عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

علوم والذكاء الاصطناعي

محمد رضا عباس: الفن المولد بالذكاء الاصطناعي

هل أتقنت الخوارزميات تقليد وعينا؟

كعادة الأعم الأغلب من شعوب الأرض، أُمسك بهاتفي المحمول (أو موبايلي، سَمِّهِ ما شئت) وأسمح لإبهامي بنقلي إلى فضاء الفيديوهات القصيرة، أو ما تُسميه "ميتا" بـ (الريلز). أكثر ما لفت انتباهي مؤخراً فيديوهات مُوَلَّدة بالكامل بالذكاء الاصطناعي، تحمل بين طياتها أفكاراً أكاد أجزم أن بعضها يحمل بصمة الفن الإنساني مع مرتبة الإبداع. أقول هذا وكُلّي ثقة أن الكثيرين سيهاجمون قولي هذا بعنف؛ نابع من الخوف الشديد من القادم الذي بِتْنا على أعتابه.

إلا أنني أرى أن إغماض عينيَّ لن يُخفيَ الوحش القادم، بل سيجعلني أواجهه بلا سلاح. فالعين سلاح العقل، والعقل سلاح البشر الذي لم يخذلهم يوماً. لذا، سأتحلّى بالشجاعة وأناقش هذه الأفكار رغم جنونها في الأسطر اللاحقة، وكُلّي أملٌ أن يتقبلها القارئ تفكيراً خارج الصندوق؛ لأن الصندوق ضاق كثيراً على الواقع الحالي.

في خضم المعركة الدائرة حول الذكاء الاصطناعي وخطورته على البشرية، وبين الآراء المتنوعة التي تنطلق من منطلقات مختلفة؛ بين متخوفٍ من تحوله إلى سلاح مُنفلِت لا يمكن السيطرة عليه، إلى ذلك الخائف من فِقدان الهوية الإنسانية، مروراً بمُكذِّبي فكرة الذكاء الاصطناعي ومُشيطِنيه؛ تستمر شركات التقنية في خلق هذه العقول الجبارة (إن صَحَّت تسميتها بالعقول). عقول تجعل الأمس القريب أضحوكة مقارنة باليوم، وتُعطي المتخوفين أسباباً جديدة للخوف بل والذعر. وبين هؤلاء وهؤلاء، تستمر ملايين العقول البشرية بالتحدث مع هذا المارد الجميل لتُنتج أفكاراً تَعدِل ما أنتجته البشرية منذ الطوفان. إنهم يستخدمون هذه (السكين السويسرية) في كل شيء تقريباً، وكلما استخدموها، زادت قوتها وسطوتها. ولن تحتاج لخبير بخوارزميات الذكاء الاصطناعي لتكتشف أن التقدم هنا يمضي بشكل أُسّيّ ومُرعب حقاً.

ولكي لا أطيل الحديث، سأنتقل إلى الفيديو الذي جعلني أُحرّك أناملي لأكتب هذا المقال. في أحد الأيام، وأنا أتصفح "إنستغرام"، رأيت أغنية بكلمات إنجليزية مُرفقة بترجمة عربية. كانت عميقة ومؤثرة بشكل كبير. ظننت لوهلة أنها إنتاج بشري، بل وبحثت عن المطربة والشاعر رغم (آثار الذكاء الاصطناعي) التي لمحتها بين الكلمات. وكما هو متوقع، كانت هذه الأغنية مُوَلَّدة بالكامل آلياً. لقد حملت مشاعر إنسانية لم أتصور (أنا الذي تعاملت مع الذكاء الاصطناعي منذ 2001 وعدت للعمل عليه بكثافة بعد ظهور نماذج GPT الثورية عام 2023) أن يتمكن الذكاء الاصطناعي من (استنساخها) بكل ما تحمله من عمق. لم أنظر للفيديو رغم الأفكار التي وردت فيه، وإنما اخترت الكلمات؛ لأن الكلمة كانت ولا تزال - ربما إلى عهد قريب جداً - هي الخَصيصة التي تميز الإنسان عمّن سواه.

لمحت في كلمات الأغنية شيئاً من (التباين الإيقاعي - Burstiness)؛ وهو التفاوت الذي يُميِّز نصوص الذكاء الاصطناعي عن النصوص البشرية، لكن طبيعة النص (شعر/أغنية) قلَّلت من هذه الاحتمالية. هذا ولم تُسعفني البصمة المعجمية كثيراً في تمييز أصل النص؛ لأن البشر الذي طلب من الخوارزمية ربما كان ذكياً جداً وأدخل قائمة كلمات مُنتقاة بشرياً، أو كان (المُلَقِّن - Prompt) الذي استخدمه عبقرياً، أو ببساطة: حالفه الحظ.

إلا أن ما لفت انتباهي لم يكن الأسلوب الذي قلَّد الكتابة البشرية بقوة، وإنما الأحاسيس التي نقلتها الأغنية بكل شفافية (أو استطاعت الخوارزمية استنساخها وزَجَّها فيها). فالكلمات حاكت الضياع الذي يصفه البشر في أغانيهم محاكاة شديدة التعقيد؛ بدءاً من انتقاء الكلمات، ثم اختيار الصور وتكثيفها، ثم ربط هذه الصور لتُمثِّل الثيمة الرئيسية بما تُحركه من انتقالات عاطفية. لم تتوقف الخوارزمية عند هذا الحد، بل تعدَّته إلى تكوين شخصية الشاعر، أحاسيسه، وآلامه. لقد تمكنت من التأثير بي عاطفياً، بل وبالكثيرين حتى أصبحت (تريند). ولم يكن اللحن ببعيد عن هذا الإبداع (المُستنسَخ)، بل إن الذكاء الاصطناعي ربما أورثه غرابة نتيجة لاطّلاعه المُكثَّف جداً على كل ثقافات الأرض؛ غرابة ممزوجة بأُلفة النتاج الذي قلَّده الإيقاع.

وهنا يبرز السؤال الأهم: هل سنجد أنفسنا مُرغَمين على دراسة أدب الذكاء الاصطناعي (أو فلنُطلق عليه اسم الأدب الاصطناعي) أم أننا سنستمر بالمكابرة؟

حتى لو استمررنا بالمكابرة، فسنجد أن هذه التقنية قد قفزت قفزات أُسّيّة جديدة تجعلنا لا نُميِّز الإنساني من الاصطناعي. وقبل الإجابة عن السؤال، أستميحكم عذراً لأنني قد أُربِك تفكيركم بسؤال أكثر خروجاً عن المألوف وهو: إلى أي مدى يمكننا اعتبار النتاج بشرياً إذا كانت مُقدماته بشرية؟ فالذكاء الاصطناعي عمل بشري، تدرَّب على كل نتاجات الوعي البشري ليُديره البشر بعد ذلك ويُنتجوا منه أعمالاً يمكن اعتبارها (عاجلاً أم آجلاً) أعمالاً أدبية راقية. فهل يمكن أن نُنكر بأن فن الرسم الرقمي (الديجيتال) هو فن رصين؟ وكذا مع كل النتاج الفني الذي استخدم معه الإنسان أدوات تكنولوجية، بدءاً من الألوان الصناعية وانتهاءً بالذكاء الاصطناعي؟

أنا عن نفسي سأعتبر (الأدب الاصطناعي) ضرباً من الأدب الذي شاركت به شعوب الأرض جميعاً؛ فهو مُستقَى من ثقافات البشر، ولغاتهم، وآمالهم، وآلامهم. نعم، سنفقد (المُبدِع الواحد) أو سيضعف دوره، لكننا لن نضطر إلى التخلي عن حقنا في إنتاجه. وهذه الظاهرة، رغم أنها تبدو للوهلة الأولى أمراً جديداً، إلا أننا لو أمعنّا النظر لوجدنا أن كل الأعمال الأدبية في التاريخ استقت أصالتها من تراث وثقافات الشعوب. فقصائد المتنبي تدين لامرئ القيس وشعراء المعلقات بالكثير. وكذا يدين شكسبير لآلام الكثيرين في مسرحياته؛ فـ (ماكبث) لم يكن مُخترَعاً بالكامل، وإنما نما وترعرع بين البشر حتى أدركه شكسبير. نعم، دور المتنبي وشكسبير أكبر من دور (المُلقِّن) الذي طلب من الذكاء الاصطناعي الكلمات وسلَّحه بالأفكار الأولية، إلا أنه لولاه لَما كانت ثَمّة أغنية أكتب عنها الآن.

وهنا، لا أظن أن المشكلة انتهت، بل لربما لم تبدأ إلى الآن. فالذكاء الاصطناعي مستمر بالتطور وقد يصل إلى آفاق لم نُفكِّر بها من قبل. فالأعوام الثلاثة المنصرمة لم تكن أعوام تقدم عادي، بل انفجاراً يجعل أفكار الأمس القريب تبدو وكأنها رُقُم طينية بابلية. وربما سنشهد أدباً وفناً جديداً يسبر أغوار الذات البشرية ليَستخرج من سحيق أعماقها مشاعر قد لا نكون مُستعدّين للكشف عنها أو التعامل معها. وهنا.. سيصبح الاعتراف بالأدب الاصطناعي آخر همومنا..

***

محمد رضا عباس يوسف - العراق / ديالى