أقلام ثقافية

احمد عابر: الترنج الذي لا يتسع له العالم.. تأمل في لوحة "حب أبريل"

قال المحبوب: "انا ذلك الترنج الذي لا يتسع له العالم" فاجابه العاشق: "انت أجمل من الترنج، ولكن لا يمكن الإمساك بك".

الخواجة الكرماني - من احدى غزلياته - مترجمة من الفارسية2531 ahmad

الترنج في الثقافة الفارسية ليس مجرد ثمرة الأترج، بل هو الشكل البيضوي أو اللوزي الذي يتوسط التصاميم الفنية، ولا سيما في زخارف المساجد و المراقد. هذا الشكل المركزي يمثل النقطة التي تتفرع منها الزخارف كلها، وكأن العالم ينتظم حول مركز واحد. وقد رأى بعض الباحثين المعاصرين فيه تعبيرا بصريا عن الحقيقة الإلهية حيث هي مركز الوجود الذي تنبثق منه الكثرة. حين يقول المحبوب "لا يتسع له العالم"، فهو يشير إلى جمال أو حقيقة تتجاوز كل الحدود المادية، ويجيبه العاشق بأن هذا الجمال المطلق لا يمكن امتلاكه، بل فقط التأمل فيه.

بعد قرون من هذا الغزل الفارسي، نجد الحب نفسه يتجسد بلغة بصرية في لوحة حب أبريل التي أنجزها الفنان الإنجليزي آرثر هيوز بين عامي ١٨٥٥ و١٨٥٦. تظهر في اللوحة فتاة جالسة في حديقة غنية بالخضرة والأوراق المتساقطة. للوهلة الأولى يبدو المشهد هادئا، لكن مع التأمل نكتشف أن عيني الفتاة تلمعان بالدموع. ثم يظهر تفصيل خفي: في الخلفية، يكاد حبيبها يختفي بين الأشجار، جالسا واضعا رأسه بين يديه، إذ يندمج لون ثيابه مع جذوع الأشجار حتى يكاد المشاهد لا يميزه لأول وهلة. والمثير أن كثيرا من المشاهدين قد ينظرون إلى اللوحة سنوات دون أن يلاحظوا هذا الرجل في الخلفية أو دموع الفتاة. كأن الفنان تعمد أن يجعل الحزن جزءا من المشهد الطبيعي، لا يظهر إلا لمن يتأمل طويلا.

تزدان اللوحة بعناصر رمزية بديعة: اللبلاب المتسلق ربما يرمز للحياة الأبدية، والورد يرمز للحب، بتلات الورد المتساقطة على الأرض توحي بنهاية الحب، وزهور الأرجوان ترمز لذكريات الشباب والحب الأول. هذه الرموز لا تكتفي بالظهور، بل تتفاعل مع بعضها: اللبلاب الدائم الخضرة يحيط بالورد المتساقط، وكأن الحياة لا تتوقف عند انتهاء الحب، والأرجوان البنفسجي يذكر بالذكريات الجميلة وسط مشهد الحزن. هكذا يمزج الفنان بين الأمل واليأس في إطار واحد. الفستان البنفسجي الذي ترتديه الفتاة يتوازن بدقة مع الخضرة المحيطة. لكن درجات الأخضر ليست متجانسة؛ فثمة أخضر داكن في الظل، وأخضر زاه حيث يلامسه الضوء، مما يخلق حوارا لونيا يعكس تعدد المشاعر الإنسانية في لحظة واحدة. هذا التوازن بين البنفسجي والخضرة يجعل المشاعر تبدو وكأنها تنتمي إلى الطبيعة نفسها. أما النموذج الذي رسمت منه الفتاة فهي تريفينا فورد، التي تزوجها هيوز عام ١٨٥٥، أي في العام نفسه الذي بدأ فيه رسم اللوحة. كان يرسم حبه الحقيقي وهو يتأمل لحظة ألمهما المشترك. هذه المعلومة الإنسانية تضفي على اللوحة بعدا آخر: إنها ليست مشهدا متخيلا، بل لحظة حقيقية من حياة الفنان، تحولت بفرشاته إلى أيقونة خالدة.

كان آرثر هيوز أحد الفنانين المرتبطين بجماعة "الإخوة ما قبل الرفائيليين" التي ظهرت في بريطانيا عام ١٨٤٨. سعى هؤلاء الفنانون إلى العودة إلى أساليب الرسم التي سبقت عصر رفائيل، أي فن القرن الخامس عشر الإيطالي، الذي رأوا فيه صدقا وبساطة واهتماما بالتفاصيل الطبيعية.

هذا المشهد الإنساني المؤثر يذكرنا بما يقول ابن عربي في فتوحاته المكية متأملا طبيعة العشق:

"العِشْقُ هو والشَّوْقُ أنت.. ابتداءُ العِشْقِ الشَّوْقُ، وانتهاءُ الشَّوْقِ العِشْقُ.. فافهم ذلك".

ويضيف في موضع آخر:

"كل حب يكون معه طلب، لا يعول عليه... كل شوقٍ يسكن باللقاء، لا يعول عليه".

هذه الرؤية العميقة تضع الحب في مرتبة تتجاوز مجرد العلاقة العاطفية؛ فالحب الذي يسكن باللقاء ويهدأ بالوصول ليس حبا حقيقيا عند أرباب هذا المقام. بل الحب هو حالة وجودية لا تطلب الامتلاك ولا تسكن إلى اللقاء، بل تبقى في حالة شوق دائم. في اللوحة، الفتاة وحبيبها يعيشان لحظة الفراق والألم، لكن هذا الألم نفسه هو دليل على أن حبهما لم يسكن بعد، ولم يتحول إلى طلب أو امتلاك.

ومن زاوية أخرى، نجد في تراث إخوان الصفا تأملات عميقة في المحبة بوصفها مبدأ كونيا. فقد جاء في رسائلهم أن غايتهم هي "التظافر والسعي إلى سعادة النفس عن طريق العلوم التي تطهر النفس".

وهم يرون أن المحبة تسري في الوجود كله، وأن الفضائل الفلسفية والروحية ترقى بالإنسان إلى مرتبة أقرب إلى الكمال الإلهي. في اللوحة، الحب لا يظهر فقط في الشابين، بل يسري في الطبيعة كلها. النباتات هنا ليست مجرد خلفية، بل هي مشاركة في الحدث: اللبلاب المتسلق يعانق جذوع الأشجار كما يعانق الحب القلوب، والورد المتساقط يشارك الفتاة حزنها، والألوان المتناغمة تعكس انسجام الوجود كله تحت سقف الحب.2530 ahmadاما الصديق والمفكر عبد الجبار الرفاعي، فيتناول في كتابه "الدين والاغتراب الميتافيزيقي" فكرة الحب بوصفه تجربة وجودية تتجاوز المألوف. يذهب الرفاعي إلى أن الحب الصادق يحمل طابعا مقدسا، حيث يختبر الإنسان فيه نوعا من التجاوز للذات، ويلمس حضورا لا يمكن اختزاله في المادة.

الفتاة في اللوحة، بدموعها الخفيفة وحبيبها المتخفي خلف الأشجار، تعيش هذا التجلي للحب حتى في لحظة الألم والفراق. الألم هنا ليس نقصا في الحب، بل هو دليل على عمقه وصدقه.

نعود إلى الخواجة كرماني:

"انا ذلك الترنج الذي لا يتسع له العالم"،

"انت اجمل من الترنج، ولكن لا يمكن الامساك بك".

المحبوب هنا يقول إنه ذلك الترنج، لكنه اكبر من ان تتسع له الدنيا. إنه الجمال المطلق الذي لا يحد.

والعاشق يعترف بان هذا الجمال اجمل من اي شكل مرسوم، لكنه مع ذلك لا يمكن الامساك به او تملكه.

هذه هي مفارقة الحب الأسمى: حضوره اقوى من اي حضور، لكنه يفلت من كل محاولة للتملك.

هنا يتكشف التشبيه البصري الأعمق: فكما ان الترنج يتوسط  وتتفرع منه الزخارف، فإن الفتاة تتوسط التكوين البصري للوحة، والطبيعة من حولها - بأشجارها وأوراقها وزهورها - تشبه الزخارف المتفرعة من المركز.

هي مركز هذا العالم المصغر، وكل ما يحيط بها انما هو امتداد لحضورها. لكن اللوحة، مثل الترنج، لا تقدم لنا حبا يمكن الامساك به، بل حبا يمكن التأمل فيه فقط.

الفتاة تبكي، والحبيب يختبئ خلف الأشجار، والورد يتساقط، لكن اللوحة لا تنقل اليأس. بل تنقل جمالية حتى في الحزن نفسه، وكأن الالم هنا ليس نهاية الحب، بل هو جزء من حضوره. الحب الذي يظهر في دموع الفتاة هو الحب نفسه الذي يسري في الطبيعة، والذي يتجلى في الترنج الذي لا يتسع له العالم. ربما كان الفنان يرسم اكثر من مجرد لحظة شجار عابر.

ربما كان يرسم تلك الحقيقة التي أشار إليها الخواجة كرماني من قبل: أن الجمال الحقيقي - سواء كان جمال المحبوب أو جمال الحب نفسه - لا يمكن الإمساك به أو تملكه. يمكن فقط التأمل فيه، كما نتأمل الترنج في وسط الزخارف، وكما نتأمل الفتاة في وسط اللوحة، وكما تتأمل الزخارف مركزها دون أن تطمح لأن تحل محله.

وربما يتساءل البعض اذا كان الحب الذي لا يمسك به هو وحده الذي يستحق أن نسميه حبا، فهل يعني ذلك أن كل حب نمسك به يتحول إلى شيء آخر؟ وهل يبقى لنا من الحب الحقيقي إلا صور نتأملها، وأبيات نرددها، وألوان تتحدث إلينا عبر الزمن، ونحن ندور حول مركز لا نبلغه أبدا؟!!!

***

د احمد عابر

 

في المثقف اليوم