عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

دراسات وبحوث

منير محقق: اللغة والذهن في التصور التوليدي

دراسة في المقاربة العلمية الطبيعية والمنظور الداخلي عند نعوم تشومسكي

على سبيل الافتتاح: تحتل العلاقة بين اللغة والذهن موقعا مركزيا في تاريخ الفكر اللساني والفلسفي، لأن البحث في اللغة لم يعد، منذ التحولات الكبرى التي عرفتها اللسانيات الحديثة، مقتصرا على وصف الظواهر اللغوية كما تتجلى في الاستعمال، وإنما أصبح متجها نحو الكشف عن البنيات والآليات التي تجعل الإنسان قادرا على إنتاج عدد غير محدود من الجمل والعبارات وفهمها، وعلى امتلاك قدرة ومعرفة لغوية تتجاوز بكثير مجموع المعطيات التي يتلقاها من محيطه. وقد مثل التحول الذي أحدثه نعوم تشومسكي منذ خمسينيات القرن العشرين أحد أبرز المنعطفات في هذا المسار، حيث نقل السؤال اللساني من مستوى الوصف الخارجي للغة إلى مستوى البحث في البنية الذهنية التي تجعل اللغة ممكنة.

وقد ارتبط هذا التحول بتصور جديد للغة باعتبارها نسقا معرفيا داخليا، وباعتبار الملكة اللغوية جزءا من البنية الذهنية للإنسان. ومن ثم لم يعد السؤال الأساس هو: كيف يستعمل الإنسان اللغة؟ فحسب، وإنما أصبح السؤال الأعمق: ما طبيعة المعرفة التي يمتلكها المتكلم للغته؟ وكيف تتكون هذه المعرفة؟ وما العلاقة بين المعطيات المحدودة التي يقدمها المحيط وبين القدرة اللغوية التي يمتلكها الطفل؟ وكيف يمكن دراسة هذه الملكة دراسة علمية تكشف عن القوانين والمبادئ التي تنتظمها؟

وقد شكل كتاب نعوم تشومسكي " آفاق جديدة في دراسة اللغة والذهن" محطة أساسية في إعادة التفكير في هذه الأسئلة، ولا سيما في الفصل المتعلق " باللغة من المنظور الداخلي". فالكتاب نفسه يمثل وقفة تأمل في منجزات النظرية التوليدية وفي المواقف الفلسفية المناقضة لتصوراتها، ويضم مجموعة من الفصول التي تعالج اللغة والتأويل، والمقاربة العلمية الطبيعية، واللغة بوصفها موضوعا طبيعيا، والمنظور الداخلي للغة.

ولا ينطلق تشومسكي في تصوره من اللغة باعتبارها كيانا خارجيا مستقلا عن الفرد، بل من المعرفة والقدرة اللغوية التي يمتلكها الإنسان داخل ذهنه/دماغه. فمعرفة اللغة، في هذا التصور، معرفة فردية داخلية، وهو ما يقود إلى التعامل مع اللغة بوصفها موضوعا طبيعيا يمكن دراسته بأدوات ومناهج العلوم الطبيعية.

وتتأسس أهمية هذا التصور على كونه يعيد صياغة الحدود التقليدية بين اللسانيات والفلسفة وعلم النفس والعلوم الطبيعية، ويضع سؤال القدرة اللغوية في صميم البحث العلمي. فاللغة، وفق هذا المنظور، ليست مجرد مجموعة من القواعد الاجتماعية أو العادات التواصلية، وإنما نسق معرفي ممثل في ذهن المتكلم، له بنيته الخاصة وقوانينه الداخلية. فالطفل لا يتلقى جميع القواعد والأبنية والمعاني بصورة مباشرة، وإنما يتعرض لمعطيات محدودة، ومع ذلك يستطيع أن يستبطن نسقا لغويا غنيا و متكاملا.

ومن هنا تظهر أهمية دراسة التصور التشومسكي للغة والذهن، ليس فقط باعتباره جزءا من تاريخ النظرية التوليدية، وإنما باعتباره تصورا أعاد صياغة السؤال حول طبيعة اللغة، وحول العلاقة بين القدرة اللغوية والانجاز أي بين المعرفة والاستعمال، وبين ما هو داخلي وما هو خارجي، وبين التفسير العلمي والتأويل الفلسفي.

إشكالية الدراسة:

تنطلق هذه الدراسة من الإشكالية الرئيسة الآتية:

كيف أعاد نعوم تشومسكي بناء العلاقة بين اللغة والذهن من خلال مفهوم المقاربة العلمية الطبيعية والمنظور الداخلي للغة، وإلى أي حد استطاع هذا التصور تجاوز المقاربة الثنائية والمنظورات الخارجية للغة وتأسيس دراسة علمية للملكة اللغوية بوصفها نسقا معرفيا داخليا؟

وتتفرع عن هذه الإشكالية مجموعة من الأسئلة:

ما المقصود بالمقاربة العلمية الطبيعية في دراسة اللغة والذهن؟

كيف يبرر تشومسكي إدراج اللغة ضمن موضوعات العلوم الطبيعية؟

ما طبيعة المقاربة الثنائية المنهجية التي يعارضها؟

كيف ينتقد التفسيرات الفلسفية القائمة على الفصل بين الذهن والمادة؟

ماذا يعني أن تكون معرفة اللغة داخلية وفردية ؟

كيف يفسر التصور التوليدي قدرة الطفل على اكتساب اللغة رغم محدودية المعطيات؟

ما موقع التمثيلات الحوسبية في بناء النظرية اللسانية؟

كيف يعالج تشومسكي التصورات الخارجية للمعنى والإحالة، ولا سيما حجة "توأم الأرض" عند هيلاري بتنام؟

ما الحدود الفاصلة بين المعرفة اللغوية والاستعمال اللغوي؟

وما القيمة الإبستمولوجية التي يضيفها المنظور الداخلي إلى دراسة اللغة والذهن؟

أهداف الدراسة:

تهدف هذه الدراسة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف، لعل من أهمها ما يأتي:

إعادة بناء التصور التشومسكي للعلاقة بين اللغة والذهن.

توضيح مفهوم المقاربة العلمية الطبيعية وأسسها النظرية.

تحليل موقف تشومسكي من المقاربة الثنائية المنهجية.

الكشف عن الأسس التي يقوم عليها مفهوم اللغة بوصفها ملكة ذهنية داخلية.

إبراز أهمية التمييز بين القدرة اللغوية والإنجاز الفعلي للغة.

تحليل الحجاج التشومسكي في مواجهة التصورات الخارجية للغة والمعنى.

إبراز دور التمثيلات الحوسبية في بناء تفسير علمي للملكة اللغوية.

بيان موقع التصور الفطري في تفسير اكتساب اللغة.

تقييم حدود المقاربة الداخلية وإمكاناتها في البحث اللساني المعاصر.

من وصف اللغة إلى تفسير بنيتها الذهنية:

شكلت النظرية التوليدية تحولا عميقا في تصور موضوع اللسانيات. فلم يعد الهدف الأساسي هو جمع المادة اللغوية ووصفها، بل أصبح المطلوب تفسيرها والكشف عن المبادئ التي تقف وراءها. وهذا التحول يعني الانتقال من الظاهر إلى البنية الكامنة، ومن اللغة بوصفها مادة قابلة للملاحظة إلى اللغة بوصفها معرفة وقدرة ممثلة في ذهن المتكلم. وقد كان هذا التحول من أبرز مظاهر التجديد الذي أحدثه تشومسكي في الدرس اللساني.

إن أهمية هذا الانتقال تكمن في أن المتكلم لا يتعامل مع اللغة باعتبارها قائمة محدودة من الجمل المحفوظة، وإنما يمتلك قدرة تسمح له بإنتاج وفهم عدد لا نهائي من الجمل والعبارات. وهذا يعني أن موضوع اللسانيات الحقيقي ينبغي أن يكون القدرة اللغوية والمعرفة التي تمكن المتكلم من القيام بذلك، وليس مجرد العبارات التي تم إنتاجها بالفعل.

وبهذا يصبح السؤال عن اللغة سؤالا عن طبيعة النظام المعرفي الذي يسمح للإنسان بإنتاج اللغة وفهمها. فالظاهرة اللغوية الخارجية ليست إلا مظهرا لعمل بنية داخلية أعمق، الأمر الذي يبرر توجيه البحث نحو الذهن/الدماغ.

المقاربة العلمية الطبيعية في دراسة اللغة والذهن:

اللغة بوصفها موضوعا طبيعيا:

يقوم التصور التشومسكي على مبدأ أساسي مفاده أن اللغة ينبغي أن تخضع للدراسة العلمية نفسها التي تخضع لها الظواهر الطبيعية، من حيث البحث عن البنيات والقوانين والمبادئ التفسيرية. ولا يعني ذلك اختزال اللغة إلى مادة فيزيائية، وإنما يعني اعتبارها ظاهرة طبيعية من حيث كونها جزءا من التكوين البيولوجي والمعرفي للإنسان.

فالملكة اللغوية، في هذا التصور، عضو ذهني له بنية مخصوصة، شأنه في ذلك شأن الأعضاء الأخرى من حيث نموه وخصائصه العامة، دون أن يعني وصفه بأنه "عضو" إمكان تحديده تشريحيا على نحو مماثل لأعضاء الجسم الفيزيائية.

وتتأسس هذه الرؤية على اعتبار اللغة نسقا معرفيا ممثلا في الذهن/الدماغ. ولذلك فإن دراستها تصبح جزءا من دراسة الأنساق المعرفية، وتندرج ضمن علم النفس النظري والعلمي بالمعنى الذي يقترحه تشومسكي.

التوحيد لا الاختزال:

من أهم المفاهيم التي ينبغي الوقوف عندها في هذا السياق مفهوم التوحيد. فتشومسكي لا يدعو إلى اختزال اللغة والذهن إلى المادة اختزالا ميكانيكيا، وإنما يسعى إلى إدماج الدراسة اللسانية ضمن مشروع علمي أوسع.

وهنا ينبغي التمييز بين التوحيد والاختزال. فالتوحيد يعني البحث عن صيغة معرفية تسمح بربط الظواهر المختلفة داخل نسق علمي متكامل، بينما الاختزال يعني إرجاع ظاهرة إلى مستوى آخر وإلغاء خصوصيتها. ولهذا فإن المشروع التشومسكي لا يقوم على محو خصوصية اللغة، وإنما على تفسيرها في إطار علمي طبيعي.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن عددا من التصورات التي يناقشها تشومسكي حاولت الوصول إلى الوحدة العلمية عبر اختزال الذهن إلى المادة. غير أن تشومسكي يرى أن هذا المسار يواجه مشكلات فلسفية وعلمية عميقة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالوعي والإبداع والقصدية.

حدود " العلم الشعبي":

يفرق تشومسكي بين المعرفة العلمية المنظمة وبين التصورات التي تنتمي إلى الاستعمال العادي واللغة اليومية. فالإنسان يستخدم مفاهيم مثل الاعتقاد والرغبة والقصدية بصورة طبيعية، لكن استعمال هذه المفاهيم في الحياة اليومية لا يعني بالضرورة إمكان تحويلها مباشرة إلى مفاهيم داخل نظرية علمية صورية.

ولهذا يرى تشومسكي أن التصورات الشعبية لا يمكن نقلها بصورة آلية إلى النظريات العلمية. وقد عرضت الدراسة الأصلية هذه النقطة باعتبارها أحد الفوارق بين البحث العلمي الطبيعي وما يسمى بالعلم الشعبي، مؤكدة أن أحكام اللغة اليومية لا ينبغي أن تتحول مباشرة إلى أسس للنظرية العلمية.

ومع ذلك فإن هذا الفصل ليس نهائيا عند تشومسكي، حيث يظل هناك سعي لتجاوز الهوة بين القدرة اللغوية والإنجاز للغوي، وهو ما يدل على أن المشروع التوليدي لا يريد أن يبقى منفصلا عن الظواهر القابلة للملاحظة، بل يبحث عن تفسيرها انطلاقا من البنية الداخلية التي تقف وراءها.

المقاربة الثنائية المنهجية ونقد الفصل بين الذهن والجسد:

الأساس الفلسفي للمقاربة الثنائية:

تقوم المقاربة الثنائية المنهجية على تصور يفصل بين الذهن والمادة، أو بين الفكر والجسد، ويرى أن لكل مجال منهجا خاصا به. ولذلك فإن اللغة والذهن، باعتبارهما ظاهرتين ذهنيتين، لا ينبغي وفق هذا التصور أن يدرسا بالطريقة نفسها التي تدرس بها الظواهر الطبيعية.

ويعود هذا التصور، في جزء من خلفيته الفلسفية، إلى الثنائية الديكارتية التي ميزت بين جوهر التفكير وجوهر المادة. وقد شكل هذا التمييز أساسا لعدد من المواقف التي حاولت إقامة حدود بين العلم والفلسفة وبين تفسير الظواهر الطبيعية وتفسير الظواهر الذهنية.

نقد تشومسكي للثنائية المنهجية:

ينتقد تشومسكي هذا الفصل الصارم بين الذهني والطبيعي، لأن اللغة، في نظره، ليست كيانا غامضا خارج مجال التفسير العلمي، بل هي نظام معرفي له بنية يمكن البحث فيها بصورة علمية.

كما يعترض على الاعتقاد بأن النتائج العلمية عاجزة بالضرورة عن تفسير المعرفة اللغوية، وأننا نحتاج إلى تفسيرات فلسفية مستقلة لتفسير كيفية انتقال المعرفة أو استعمالها.

وتتجلى هذه المعارضة في نقده لمفاهيم مثل " النفاذ إلى الوعي" و" اتباع القاعدة " ، إذ يرى أن المتكلم لا يكون واعيا بالضرورة بالقواعد التي يستخدمها في كلامه. ومن ثم لا يمكن أن يكون الوعي المباشر بالقواعد شرطا لاكتساب اللغة أو استعمالها.

إشكالية الذهن والجسد:

يصل نقد تشومسكي إلى مستوى أعمق عندما يناقش مشكلة الذهن والجسد. فهو لا يقبل صياغة المشكلة على النحو التقليدي الذي يجعل الذهن والجسد جوهرين منفصلين يحتاجان إلى تفسير العلاقة بينهما.

وتكشف هذه الرؤية عن رغبة في إعادة صياغة السؤال نفسه، بدل الاكتفاء بتقديم إجابات داخل الإطار الفلسفي القديم. فاللغة ليست، في المنظور التشومسكي، جسما ماديا، لكنها أيضا ليست كيانا ميتافيزيقيا منفصلا عن العالم الطبيعي. إنها ملكة ذهنية يمكن دراستها بوصفها جزءا من الطبيعة البشرية.

اللغة من المنظور الداخلي: من اللغة الخارجية إلى المعرفة الداخلية:

يمثل المنظور الداخلي جوهر المشروع التشومسكي. فاللغة، في هذا التصور، ليست نظاما عاما يوجد خارج الأفراد ثم لا يمتلكون منه إلا معرفة جزئية، وإنما هي معرفة فردية ممثلة داخل ذهن/دماغ كل متكلم.

وبذلك يتحول موضوع اللسانيات من "اللغة " بوصفها كيانا خارجيا إلى المعرفة اللغوية التي يمتلكها الفرد.

وتترتب على ذلك نتيجة أساسية، هي أن الدراسة اللسانية ينبغي أن تسأل عن طبيعة النسق الذي يمتلكه المتكلم، وعن القواعد التي تمكنه من إنتاج الجمل والعبارات وفهمها، وليس فقط عن خصائص اللغة كما تظهر في الاستعمال الاجتماعي.

الملكة اللغوية والاستعداد الفطري:

يؤكد التصور التشومسكي على أن الإنسان يولد باستعداد لغوي فطري، وأن البيئة لا تنشئ القدرة اللغوية من الصفر، وإنما توفر المعطيات التي تسمح لهذه الملكة بالاشتغال واستبطان لسان معين.

فالطفل الذي يمتلك الملكة اللغوية ويوضع في بيئة عربية، مثلا، يستبطن اللغة العربية، بينما يستبطن طفلا آخر اللغة التي تحيط به. وهذا يعني أن العلاقة بين المعطيات والملكة ليست علاقة نقل آلي، بل علاقة تفاعل بين استعداد داخلي ومعطيات خارجية محدودة.

وهنا يظهر أحد أهم أبعاد النظرية التوليدية حيث لا تفسر المعطيات المحدودة وحدها المعرفة اللغوية الغنية التي يصل إليها الطفل. فالطفل لا يتلقى جميع القواعد بصورة صريحة، ومع ذلك يصل إلى نظام لغوي غني يسمح له بإنتاج وفهم عبارات لم يسمعها من قبل.

فردية المعرفة اللغوية:

يؤكد تشومسكي أن المعرفة اللغوية داخلية وفردية، ولذلك لا يوجد فردان يتماثلان في معرفتهما اللغوية تماثلا كاملا، حتى لو عاشا في البيئة الاجتماعية نفسها.

ولا يعني ذلك انعدام المشترك بين أفراد الجماعة اللغوية، بل يعني أن اللغة، في أساسها المعرفي، ليست كيانا اجتماعيا خارجيا مستقلا عن الأفراد، وإنما نظام معرفي ممثل في أذهانهم.

ومن هنا يتضح أن مفهوم اللغة الداخلية، يتيح إعادة تحديد موضوع اللسانيات بصورة أكثر دقة، لأنه يجعل المعرفة التي يمتلكها المتكلم محورا للبحث.

التمثيلات الحوسبية وبناء التفسير اللساني:

اللغة كنظام حوسبي:

تحتل التمثيلات الحوسبية مكانة مهمة في المنظور الداخلي، لأنها تسمح بتفسير اللغة بوصفها نظاما من القواعد والعمليات التي تنظم المعرفة اللغوية.

فالإنسان لا يحفظ مجموعة محدودة من الجمل، وإنما يمتلك نظاما يمكنه من توليد عبارات جديدة. وهذا الجانب التوليدي هو الذي يمنح اللغة طبيعتها الإبداعية.

وبذلك يصبح السؤال اللساني سؤالا عن طبيعة العمليات التي تجري داخل النظام اللغوي، وعن كيفية تمثيل المعلومات اللغوية ومعالجتها.

التفسير الداخلي في مقابل الوصف الخارجي:

يمنح التصور الداخلي الأفضلية للنظريات التي تستطيع تفسير الظواهر انطلاقا من البنية الذهنية. ولذلك يؤكد تشومسكي أن التصورات الداخلية، ولا سيما تلك التي تصاغ في ضوء التمثيلات الحوسبية، تتمتع بقوة تفسيرية واختبارية أعلى من التصورات الخارجية.

وتكمن قيمة هذا الموقف في أنه يجعل النظرية اللسانية مطالبة بتقديم تفسير، لا مجرد تصنيف للظواهر. فالغاية ليست معرفة أن جملة ما صحيحة أو خاطئة فقط، وإنما تفسير لماذا يستطيع المتكلم الحكم عليها، وكيف تكون هذه المعرفة ممكنة أصلا.

نقد التصورات الخارجية للمعنى والإحالة:

تجربة " توأم الأرض"

من أبرز القضايا التي يناقشها تشومسكي في مواجهته للتصور الخارجي قضية المعنى والإحالة. وقد شكلت تجربة " توأم الأرض" عند هيلاري بتنام إحدى أهم الحجج التي استخدمت للدفاع عن أن معنى الكلمات لا يتحدد داخل الذهن، وإنما يتحدد جزئيا من خلال علاقتها بالعالم الخارجي والجماعة اللغوية.

وتفترض التجربة وجود أرض أخرى تشبه أرضنا في كل شيء، باستثناء أن المادة التي يسميها سكانها "ماء" تختلف كيميائيا عن الماء الذي نعرفه. وبذلك يرى بتنام أن معنى كلمة "ماء" لا يتحدد فقط بما يوجد في ذهن المتكلم، وإنما يرتبط بالعالم الخارجي.

الاعتراض التشومسكي:

يعترض تشومسكي على النتائج التي يراد استخلاصها من هذه التجربة، معتبرا أن مفهوم الإحالة والاستعمال اللغوي أكثر تعقيدا مما تفترضه التجربة الذهنية.

فالكلمة لا تستعمل دائما بالطريقة نفسها، ولا تكون العلاقة بين التعبير اللغوي والشيء الخارجي علاقة بسيطة ومباشرة. وقد تطرق تشومسكي لهذه المسألة من خلال التمييز بين الشخص والشيء والتعبير والظروف التي يحدث فيها الإحالة.

ومن هنا يرى تشومسكي أن اختزال المعنى إلى علاقته بالعالم الخارجي لا يكفي لتفسير الاستعمال اللغوي الفعلي، لأن المتكلم لا يتعامل مع الكلمات بوصفها مجرد علامات تشير مباشرة إلى أشياء خارجية، بل يستعملها ضمن شبكة من الاعتقادات والتصورات والسياقات.

أهمية المنظور الداخلي:

تكشف هذه المناقشة أن تشومسكي لا ينكر وجود العالم الخارجي أو أهمية السياق الاجتماعي في اللغة، لكنه يرفض جعل هذه العناصر أساسا وحيدا لتفسير المعرفة اللغوية. فالمنظور الداخلي لا يعني إنكار الخارج، وإنما يعني أن نقطة الانطلاق في التفسير اللساني ينبغي أن تكون النظام المعرفي الذي يمتلكه المتكلم.

بين المعرفة اللغوية والاستعمال اللغوي:

من القضايا الدقيقة في المشروع التشومسكي التمييز بين القدرة اللغوية والانجاز اللغوي. فالإنسان قد يمتلك قدرة لغوية سليمة، لكنه قد لا يستخدم اللغة دائما بصورة مثالية بسبب عوامل نفسية أو إدراكية أو تداولية أو سياقية.

ولهذا لا ينبغي مساواة الإنجاز اللغوي بالقدرة اللغوية ذاتها. فالانجاز قد يتأثر بالذاكرة والانتباه والتعب والإدراك والسياق، بينما تهدف اللسانيات التوليدية إلى الكشف عن النظام المعرفي الذي يكمن وراء القدرة اللغوية.

ومع ذلك، لا يجعل تشومسكي المسافة بين المعرفة والاستعمال هوة لا يمكن تجاوزها. فالمشروع التوليدي يسعى، خصوصا في مراحله اللاحقة، إلى الاقتراب من الظواهر القابلة للملاحظة وتجاوز الفجوة بين المعرفة اللغوية والاستعمال أي تجاوز الفجوة بين القدرة اللغوية وبين الإنجاز اللغوي.

وهذه النقطة بالغة الأهمية لأنها تمنع فهم النظرية التوليدية على أنها نظرية منفصلة عن الاستعمال بصورة مطلقة، بل تجعلها مشروعا يبحث عن تفسير الإنجاز انطلاقا من البنية المعرفية.

قراءة نقدية في المشروع التشومسكي:

يمكن القول إن قوة المشروع التشومسكي تكمن أولا في أنه أعاد تعريف موضوع اللسانيات. فاللغة لم تعد مجرد مجموعة من الظواهر الخارجية، بل أصبحت مدخلا إلى دراسة طبيعة الإنسان وقدراته المعرفية.

وتكمن قوته الثانية في نقله البحث من الوصف إلى التفسير. فالمطلوب ليس جمع الوقائع اللغوية فحسب، وإنما بناء فرضيات ونظريات تكشف المبادئ الكامنة وراء القدرة اللغوية.

أما قوته الثالثة فتتمثل في الربط بين اللسانيات وعلم النفس المعرفي والعلوم الطبيعية، دون إلغاء خصوصية الظاهرة اللغوية. فالملكة اللغوية، وفق التصور المدروس، نسق معرفي له بنية مخصوصة، ويمكن صياغة دراسته في إطار علمي طبيعي.

ومع ذلك، فإن التصور لا يخلو من قضايا قابلة للنقاش، خصوصا في ما يتعلق بدرجة استقلال القدرة اللغوية عن الإنجاز والسياق الاجتماعي والثقافي، وبمدى إمكان تفسير المعنى والإحالة من خلال البنية الداخلية وحدها.

كما أن التركيز الشديد على الجانب الداخلي قد يجعل بعض أبعاد اللغة الاجتماعية والتداولية أقل حضورا في التفسير. غير أن هذا لا يقلل من القيمة العلمية للمشروع، بل يكشف أن العلاقة بين الداخلي والخارجي تظل مجالا مفتوحا للحوار بين الاتجاهات اللسانية المختلفة.

نتائج الدراسة:

توصلت الدراسة إلى مجموعة من النتائج الأساسية، لعل من اهمها ما يلي:

أعاد تشومسكي تحديد موضوع اللسانيات من اللغة بوصفها كيانا خارجيا إلى المعرفة اللغوية بوصفها نسقا معرفيا داخليا.

تقوم المقاربة العلمية الطبيعية على اعتبار اللغة ظاهرة طبيعية يمكن دراستها بالمناهج العلمية، انطلاقا من كون الملكة اللغوية عضوا ذهنيا ذا بنية مخصوصة.

لا يعني التوحيد عند تشومسكي الاختزال، فهو يسعى إلى إدماج دراسة اللغة في العلوم الطبيعية دون اختزال الذهن واللغة إلى المادة.

ترفض النظرية التوليدية الفصل الصارم بين اللغة والعلوم الطبيعية، كما ترفض اعتبار الظواهر الذهنية خارج دائرة التفسير العلمي.

تحتل الفطرية موقعا مركزيا في التصور التشومسكي، فالإنسان، وفق هذا التصور، يولد باستعداد لغوي يمكنه من اكتساب اللغة، بينما لا يوفر المحيط سوى معطيات محدودة.

المعرفة اللغوية فردية وداخلية، وهي ممثلة في الذهن/الدماغ، ولذلك لا يمكن اختزال اللغة في وجود خارجي مستقل عن المتكلمين.

يكتسب الطفل نظاما لغويا يتجاوز المعطيات التي يتلقاها، مما يدعم مركزية البنية الداخلية في تفسير اكتساب اللغة.

تتمتع التمثيلات الحوسبية بأهمية تفسيرية كبيرة لأنها تتيح وصف اللغة بوصفها نظاما من العمليات والبنيات الداخلية.

ينتقد تشومسكي المقاربات الخارجية للمعنى والإحالة، ولا يرى أن علاقة الكلمات بالعالم الخارجي تكفي وحدها لتفسير المعرفة اللغوية.

تجربة " توأم الأرض." لا تحسم، في نظر تشومسكي، مسألة وجود المعنى خارج الذهن، لأن الاستعمال اللغوي يتضمن الاعتقاد والتصور والسياق وظروف الإحالة.

لا تتطابق المعرفة اللغوية مع الاستعمال اللغوي، فالاستعمال يتأثر بعوامل متعددة، في حين تسعى النظرية اللسانية إلى الكشف عن النظام المعرفي الكامن وراء القدرة اللغوية.

يمثل المشروع التشومسكي تحولا إبستمولوجيا لأنه جعل السؤال عن اللغة جزءا من السؤال عن طبيعة العقل البشري وآليات المعرفة.

تظل العلاقة بين الداخلي والخارجي مجالا مفتوحا للبحث، حيث لا يمكن إلغاء السياق الاجتماعي والتداولي، كما لا يمكن إغفال البنية الداخلية إذا كان الهدف تفسير المعرفة اللغوية.

توصيات الدراسة:

في ضوء النتائج السابقة، يمكن اقتراح التوصيات الآتية:

ضرورة مواصلة دراسة العلاقة بين اللغة والذهن باعتبارها إحدى القضايا المركزية في اللسانيات المعاصرة.

تشجيع الدراسات التي تجمع بين اللسانيات التوليدية والفلسفة وعلم النفس المعرفي من أجل بناء فهم أكثر تكاملا للظاهرة اللغوية.

إعادة قراءة مؤلفات تشومسكي الأصلية إلى جانب ترجماتها العربية، خاصة عند التعامل مع المصطلحات ذات الحمولة النظرية والفلسفية الدقيقة.

ضرورة التمييز في الدراسات اللسانية بين اللغة بوصفها معرفة داخلية وبين اللغة بوصفها ممارسة اجتماعية وتواصلية، وعدم اختزال أحد المستويين في الآخر.

توسيع البحث في مفهوم الملكة اللغوية وعلاقته بالمعرفة الفطرية وبآليات اكتساب اللغة.

الاهتمام بالتمثيلات الحوسبية في دراسة اللغة، مع عدم إغفال الأبعاد الدلالية والتداولية والاجتماعية.

إعادة فحص الحجج الخارجية المتعلقة بالمعنى والإحالة، ، من خلال مقارنتها بمختلف التصورات الداخلية للمعنى.

تجاوز الاستقطاب الحاد بين المقاربة الطبيعية والمقاربات الفلسفية، والبحث عن إمكانات الحوار والتكامل بينها متى كانت طبيعة السؤال العلمي تسمح بذلك.

الإفادة من المنظور الداخلي في تطوير الدراسات العربية المعاصرة، ولا سيما في مجالات اكتساب اللغة، والنحو، والملكة اللغوية، والتمثيل الذهني.

توجيه البحوث المستقبلية نحو دراسة العلاقة بين المعرفة/القدرة اللغوية والإنجاز/ الاستعمال اللغوي، بما يسمح بتجاوز الفصل الحاد بين البنية الداخلية والإنجاز الفعلي.

على سييل الختام:

تكشف دراسة تصور نعوم تشومسكي للغة والذهن أن التحول الذي أحدثه في اللسانيات لم يكن مجرد تغيير في الأدوات أو المصطلحات، وإنما كان تحولاً في طبيعة السؤال نفسه. فقد انتقل البحث من النظر إلى اللغة باعتبارها مجموعة من الوقائع الخارجية القابلة للوصف إلى النظر إليها باعتبارها نظاما معرفيا داخليا يكشف عن جانب أساسي من طبيعة الإنسان.

ومن هذا المنطلق جاءت المقاربة العلمية الطبيعية لتؤكد أن اللغة ليست ظاهرة غريبة عن العالم الطبيعي، بل هي جزء من التكوين الذهني والبيولوجي للإنسان. فالملكة اللغوية، حسب التصور المدروس، نسق معرفي له بنيته الخاصة، ويمكن دراسته بالبحث عن المبادئ والقوانين التي تنظمه. ولذلك لم يعد وصف اللغة غاية نهائية، بل أصبح مدخلا إلى بناء تفسير علمي للمعرفة اللغوية.

وفي مقابل ذلك، وقف تشومسكي موقفا نقديا من المقاربة الثنائية المنهجية التي تفصل بين الذهن والجسد وتفترض أن الظواهر الذهنية تحتاج إلى منهج مستقل عن مناهج العلوم الطبيعية. فاللغة، في منظوره، لا تحتاج إلى إخراجها من المجال العلمي لمجرد أنها ظاهرة ذهنية، كما أن الاعتراف بخصوصية الذهن لا يستلزم اختزاله في المادة.

وقد اتضح كذلك أن مفهوم اللغة الداخلية يمثل حجر الأساس في هذا المشروع. فالمتكلم لا يمتلك مجرد معرفة سطحية بلغة مشتركة خارجية، وإنما يمتلك نسقا معرفيا غنيا ممثلا في ذهنه/دماغه، يسمح له بإنتاج وفهم جمل و عبارات جديدة لم يسبق له أن سمعها من قبل . كما أن الطفل لا يبدأ عملية اكتساب اللغة من صفحة بيضاء، بل يمتلك استعدادا لغويا داخليا يتفاعل مع المعطيات التي يوفرها المحيط.

وتكشف هذه الرؤية عن أهمية التمييز بين القدرة اللغوية والانجاز اللغوي. حيث الاستعمال لا يمثل دائما صورة مطابقة للنظام المعرفي الداخلي، لأن الإنجاز يمكن أن يتأثر بعوامل متعددة. ولذلك فإن دراسة اللغة ينبغي أن تميز بين النظام الذي يجعل القدرة اللغوية ممكنة وبين الظروف التي تتحقق فيها هذه القدرة أثناء الاستعمال.

كما أن نقد تشومسكي للتصورات الخارجية للمعنى والإحالة، ولا سيما مناقشته لتجربة " توأم الأرض " ، يبين أن العلاقة بين الكلمة والعالم ليست بالبساطة التي تفترضها بعض التصورات الخارجية. فالمعنى لا يمكن أن يفسر فقط من خلال الإحالة إلى الأشياء، لأن الاستعمال اللغوي يدخل فيه الاعتقاد والتصور والسياق وظروف التواصل.

وبذلك يمكن القول إن القيمة الأساسية للمشروع التشومسكي تتمثل في إعادة إدخال العقل والمعرفة والملكة اللغوية إلى قلب البحث اللساني. فاللغة عنده ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل نافذة علمية على البنية المعرفية للإنسان. ومن هنا ظل المشروع التوليدي مؤثرا في اللسانيات وفلسفة اللغة وعلم النفس المعرفي، لأنه جعل سؤال اللغة مرتبطا بسؤال أوسع: كيف يستطيع الإنسان أن يعرف ما لا يتعلمه بصورة مباشرة، وأن ينتج ما لم يسمعه من قبل، وأن يحول بنية ذهنية داخلية إلى قدرة لغوية لا محدودة؟

إن الإجابة التي يقترحها تشومسكي تتمثل في أن اللغة جزء من الاستعداد الطبيعي للإنسان، وأن المعرفة اللغوية ذات طبيعة داخلية وفردية، وأن مهمة اللسانيات ليست الوقوف عند سطح الاستعمال، وإنما النفاذ إلى القدرة اللغوية وإلى البنية المعرفية التي تجعل هذا الاستعمال ممكنا.

وعليه، فإن دراسة اللغة من منظور تشومسكي لا تنتهي عند حدود النظرية التوليدية، بل تفتح أفقا أوسع أمام البحث في طبيعة الإنسان، وفي العلاقة بين اللغة والعقل، وبين المعرفة والتجربة، وبين ما هو فطري وما هو مكتسب، وبين البنية الداخلية والعالم الخارجي. وهذا ما يجعل سؤال اللغة والذهن واحدا من أكثر الأسئلة خصوبة واستمراراً في الفكر اللساني والفلسفي المعاصر.

***

د. منير محقق: كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ الحضاري والسياسي.

في المثقف اليوم