أقلام ثقافية
احمد عابر: العودة للديار.. الانوثة كذاكرة اولى للامان
(الرحمة لا العقل هي ما يجعل الانسان انسانا).. ليو تولستوي
في لوحة العودة للديار المرسومة سنة ١٩٣٦، لا نواجه حدثا دراميا ولا ذروة سردية، بل ما يشبه ما بعد الحكاية، حين تنتهي اللغة وتبقى الاجساد وحدها شاهدة. جندي عاد من الحرب، او لعل الحرب لم تغادره بعد، جاث على ركبتيه، مثقل، منكسر، وقد اسند راسه الى حضن امرأة لا تعرف، ولا تسمى، ولا تحدد هويتها. لا نعرف ان كانت اما، او اختا، او حبيبة، وربما هي كل ذلك معا. ما نعرفه فقط انها تستقبله بلا سؤال، وبلا دهشة، وبلا شرط.
اللوحة من اعمال الرسام الالماني هانز ادولف بوهلر، المنتمي الى تقاليد الواقعية الرمزية المتاخرة ذات الجذور الكلاسيكية، حيث تمنح الاجساد حضورها الكامل، وتقال الافكار عبر الايماءة لا عبر الخطابة. في مناخ فني الماني في ثلاثينيات القرن العشرين كان ميالا الى تمجيد القوة والانتصار، تأتي هذه اللوحة على هامش التيار الغالب، لا لتعارضه صراحة، بل لتلتفت الى ما يتجاهله، لحظة العودة حين يسقط القناع، وحين يعود الانسان لا كبطل، بل ككائن محتاج الى من يلتقطه.
المرأة في اللوحة لا ترفع الجندي، ولا تعيده واقفا، ولا تعيده قويا. هي تفعل شيئا ادق واعمق، تسمح له ان يكون ضعيفا. يدها الموضوعة على راسه ليست اشارة سلطة، بل ايماءة معرفة قديمة، معرفة الجسد بالجسد، ومعرفة العناية التي لا تحتاج الى تفسير. هنا يمكن استحضار فكرة ايمانويل كانت عن كرامة الانسان بوصفه غاية في ذاته، لا وسيلة. فالجندي، وقد انتهت وظيفته الحربية، يستعيد قيمته لا لانه ادى دوره، بل لانه انسان يستحق الاحتواء. الكرامة هنا لا تمنح بالقوة، بل تستعاد حين يعترف بالهشاشة دون اذلال.
لكن اللوحة لا تتوقف عند الاخلاق العقلانية، بل تنفتح على افق اعمق، اقرب الى ما كان تولستوي يلتقطه في الحرب والسلام. اللحظة التي ينهار فيها العقل المنظم، وتتعطل الحسابات الكبرى، ويبقى شيء واحد صالحا للحياة، الرحمة. كل ما في الجندي يقول ان المنطق فشل، وان الحرب لم تترك له تفسيرا ولا معنى. وكل ما في المرأة يقول ان المعنى لا يصنع، بل يحتضن. الرحمة هنا ليست فضيلة مجردة، بل فعلا يوميا بسيطا، يحدث بلا اعلان، وبلا بطولة.
ومن هذا المعنى، يمكن قراءة اللوحة في افق انساني ديني بلا لاهوت، يلتقي مع ما يطرحه عبد الجبار الرفاعي، حين يرى ان الدين الحي هو الذي يداوي جراح الانسان، لا الذي يفسرها فقط. هذه المرأة لا تنطق باسم الله، ولا تحمل خطابا اخلاقيا، لكنها تفعل ما هو اسبق من كل خطاب، ترافق الالم. وكأن اللوحة تقول ان المعنى لا يولد من الالم نفسه، بل من الطريقة التي يستقبل بها هذا الالم حين يعود الى البيت.
وهنا تصبح العودة للديار عودة مختلفة عما توحي به الكلمات. الديار ليست مكانا، ولا وطنا سياسيا، ولا نهاية حرب، بل حضنا يسمح للانسان ان يضع راسه اخيرا دون ان يسال عما فشل فيه. الانوثة في اللوحة ليست رمزا سماويا، ولا استعارة لاهوتية، بل الذاكرة الاولى للامان، تلك التي يعرفها الجسد قبل ان يعرف اللغة. في هذا الاحتضان الصامت، تستعاد الانسانية لا بوصفها قوة، بل بوصفها قابلية للكسر، وقابلية للعناية. وربما لهذا السبب تبقى اللوحة حية، لانها لا تعد بالخلاص، بل تقول شيئا ابسط واصدق، ان الانسان حين يعود مكسورا، لا يحتاج الى تفسير، بل الى من يبقى.
***
د. احمد عابر







