة ابن رشد ليس عنصرا زائدا على التفسير الطبيعي ولا هو تسرّبٌ لخطابٍ لاهوتيّ إلى قلب الفيزياء، كما قد تتوهّم بعض القراءات الحديثة ذات النزعة الاختزالية، بل هو الوجه الأكمل للتفسير الطبيعي نفسه. فالعلة الغائية عنده ليست بديلا من العلة الفاعلة أو الصورية أو المادية وإنما هي المبدأ الذي يهب سائر العلل معناها، لأن المادة لا تُفهم إلا من حيث قابليتها للصورة والصورة لا تُفهم إلا من حيث تحقّقها في الفعل، والفعل لا يُفهم إلا من حيث توجّهه إلى غاية. لذلك كان أرسطو يرى وكان ابن رشد يؤكّد بإلحاحٍ أشدّ أن إنكار الغاية ليس مجرّد حذفٍ لنوعٍ من أنواع العلل، بل هو تقويضٌ للنسق التفسيري برمّته، إذ يغدو العالم عندئذٍ سلسلةً من الوقائع المتجاورة بلا مقصد، وجملةً من الحركات التي لا يربط بينها شيءٌ سوى التعاقب الأعمى. 

ولعل هذا ما يفسر شدة ابن رشد في نقده للاتجاهات التي فرّغت الطبيعة من فاعليتها الداخلية. فهو يعترض على المتكلمين وبخاصة الأشاعرة، لا لأنهم أثبتوا القدرة الإلهية بل لأنهم – في نظره – أثبتوها على حساب الحكمة والنظام، فجعلوا العادة تحل محل الطبيعة والانفصال يحل محل السببية والحدوث المنفصل يحل محل الاتصال الكوني. إن العالم بحسب هذا التصور لا يعود نسقا متماسكا، بل يصير تجمعا لحوادث متجاورة لا ضرورة بينها ولا علية في باطنها ولا رابطة إلا إرادة تُحدِث الأشياء على التوالي من غير أن يكون في الأشياء أنفسها مبدأٌ للترابط. وقد رأى ابن رشد في هذا التصور تهديدا مزدوجا، تهديدا للعلم لأنه يبطل إمكان استقراء القوانين؛ وتهديدا للإيمان العقلي لأنه يجعل العالم أقل دلالة على الحكمة. فالله – في التصور الرشدي – لا يُعظَّم بإبطال الوسائط بل يُعظَّم بإحكامها؛ ولا يُعرَف بخرق النظام على الدوام بل يُعرَف من خلال انتظامه. ولذلك كان دفاعه عن الطبيعة دفاعا عن السببية بقدر ما هو دفاع عن العناية. ومن اللافت أن بعض الدراسات المعاصرة قد نبهت إلى أن ابن رشد يعدّ مبدأ الغائية أصلا أساسيا في الفيزياء والميتافيزيقا معا، وأنه يرى أن إنكار القصدية في الطبيعة يُفضي إلى إبطال سائر العلل، بل وإلى تعذر البرهنة على عناية الله بالموجودات السفلية؛ لأن المادة لأجل الصورة والصورة بفعل الفاعل والفاعل إنما يفعل من أجل غاية . وهذا المعنى وإن بدا أرسطيّ الجذر إلا أنه في الصياغة الرشدية يكتسب كثافةً لاهوتية وفلسفية خاصة إذ يتحول من مجرد مبدأ في تفسير الحركة إلى أساسٍ في إثبات التناسب بين العقل والوجود.

إن الطبيعة بهذا الاعتبار ليست عند ابن رشد قوةً عمياء. وقد كان تعريف أرسطو للطبيعة بأنها “مبدأ الحركة والسكون في الشيء من حيث هو هو” حاضرا في خلفية البناء الرشدي، لكن ابن رشد وسّع هذا التعريف عمليا حين قرأه ضمن شبكة العلل الأربع. فالشيء الطبيعي لا يتحرك لأنه متحرك فحسب، بل لأنه يحمل في ذاته مبدأً صوريا يوجّه مادته نحو كمال مخصوص. البذرة لا تصير شجرةً بمحض المصادفة ولا الجنين يصير كائنا حيا على سبيل التجاور الاعتباطي بل لأن في الطبيعة انتظاما يجعل الممكنات تتجه إلى كمالاتها بحسب استعداداتها. وهذا ما جعل أرسطو يقول إن الفن يحاكي الطبيعة لا العكس؛ لأن الطبيعة أسبق من الصناعة وأعمق نظاما منها. وابن رشد يلتقط هذه الإشارة ليجعل منها برهانا على أن النظام الطبيعي أشدّ إحكاما من النظام الصناعي، لأن الطبيعة تفعل من الداخل بينما الصناعة تفعل من الخارج.

ويكتسب القول الغائي في هذا المنحى عند ابن رشد معنىً دقيقا ينبغي تحريره من سوء الفهم الشائع. فالغائية هنا ليست إسقاطا نفسيا لنية بشرية على الكون ولا هي تشبيهٌ ساذج للطبيعة بفاعلٍ يقصد كما يقصد الإنسان في أفعاله الإرادية الجزئية وإنما هي تعبيرٌ عن انتظامٍ بنيويّ يجعل أجزاء الموجود تتوجه نحو وظائفها وكمالاتها في إطار الكل. وهذا المعنى قريب مما سيلمح إليه لاحقا ابن ميمون في حديثه عن حكمة الخلق وما سيؤكده توما الأكويني في قوله الشهير: “إن الأشياء التي تفتقر إلى المعرفة تتجه إلى غاية كما لو كانت موجهة من عقل”. غير أن ابن رشد أسبق منهما في جعل هذا المعنى متولدا من تحليل الطبيعة نفسها، لا مفروضا عليها من خارجها. فهو لا يبدأ من اللاهوت لينتهي إلى الطبيعة بل يبدأ من الطبيعة بوصفها مجالا للبرهان، ثم يرتقي منها إلى ما وراءها.

ومن أعمق ما في التصور الرشدي أنه يربط بين الغائية وانتظام العالم ربطا لا يسمح بفصل الجزئي عن الكلي. فالعالم ليس عنده مجرد تجميعٍ لطبائع متفرقة، بل هو كلٌّ مترابط تتساند فيه الحركات وتتواشج فيه العلل ويؤدي فيه الأعلى وظيفةً في انتظام الأدنى. ولهذا كان النظام الكوني عنده قائما على تدرجٍ أنطولوجي وحركيّ من المحركات السماوية إلى عالم الكون والفساد بحيث لا تُفهم الحوادث الأرضية إلا في إطار النظام الأوسع الذي يضمها. وقد أبرزت بعض القراءات المعاصرة لهذا الجانب أن ابن رشد طوّر في ضوء شرحه لأرسطو، تصورا يجعل السلسلة الكونية متصلةً على نحوٍ يحفظ مبدأ العناية الإلهية ويقاوم فكرة الانقطاع أو البداية الاعتباطية للفعل، إذ إن أثر العلة الأولى لا يتأخر عن عليتها، والنظام الكوني لا يحتمل إرادةً أزلية تُحدث فعلا زمانيا منفصلا من غير واسطة نظامية . وهنا يظهر الفارق الجوهري بين ابن رشد وبعض المتكلمين في فهم القدرة الإلهية. فالمتكلم الذي يبالغ في نفي الطبائع يظن أنه ينزّه الله بينما ابن رشد يرى أن هذا النفي يُضعف دلالة العالم على الله. فالقدرة التي لا تقترن بالحكمة قد تُنتج تصورا عن إلهٍ يفعل كيفما اتفق، أما القدرة المقترنة بالنظام فتُنتج تصورا عن إلهٍ حكيمٍ جعل الوجود قابلا للفهم. وليس غريبا والحال هذه أن يلح ابن رشد على أن النظر في الموجودات مأمورٌ به شرعا، لأن الشرع – في أفقه – لا يدعو إلى الإعراض عن العلل بل إلى اكتشافها. وكم تبدو هنا عبارته في فصل المقال ذات دلالة بالغة حين يجعل “الاعتبار” هو استنباط المجهول من المعلوم وهو بعينه عمل البرهان. فالتفكر في العالم ليس مجرد خشوع وجداني بل هو اشتغال عقلي على معقولية الطبيعة.

ولذلك فإن الانتقال من التفسير الغائي إلى مفهوم انتظام العالم ليس انتقالا من جزء إلى جزء بل من مبدأٍ تفسيريّ إلى رؤيةٍ كونية شاملة. فحين نقول إن العين للإبصار وإن الرئة للتنفس وإن النبات يتجه إلى تمام صورته فإننا لا نصف فقط وظائف جزئية، بل نكشف عن قانونٍ عام وهي أن الوجود الطبيعي ليس مبنيا على اللامبالاة. وهذه الفكرة نفسها هي التي ستجد صداها مع اختلاف السياقات في كلمات أفلاطون عن “النفس التي تنظم العالم”، وفي قول الرواقيين إن الكون محكوم بـ لوغوس نافذ وفي تصريح ليبنتز بعد قرون بأننا نعيش في “أفضل العوالم الممكنة” لا بمعنى التبسيط الساذج، بل بمعنى أن العقلانية شرطٌ لفهم الوجود. غير أن ابن رشد يظل متميزا لأنه يصوغ هذه الرؤية في قلب الجدل بين الفلسفة والكلام وبين البرهان والجدل وبين السببية والعادة. وليس من قبيل المصادفة أن يكون نقده لابن سينا في بعض المواضع متصلا أيضا بهذه المسألة؛ لأن ابن رشد كان شديد الحساسية تجاه كل تصور يهدد التوازن بين الإمكان في المادة والانتظام في الفعل. فهو يقبل أن في العالم السفلي مجالا للعارض والاتفاق، لكنه لا يسمح بأن يتحول الاتفاق إلى أصلٍ مفسر للوجود. والحق أن هذا من أدق جوانب نضجه الفلسفي؛ إذ لم يقع في حتمية ميكانيكية صماء ولم ينزلق إلى فوضى كلامية تُبطل السنن. فالعارض موجود لكن وجوده نفسه لا يُفهم إلا على خلفية القاعدة؛ والاستثناء لا يظهر إلا لأن النظام هو الأصل. وقد أشارت دراسات متخصصة في فلسفته الطبيعية إلى أن ابن رشد يعارض جعل الأفعال الطبيعية متساوية في الإمكان على الدوام لأن ذلك يفضي إلى أن تعمل الطبيعة “بلا قاعدة” و“عبثا”، وهو ما يرفضه بوصفه نقيضا لروح الفيزياء الأرسطية والرؤية الرشدية معا .

إن الطبيعة عند ابن رشد ليست مجرد “موضوع” للعلم بل هي شرط إمكان العلم ذاته؛ لأن العلم لا يقوم إلا حيث يوجد انتظام ولا يثمر البرهان إلا حيث تكون للموجودات طبائع وللأحداث أسباب وللأشكال غايات وللكل بنية تسمح بالانتقال من المشاهدة إلى الفهم. ولهذا فإن الدفاع عن الطبيعة في الفلسفة الرشدية ليس دفاعا عن مادةٍ فيزيائية، بل هو دفاع عن العقل نفسه وعن مشروعية البرهان وعن إمكان الانتقال من المحسوس إلى المعقول ومن النظام إلى الحكمة ومن العالم إلى مبدئه.

إن بلوغ ابن رشد لفكرة الطبيعة بوصفها نظاما معقولا لا يكتمل عند حدود تحليل الموجودات الجزئية ولا عند بيان وظائف الأعضاء والأشكال والكائنات، بل يرتفع إلى أفقٍ أرحب تتداخل فيه الفيزياء بالإلهيات ويتحول فيه انتظام العالم من مجرد وصفٍ للظواهر إلى برهانٍ على البنية العاقلة للوجود. فالطبيعة في هذا المستوى الأعلى من النظر ليست فقط مجالا تتبدّى فيه الغايات، وإنما هي أيضا أثرٌ متصل لعلةٍ أولى لا تعمل على نحوٍ متقطع ولا تُحدِث العالم على هيئة الفجاءة الاعتباطية، بل تفيض عنه الموجودات بحسب مراتبها وتنتظم الحركات بحسب درجاتها وتترابط الكائنات ضمن شبكة من الوسائط تحفظ للعالم وحدته وللبرهان مشروعيته.

ولهذا كان ابن رشد شديد العناية بمسألة العلة الأولى لا من حيث هي قضية ميتافيزيقية مجردة، بل من حيث هي المفتاح الذي يفسر كيف يكون العالم منتظما من غير أن يكون مستقلا عن مبدئه وكيف يكون خاضعا لقوانين ثابتة من غير أن يتحول إلى نسق مغلق على ذاته. فالعلة الأولى عنده ليست فاعلا ميكانيكيا يباشر الأشياء كما يباشر الصانع مصنوعاته من خارجها، وليست إرادةً منفصلة تتدخل كيفما اتفق فتقطع روابط الأشياء بعضها ببعض وإنما هي مبدأٌ أعلى يهب الوجود نظامه ويمنح الحركة معناها ويجعل الكثرة مشدودةً إلى وحدة. وهذا ما يفسر أن ابن رشد على خطى أرسطو، فقد جعل المحرك الأول موضوعا للفكر من حيث هو غايةٌ أكثر منه من حيث هو دافعٌ حركيّ بالمعنى الحسي. فالعالم يتحرك شوقا إلى الكمال، لا دفعا أعمى من خلفه، والحركة الكونية في عمقها ليست صدمةً بل انجذاب.

وتكتسب الحركة السماوية في التصور الرشدي وظيفةً فلسفية تتجاوز الفلك القديم بوصفه علما للأجرام، لتصبح عنصرا مركزيا في فهم انتظام العالم. فالسماء عند ابن رشد ليست مجرد سقفٍ للعالم السفلي بل هي رتبةٌ أعلى من الوجود تنتظم حركاتها على نحوٍ أشد كمالا وتكون واسطةً بين المبدأ الأول وبين عالم الكون والفساد. والحركة الدورية المنتظمة للأفلاك ليست في هذا الإطار مجرد وصفٍ هندسيّ، بل هي الشاهد الأوضح على أن النظام أصلٌ في الوجود، وأن ما يقع في العالم السفلي من تعاقب الفصول ونمو النبات وتولّد الحيوان وتبدل الأمزجة، ليس إلا أثرا لذلك النسق الأعمّ الذي يربط الأدنى بالأعلى.

إن العالم عند ابن رشد ليس مجزّأً إلى إقليمين متباعدين: عالم إلهيّ لا يمسّ الطبيعة، وطبيعةٌ صماء تعمل وحدها؛ كما أنه ليس عالما تذوب فيه الطبيعة في الإلهي حتى تفقد خصائصها وقوانينها. بل هو بنيةٌ متصلة تتفاوت فيها مراتب الموجودات دون أن تنقطع وتتعالى فيها المبادئ دون أن تنفصل. ولعل هذا هو السر في أن ابن رشد كان حريصا على مقاومة كل تصور يجعل الفعل الإلهي منافسا للفعل الطبيعي؛ لأن المنافسة لا تقع إلا بين علتين من رتبة واحدة، أما إذا كان أحدهما مبدأً أعلى والآخر واسطةً داخلة في نسق التأثير، فإن إثبات الثاني لا ينفي الأول بل يؤكده. وهنا يبلغ النسق الرشدي درجةً من الدقة جعلت بعض الدارسين يعدّونه من أعمق المحاولات في الفكر الوسيط للتوفيق بين سيادة الله وثبات السنن من غير الوقوع في جبرية لاهوتية ولا في استقلال طبيعي. ولأجل هذا كان نقده للمصادفة والاتفاق نقدا يتجاوز الاعتراض العلمي إلى الاعتراض الميتافيزيقي. فهو لا ينكر أن في العالم ما يبدو اتفاقا ولا يرفض أن تقع حوادث لا تكون مقصودةً بالذات من الفاعل الطبيعي، لكنه يرفض أن يُجعل الاتفاق أصلا يُفسَّر به النظام أو أن تُجعل المصادفة بديلا عن العلة. إن الاتفاق عنده لا يكون إلا عرضا على أصل ولا يظهر إلا في مجالٍ تحكمه قاعدة، ولذلك فإن رد انتظام العالم إلى المصادفة يشبه رد القصيدة المحكمة إلى تناثر الحروف أو رد العمارة المتناسقة إلى تهاوي الأحجار على غير قصد. وما أبلغ ما يفهم من الروح الأرسطية هنا، إن ما يقع دائما أو في الأكثر لا يجوز أن يُحمل على الاتفاق لأن الاتفاق لا ينتج دواما ولا يؤسس تكرارا ولا يصنع نسقا.

وقد كان هذا المبدأ حاسما في معركة ابن رشد مع بعض النزعات الكلامية التي وسّعت مجال الإمكان حتى كادت تبتلع به نظام الطبيعة. فالقول إن كل شيء جائز على السواء في كل لحظة وإن النار لا تحرق بطبعها وإن الماء لا يروي بطبيعته وإن الترابط بين الأشياء مجرد تعاقبٍ عادي لا رابطة ضرورية فيه، ينتهي – في نظره – إلى تسويةٍ بين الممكن والممتنع وبين المنتظم والعشوائي وإلى نزع الثقة من الحس والعقل معا. فإذا لم تكن الأشياء تدل على طبائعها ولم تكن الأفعال تصدر عن أسبابها بطل الاستدلال، وصار العالم لغزا غير قابل للفهم. وها هنا تتجلى عبقرية ابن رشد في أنه لم يدافع عن السببية دفاعا تقنيا فحسب، بل جعلها جزءا من كرامة العقل. فالعقل لا يكون عقلا إلا إذا كان العالم معقولا؛ وإذا كان العالم لا يحمل في ذاته قابليةً للربط بين المقدمات والنتائج فإن البرهان كله يتحول إلى وهمٍ لغوي لا أكثر.

ولهذا لم يكن دفاعه عن انتظام العالم منفصلا عن دفاعه عن البرهان بوصفه أرفع مراتب النظر. فالعامة قد يكتفون بظاهر المشاهدة وأهل الجدل قد يكتفون بالاحتمال، أما الفيلسوف البرهاني فلا يطمئن إلا إلى ما يكشف عن الضرورة أو عما يقاربها في حدود الموجود الطبيعي. والطبيعة لا تُعطي نفسها دفعةً واحدة بل تنكشف على قدر ما يُحسن العقل ترتيب النظر فيها. وهنا يمكننا أن نفهم لماذا كان ابن رشد يلحّ على أن كثيرا من الأخطاء في الإلهيات إنما منشؤها فسادٌ في الطبيعيات؛ لأن من لم يُحسن فهم الحركة والزمان والمكان والعلية والاتصال والانفصال، تعذّر عليه أن يبني تصورا سليما عن المبدأ الأول وعلاقته بالعالم. إن الطبيعة في الأفق الرشدي ليست مرحلةً دنيا تُطوى سريعا للوصول إلى اللاهوت، بل هي المعبر الضروري إليه. وهذا هو المعنى العميق الذي يجعل التفسير الغائي عنده متجاوزا للاستخدام الساذج الذي شاع عند بعض اللاهوتيين المتأخرين. فابن رشد لا يقول إن الأشياء منظمة إذن هناك منظِّم على نحوٍ خطابيّ مباشر، بل يشرع في تحليل البنية الداخلية للموجود الطبيعي، كيف تتحدد المادة بالصورة وكيف تنزع الصورة إلى فعلها وكيف لا يكون الفعل مفهوما إلا بغاية وكيف تتآزر العلل الجزئية ضمن كلٍّ أوسع، ثم كيف يستحيل أن يستمر هذا الترتيب من غير مبدأٍ أعلى يضمن اتساقه. فالبرهان عنده لا يقفز من المظهر إلى النتيجة بل يصعد عبر درجات المعقولية نفسها. ولذلك كانت فلسفته الطبيعية أصلب من كثير من “براهين النظام” السطحية التي اكتفت بإبراز التناسق الخارجي دون تحليل ماهيته. ولئن كان بعض المحدثين قد اتهموا الفكر الغائي بأنه يعوق العلم فإن النظر الدقيق في ابن رشد يكشف عكس ذلك تماما. فالغائية عنده لا تلغي البحث في الأسباب القريبة بل تحفز عليه؛ لأنها تجعل كل موجود قابلا للسؤال عن “لِمَ” لا عن “كيف” فقط. وما من شك أن سؤال “كيف” ضروريّ في وصف العمليات، لكنه يظل ناقصا إذا لم يُرفد بسؤال “لِمَ” الذي يكشف عن الوظيفة والتناسب والبنية والاتجاه. بل إن كثيرا من العلوم الحديثة نفسها وإن تحررت من الصياغات الأرسطية القديمة لم تستغنِ تماما عن لغة الوظيفة والتنظيم والانتظام وإن غيّرت أفقها المفهومي. إن قيمة ابن رشد اليوم لا تكمن في تفاصيل نموذجه الكوسمولوجي بل في دفاعه الجذري عن أن العالم ليس كتلةً من الوقائع وإنما هو نسيج من المعاني الطبيعية.

ولعل من أبهى ما في نسقه أنه يجعل العناية الإلهية متجليةً في انتظام العالم لا في فوضاه. فالعناية ليست عنده سلسلةً من التدخلات الاستثنائية التي تُظهر القدرة عبر تعطيل القوانين بل هي نفسُ القوانين من حيث إنها موضوعةٌ على وجه الحكمة. فأن يكون للنار إحراقٌ وللماء إرواءٌ وللأرض ثقلٌ وللأفلاك نظامٌ وللأحياء طبائعُ تؤدي وظائفها، فذلك أبلغ في الدلالة على العناية من عالمٍ تتبدل فيه الصفات كل لحظة على غير ميزان. ويغدو النظام نفسه رحمةً والاطراد نفسه وجها من وجوه الحكمة والسنن الكونية مظهرا من مظاهر اللطف الإلهي بالعقل البشري؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش ولا أن يعلم ولا أن يتعبد إلا في عالمٍ يمكن الوثوق به. وهنا تلتقي الفلسفة الرشدية على نحوٍ بديع مع حسٍّ قرآنيّ عميق وإن كانت أدواتها برهانية لا وعظية. فالقرآن حين يلفت النظر إلى تعاقب الليل والنهار وإلى إنزال الماء وإلى إحياء الأرض بعد موتها وإلى اختلاف الألسنة والألوان، لا يقدّم مشاهد متناثرة بل يفتح العين على السننية؛ أي على أن الوجود مؤسس على آيات، والآية لا تكون آية إلا إذا كانت دالة، والدلالة لا تستقيم إلا بقدر من الثبات والانتظام. لذلك كان ابن رشد في أصفى لحظاته الفكرية لا يرى تعارضا بين الشرع الصحيح والعقل الصريح، لأن كليهما في المجمل شاهدان على وحدة الحقيقة. الشرع يدعو إلى الاعتبار والاعتبار لا يكون إلا في عالمٍ يمكن أن يُعتبر به.

ولئن كانت الفلسفة الحديثة قد سارت في مسالك أخرى وأعادت تعريف الطبيعة والسببية والقانون والزمان، فإن السؤال الذي أثاره ابن رشد لم يفقد راهنيته، كيف يكون العالم مفهوما؟ وكيف يمكن للعقل أن يثق في نفسه إذا لم يكن الوجود قابلا لأن يُقرأ؟ بل لعل الأزمة الكبرى في كثير من التصورات المعاصرة ليست في التقدم العلمي وإنما في فقدان القدرة على وصل العلم بالحكمة والوقائع بالمعنى والقانون بالغائية. لقد أمكن للحداثة أن تشرح كثيرا من “كيفيات” العالم، لكنها كثيرا ما ترددت في سؤال “لماذا” أو خشيت أن يُتَّهم هذا السؤال بالتجاوز. أما ابن رشد فإنه يذكّرنا بأن الفلسفة لا تُختزل في وصف الآليات وأن الطبيعة إذا لم تُقرأ بوصفها نظاما معقولا تحولت المعرفة نفسها إلى أرشيفٍ ضخم من الوقائع غير الموصولة.

إن قيمة ابن رشد لا تنحصر في كونه شارحا عظيما لأرسطو، كما درجت بعض الأحكام المدرسية المبتسرة، بل في كونه قد أعاد بناء الأرسطية في أفقٍ إسلاميّ أندلسي وجعل من الطبيعة ميدانا للمصالحة الرفيعة بين البرهان والإيمان وبين العلم والحكمة وبين النظام الكوني والعناية الإلهية. لقد كان يرى في عمق مشروعه أن العالم لا يليق به أن يُفهم على أنه صدفةٌ مؤقتة ولا أن يُختزل إلى لحظة انقطاعٍ دائم بين الأشياء وأسبابها، لأن ذلك إهانةٌ للعقل وإضعافٌ للشهادة الكونية. العالم عنده كتابٌ مفتوح، لكنه لا يُقرأ بالعين وحدها؛ بل يحتاج إلى عقلٍ يعرف أن الموجود الطبيعي لا يُستنفد في ظاهره وأن وراء الحركة قانونا ووراء القانون بنيةً ووراء البنية حكمةً.

إن ابن رشد لم ينظر إلى الطبيعة بوصفها مجرد مسرحٍ للحوادث، بل بوصفها نظاما دالا تتكثف فيه معقولية العالم وتُختبر فيه صلاحية العقل وتظهر من خلاله الحكمة الإلهية في صورتها الأرقى. فالتفسير الغائي عنده ليس زخرفا ميتافيزيقيا ولا زيادةً خطابيةً على الفيزياء، بل هو العمود الفقري الذي تنتظم به العلل وتتحدد به مراتب الفهم ويغدو به العالم أكثر من مجموع أجزائه. ومن غير الغاية يتفكك المعنى ومن غير السببية يتعذر العلم ومن غير الانتظام ينهار البرهان ومن غير البرهان يتحول النظر في الوجود إلى مجرد انفعالٍ حسيّ أو جدلٍ لغويّ لا يثمر يقينا.

لقد أدرك ابن رشد أن الدفاع عن الطبيعة هو في حقيقته دفاعٌ عن العقل الإنساني نفسه. فمن يسلب الأشياء طبائعها أو يحوّل الوجود إلى تعاقبٍ مفكك لا روابط فيه لا يهدد علم الطبيعيات فحسب، بل ينسف أيضا إمكان الانتقال من الشاهد إلى الغائب ومن الأثر إلى المؤثر ومن النظام إلى الحكمة. ولهذا كان مشروعه في هذا الباب مشروعا تأسيسيا بالغ العمق، لأن معركته لم تكن معركةً حول مسألة جزئية في تفسير الاحتراق أو الحركة وإنما كانت معركةً حول سؤال الحضارة الأكبر، هل العالم قابلٌ لأن يُفهم؟ وهل الإنسان مخلوقٌ في كونٍ معقول أم في فوضى تتخفّى في ثوب الإرادة؟.

وفي هذا تكمن راهنيته الباهرة. فالعصر الحديث على ما بلغه من فتوحات علمية مدهشة ما يزال مأزوما في علاقته بالمعنى؛ إذ كثيرا ما يملك أدوات التفسير، لكنه يعجز عن بناء رؤيةٍ توحِّد بين التفسير والدلالة. وهنا يعود ابن رشد لا بوصفه أثرا من آثار الماضي، بل بوصفه فكرا حيا يذكّرنا بأن العلم إذا انفصل عن الحكمة ضاق أفقه، وأن الفلسفة إذا هجرت الطبيعة فقدت أحد أهم ميادينها، وأن الإيمان إذا تأسس على تعطيل النظام بدل فهمه غدا هشا أمام أول امتحانٍ للعقل. إن عظمة ابن رشد أنه لم يطلب من الإنسان أن يختار بين العالم والله ولا بين الطبيعة والعناية ولا بين البرهان والشرع، بل علّمه أن يرى في انتظام العالم نفسه أثرا من آثار العناية وفي ثبات السنن مظهرا من مظاهر الحكمة وفي قابلية الطبيعة للفهم شهادةً على أن العقل ليس غريبا في هذا الكون. ولذلك فإن الطبيعة في فلسفته ليست “موضوعا” خارجيا فحسب، بل هي مرآةٌ يرى فيها العقل نسبته إلى الوجود. فإذا كان العالم منتظما أمكن للإنسان أن يسكن إليه معرفيا وأن يقرأه تأمليا وأن يعبُر منه إلى ما وراءه برهانيا. أما إذا كان العالم فوضى متنكرة في هيئة وقائع، فإن كل يقين ينهار وكل اعتبار يضيع وكل حكمة تتبدد. ولعل هذا هو المعنى الأسمى الذي يجعل من فلسفة ابن رشد في الطبيعة درسا دائما، أن الحقيقة لا تُنال بإبطال الوسائط بل بفهمها؛ وأن الله لا يُعرف بنقض النظام بل بإحكامه؛ وأن العالم لا يكون جديرا بالتأمل إلا لأنه مكتوبٌ بلغة العقل.

إن عبارة “الطبيعة بوصفها نظاما معقولا” ليست مجرد وصفٍ لجزءٍ من فلسفة ابن رشد، بل هي مفتاحٌ لقراءة مشروعه كله. ففيها يلتقي أرسطو بالأندلس ويلتقي البرهان بالتأويل وتلتقي الفيزياء بالإلهيات ويستعيد العقل ثقته بنفسه من غير أن يتأله ويستعيد الإيمان عمقه من غير أن يعادي الفكر. وذلك هو الدرس الرشدي الأعظم، أن الوجود ليس خصما للعقل بل ميدانه؛ وأن الطبيعة ليست حجابا عن الحقيقة، بل أحد أصفى مسالكها؛ وأن انتظام العالم في أرقى معانيه ليس مجرد قانون بل حكمةٌ متجسدة في بنية الكائنات.

***

د. حمزة مولخنيف

في المثقف اليوم