عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تجديد وتنوير

بتول فاروق: هل يمكن تكليف المستبعد من الحرية؟

(الحرية والتكليف والذات الأخلاقية للمرأة في الفقه الإسلامي)

ليكون الإنسان فاضلا، يجب أن يكون حرا، واعيا صاحب مسؤولية، أما الشخص الذي يجبر على الطاعة وتنفيذ ما يطلب منه، فهو ليس حرا، ولذلك لا يمكن أن نعده إنسانا فاضلا أو خيرا، أو حتى مكلفا، فهو محبوس ضمن نطاق يرسم له حدود حركته، ويكون تحت المراقبة والمتابعة القسرية المباشرة، وتحتاج أية حركة منه الى إذن. لينتج - بعد ذلك - الإنسان المطيع.

التكليف الديني يفترض أن المرء يكون حرا ليصح، أما أن ترسم له حدود معينة يجب أن لا يتجاوزها، فإذا تجاوزها يُجوّع ويعرّى فهذا يشبه الاستعباد المقنن.

المرأة والخضوع القسري

إن الخضوع لنظام اجتماعي هرمي يكون به المرء مجرد أداة للآخر حتى يعيش، والبديل هو القتل المادي أو المعنوي، فهو نظام ليس الهيا أو بشريا، لكن البعض رسمه هكذا بناء على فهمه الاجتماعي الذي كان يعيش فيه، حيث التراتبية الصارمة التي كانت نظاما يحكم المجتمعات القديمة عامة .

إنّ نظام الولاية والقوامة و(الطاعة مقابل النفقة) بالمعنى الذي فهمه المسلمون، يجعل تكليف المرأة ملغيا، فكل وصاية تحرم الانسان من حرية الاختيار، تجعله خارج نطاق التكليف الحر، وهذا يحدث تضاربا بين قانون التكليف الالهي الذي يخاطب الجنسين به، وبين مفردات فقهية جزئية رسموها كما لو كانت حقيقة فقهية مطلقة، حتى أن أدت الى خروج النساء من حيز التكليف.

إنّ بعض البنى الفقهية والاجتماعية لم تكتف بتنظيم حياة المرأة لتكون خاضعة، بل أعادت تشكيل وعيها وجسدها وحركتها عبر منظومة مستمرة من الرقابة والمعاقبة، بحيث تتحول المرأة من ذاتٍ أخلاقية حرة إلى كائن يخضع للسلطة خوفًا من العقاب المادي والمعنوي. إن الخطاب المهيمن يعيد تشكيل المرأة لتتبنى أفكار المنظومة التشريعية والاجتماعية كما لو كانت طبيعية لا تحتاج الى مقاومة. وهذا أخطر شيء تقوم به السلطة الاجتماعية غير المرئية، فالإنسان سيتبنى أفكاراً قامعة لأجل القبول المجتمعي، ونظرة الناس اليه، فلا يشعر بالقيود والضغط الاجتماعي المسلط عليه، بل تبدو كما لو كانت اختياراته الخاصة في شكلها الطبيعي لها.

ربط منفعة الجسد بالنفقة:

لا ينبغي أن يكون الدين والأخلاق أداة سيطرة وقمع لجنس كامل بحجة أن الاله في عليائه يأمر بذلك. حين تربط معيشة المرأة بطاعتها، في قضية لا يمكن للإنسان أن يطيع بها على طول الخط، لأنها خاضعة للمزاج، وعادة تكون غير اختيارية، فالطاعة المطلوبة هي طاعة تسليم الجسد في " الفراش " وهذا أمر غير اختياري بالكامل .

كيف يطلب الفقهاء هذا الأمر كما لو كان ممكنا فعل ذاك؟ أليس هذا تكليفا بما لايطاق! يبدو كاغتصاب وفيه تدمير للنفس الإنسانية، وهدر لمشاعر المرأة الحساسة- كما يفترض- فهي ريحانة وليست بقهرمانة .

فالانسان ليس جسدا فقط، فقد تطيق المراة جسديا فعل ذلك، لكن الروح والنفس ستتأذيان إذا تم ذلك بالإكراه. فهل يؤمن الفقهاء بالجسد فقط ؟

الإنسان يستطيع أن يقرر الذهاب الى العمل أو أداء الصلاة أو دفع المال، أو السفر لكن لايستطيع أن يقرر ببساطة أن يشعر بالرغبة أو الارتياح النفسي. أن الشعور بالأمان أو الخوف أو طبيعة العلاقة العاطفية بين الزوجين، إضافة الى التعب والإرهاق والحالة النفسية تلعب أدورا فاعلة في التقارب الجسدي، لذا فأن مطالبة الانسان بإنتاج شعور أو استعداد نفسي بشكل دائم تبدو مختلفة عن مطالبة الإنسان بفعل إرادي عادي كالإنفاق مثلا .

هل تتواجد الحرية في ربط الإطعام بمدى الاستحابة الجنسية ؟

هل ستبقى الموافقة الجنسية حرة فعلا، في هذا الربط، أم أنه تقنين للإغتصاب الجسدي والنفسي ؟

إن الموافقة الحقيقية تتطلب القدرة على الرفض دون خسارة الحقوق الأساسية، أما اذا كان رفض العلاقة يؤدي الى فقدان النفقة أو المسكن والأمان الاقتصادي، فأية حرية بقت لها ؟

إن الفقه التقليدي غالبا ينظر الى الإمكان الجسدي، فإذا كانت قادرة جسديا على المعاشرة، وليس عندها مانع شرعي، فلايعد ذلك تكليفا بما لايطاق، أما النظرة المعاصرة للانسان، فترى أن الانسان ليس جسدا فقط، وأن الإكراه النفسي قد يجعل الفعل مرهقا أو مؤذياً رغم القدرة الجسدية .

لماذا أصبحت هذه القضية مركزية اليوم؟

إن التصورات الحديثة للزواج تغيرت اليوم تغيرا جذريا، ففي السابق كان الزواج يفهم غالبا بوصفه عقدا ينظم الحقوق والواجبات بين طرفين غير متساويين في الأدوار، ويعقدان على أمور مختلفة، أما إنسان اليوم- فيرى علماء الاجتماع والفلاسفة- انه ينظر الى الزواج باعتباره علاقة تقوم على: الرضا المتبادل والشراكة والاستقلال للشريكين والكرامة الشخصية لكل منهما، والحق في السلامة الجسدية والنفسية، ومن هنا يظهر التوتر والصراع والجدل بين النموذج الفقهي القديم والنموذج الحقوقي الحديث.

أن المرأة تملك ذاتا أخلاقية، فلا يصح النظر اليها باعتبارها موضوعا للوصاية، أو كائنا ناقص الأهلية الأخلاقية، بل هي ذات حرة عاقلة ومسؤولة، لها القدرة على الاختيار واتخاذ القرار وتحمل نتائج أفعال، لذا أي نظام قانوني أو اجتماعي يقلل أو يقلص استقلالها، ويجعلها تابعة لإرادة شخص آخر يثير إشكالا أخلاقيا يتعلق بمدى الاعتراف بإنسانية المرأة ومكانتها بوصفها فاعلا أخلاقيا مستقلا .

***

بتول فاروق - العراق / النجف

٣٠/ ٥/ ٢٠٢٦