أقلام ثقافية

جورج منصور: بغداد.. ذاكرةٍ تمشي على قدمين ومدينة تبحث عن نفسها

لم يكن دخولي إلى بغداد عام 2003 مجرّد عبورٍ حدودي من الكويت إلى العراق، بل كان عبوراً بين زمنين. ثمانيةٌ وعشرون عاماً فصلت بين مغادرتي الأولى وعودتي تلك، بين دخولي مشياً على الأقدام عبر جبال كردستان عام 1981، ودخولي هذه المرة في موكبٍ من الأسئلة الثقيلة والدهشة المرّة. كان الطريق القديم طريق خوفٍ وأمل، أما الجديد فكان طريق ارتباكٍ وحنينٍ وانكسار.

في تلك الليلة الأولى، نمتُ في بيتٍ خشبيٍّ صغير داخل باحة القصر الجمهوري، كأنني ضيفٌ مؤقت على ذاكرةٍ أوسع من قدرتي على الاحتمال. وفي صباح اليوم التالي، انتقلتُ إلى فندق الرشيد في المنطقة الخضراء؛ اسمٌ فخمٌ يختزن زمناً آخر، لكن محيطه كان يوحي بأن الفخامة صارت قشرةً رقيقة فوق واقعٍ مضطرب.

لم يكن يفصل الفندق عن مقر عملي في قصر المؤتمرات سوى شارعٍ واحد، غير أنّ الشارع لم يكن عادياً؛ كان ممرّاً لاحتلالٍ كامل. جنودٌ أجانب بأحذيتهم الثقيلة وخوذهم الخاكية، بنادقهم مشرعة، وأعينهم حذرة. كنتُ أعبر بينهم كمن يعبر في حلمٍ لا يدري إن كان سيستيقظ منه أم سيظلّ عالقاً في تفاصيله.

الحرارة لاهبة، والشمس قاسية، وبغداد - دار السلام - بدت كأنها تئن تحت طبقاتٍ من الرمال.

كنتُ أفتّش في وجوه الناس عن أثر المدينة التي عرفتها. رأيتُ حزناً صامتاً، وغضباً مكتوماً، وحنيناً عجيباً إلى ماضٍ لا يعود. النوستالجيا لم تكن كلمةً مستوردة، بل حالةً يومية تتسلل من نظرات العابرين ومن ارتباك خطواتهم. ولا أعرف شعباً يحمل وطنه في صوته كما يفعل العراقيون؛ كأن العراق ليس أرضاً فحسب، بل ذاكرةً تسكن الحنجرة.

وأنا أتنقل في الشوارع، شعرتُ أن بغداد لم تُهزم مرةً واحدة، بل هُزمت مراراً: في كل حربٍ مرت عليها، وفي كل حصار، وفي كل غزو. عمارات مثقوبة بالرصاص، وأعمدة متآكلة، وإشارات ضوئية لا يلتفت إليها أحد، وسيارات تعاند الأرصفة، وآليات عسكرية تشق الطريق ببطءٍ ثقيل. الزحام كبير، لكن الوحدة أكبر. والضجيج عالٍ، لكن الصمت في الداخل أشد.ّ

كنتُ أتساءل: متى تعود بغداد إلى وعدها الأول؟ متى تصير مدينةً للحياة لا مسرحاً للنجاة؟ متى يتحرر اسمها من صور الدبابات ليعود مقروناً بالعلم والشعر والنهر؟

-2-

بعدها زرت بغداد مرتين. المرة الأولى في تشرين الثاني عام 2023 لحفل توقيع كتابي "إيفين.. حفرٌ في الذاكرة" الصادر (عن داري الرواق وأهوار للنشر والتوزيع). والثانية في شباط 2026 لحفل توقيع كتابي "غيمري.. كدّتُ أصبح إماماً" الصادر (عن دار المدى للإعلام والثقافة والفنون). وفي كلتيهما دخلت بغداد وبيدي كتاب لا حقيبة قلق.

غير أن الدخول الأخير كان دخولاً إلى قلبٍ نابض، لا إلى منطقة محصنة. ففي المتنبي، شعرتُ أن بغداد ما زالت تتنفس. الكتب مصطفّة، والباعة ينادون، والقرّاء يتجادلون، والوجوه تحمل فضولاً حيّاً. هناك، تحت ظلال الأبنية القديمة، بدا لي أن الثقافة ليست ترفاً، بل مقاومة. أن تبيع كتاباً في بغداد، هو أن تزرع شجرةً في أرضٍ عرفت الحرائق.

وأنا أوقع كتابي في المتنبي، كنتُ أرى في الوجوه المشرقة شغفاً لا ينطفئ رغم كل شيء، فأدركتُ أن بغداد  التي يزدحم فيها الناس حول كتاب، لا يمكن أن تموت. فيها شيءٌ من دجلة؛ قد يعكر ماؤه، وقد يفيض أو ينحسر، لكنه لا يتوقف عن الجريان. غير أن الجريان وحده لا يكفي. فالنهر يحتاج إلى ضفتين تحميانه، كما تحتاج المدينة إلى وعيٍ يحرسها.

في المتنبي حيث يتجدد النبض، لا تشعر أنك في شارع، بل في فكرة. الكتب ممدودة كأذرع مفتوحة، والقرّاء ينتقلون بين العناوين كما ينتقل النحل بين الأزهار. هناك، شعرتُ أن بغداد ما زالت تحتفظ بقلبها الثقافي، حتى لو تكسرّ جسدها العمراني. وأنا أغادر المتنبي في مساء التوقيع، شعرتُ أنني لم أوقع كتاباً فحسب، بل أوقعت شهادة حب لمدينة أعرف عيوبها كما أعرف فضائلها. مدينة خانتها السياسة، وأرهقتها الحروب، لكنها ما زالت قادرة على أن تدهشنا.

في أزقة بغداد، تذكرتُ أن هذه المدينة لم تكن يوماً هامشاً في التاريخ، بل كانت متنه. منذ أن أسسها أبو جعفر المنصور لتكون "مدينة السلام"، وهي تحاول أن تبرّر اسمها أمام العواصف. هنا، في زمنٍ بعيد، كان بيت الحكمة؛ هنا تُرجمت الفلسفات، ونُقلت علوم اليونان، وصيغت أسئلة جديدة للوجود. هنا، كان العالم يأتي لا ليغزو، بل ليتعلم.

لكن المفارقة اليوم موجعة. فبين بغداد التي كانت مركز إشعاعٍ حضاري، وبغداد التي تكافح لتوفير كهرباءٍ مستقرة ومياهٍ نقية، مسافةٌ لا تُقاس بالكيلومترات، بل بالرؤية. المدينة تبدو وكأنها ترتدي ثوبين في آنٍ واحد:

ثوب الماضي المطرّز بالمآذن والكنائس والقباب والنقوش، وثوب الحاضر المرقّع بالفوضى العمرانية والإهمال.

نعم، ثمة محاولات تجميل: في شارع الرشيد تُرمّم بعض الأبنية، ويُستعاد بغض الذاكرة، وتُعاد الحياة إلى شرفاتٍ كانت شاهدة على زمن ملكّي أنيق. تُشيّد مولات حديثة، وتعلو عمارات زجاجية، وتزدحم الطرق بمشاريع متفرقة. لكن المدينة ليست واجهات، المدينة روح. بغداد لا تحتاج إلى مزيدٍ من الإسمنت بقدر ما تحتاج إلى رؤية. لا تحتاج إلى أبراجٍ أعلى، بل إلى جذورٍ أعمق. لا تحتاج إلى ضوءٍ عابر، بل إلى مشروعٍ طويل النفس يعيد وصل ما انقطع بين الأمس واليوم.

وإذا خرجتَ قليلًا نحو عمق التاريخ العراقي، بدا السؤال أكبر. في آثار بابل، حيث مشت مواكب نبوخذنصر الثاني، يقف الحجر شاهداً على مجدٍ عظيم، لكنه يفتقد الرعاية التي تليق به. وفي زقورة عقرقوف، تقف الزقورة وحيدةً كراهبةُ طينٍ تصلي للزمن كي لا ينساها. المشكلة ليست في تهدّم جدار، بل في تصدّع المعنى. فحين تفقد الأمة علاقتها بتاريخها، يصبح المستقبل مشروعاً مؤجَّلاً.

في كل مرة أكون في بغداد، أشعر أنني لا أمشي على أرضٍ فحسب، بل أمشي فوق طبقاتٍ من التاريخ، كأن كل حجرٍ فيها يخفي حكاية، وكل زقاقٍ يهمس باسم شاعرٍ أو خليفةٍ أو عالم. كانت المدينة يوماً عاصمة الدنيا، ومركز إشعاعٍ حضاري لا تغيب عنه الشمس، يوم أسّسها أبو جعفر المنصور لتكون "مدينة السلام"، فإذا بها تصير مدينة العلم والفلسفة والترجمة، وملتقى الشرق والغرب. على ضفاف دجلة، كانت المآذن تتعانق مع القباب، والأسواق تضج بالحياة، والكتب تُباع كما تُباع الأرغفة.

لكن بغداد اليوم، حين تتأملها بعينٍ حزينة، ترى مفارقةً موجعة بين الأمس واليوم. ترى آثار الجمال والحضارة شاخصةً كأطلالُ مجدٍ بعيد، بينما تتكدس حولها تشوهات الحاضر: شوارع مكتظة، وبنايات بلا روح، وفوضى عمرانية، وبنية تحتية تئن تحت ثقل الإهمال وسوء التخطيط.

الخراب ليس في الواجهات وحدها، بل في العمق؛ في شبكات الماء والمجاري، في الكهرباء، في التخطيط الحضري، في غياب رؤية تحفظ الهوية قبل أن تستنسخ نماذج بلا جذور. ليس الخراب في تهدم الحجر فحسب، بل في غياب الوعي. فالأمم التي لا تصون ذاكرتها، تفرط في مستقبلها. وما يبدو إهمالاً عابراً، قد يتحول مع الزمن إلى طمس متعمد للهوية، أو إلى قطيعة مع تاريخ كان يوماً مصدر فخر واعتزاز.

بغداد لا تحتاج إلى مولٍ جديد بقدر ما تحتاج إلى رؤيةٍ تحترم روحها. لا تحتاج إلى أبراجٍ زجاجية بقدر ما تحتاج إلى ترميم بيوتها التراثية، وإحياء أزقتها، وصيانة آثارها، وتعليم أبنائها أن هذه المدينة ليست مجرد عاصمة، بل فكرة حضارية.

ستبقى بغداد، رغم كل شيء، مدينةً عصيّة على الموت. فيها شيءٌ من دجلة؛ قد يتكدّر ماؤه، لكنه لا يتوقف عن الجريان. غير أن الجريان وحده لا يكفي. فإما أن نستعيد ألق الماضي بعقلٍ معاصر ومسؤوليةٍ تاريخية، وإما أن نظل نرثي مدينةً كانت يوماً قلب العالم… وأصبحت اليوم تبحث عن قلبها.

***

جورج منصور

في المثقف اليوم