أقلام ثقافية
محسن الأكرمين: لن أتناسى الماضي عند غروب الشمس
أيتها الشمس أُغربي عن وجهي وسنرى ماذا قد يحمله الغد من متغيرات؟ أُغربي بالأمر الإجباري من اليوم إلى الغد القريب، فالأيام قد تبيت مجرد تفكير صامت، غير قادرة على مجابهة طغيان النسيان. أُغربي يا شمس الأصيل حتى نفهم أن هذا الغد المستنير، هل سيحمل شمسا مُشرقة أم رذاذ مطر غيمة تائهة تمطر رعدا؟
من صبح هذا اليوم الشارق بشدة حمرة السماء، قررت أن أبحث عن منطقة الغروب، وذلك بكل غرابة وغباء وخارج طاقة ما نتصور، وهذا بطبع الحال ما يرفضه الواقع. قررت ألاّ أحكي عن جمالية شمس تغيب عنوة ثم تستنير في الزمن الصامت ثانية لتعاود كرة خط زمن النسيان. قررت إبقاء الصمت في منتهى مغيب العين الحمئة من مرقد الشمس، وفزعها من مكابدة اغتيال التاريخ الحزين بالرحمة.
من الغد الغائب بالخفايا لن أفسد إيماني بالقدر والقضاء، بل سأنتصر للسماء دوما، وأتصور أن الشمس على شدة ضخامتها تنغــمر انغماسا مثل شظايا كرة النار في ماء العين الحمئة. لكن اليوم انتظروني، سأبيت أحكي لكم أن ذا القرنين توقف عند مُنتهى حد العين الحمئة، واكتفى برؤية الشمس تنغمس في أفول غروبها خلف تلك العين الضيقة سقوطا عن نظرة الناظر، والمنتظر عما يحدث يوم غد بالبشرية العاصية التي أفزعت أمانة السماء بحروبها.
ثقة مصطنعة أخاف من هوامشها القصية بالتلف والفتنة، لكن يبقى المعنى الجديد للحياة عالق بذاكرتي ويفزعني، ويوقظني في بُكرة صبح ندي للبحث عن ذاك الغد الذي سأنساه عند غروب شمس يومه. سأظل أنظر إلى متسع سماء ولكل بدايات الغسق النابض، فمن السماء أنتصر وأفرح وأملأ خواء ذاتي بالكرامة والعدل والحق والإيمان بالقدر خيره وشره.
في لحظات مهيبة، قد تنام نفسي متسكعة في الروحانيات، وفي انتظار شروق فجر صبح آخر، لحظتها قررت في هذا اليوم الموعود والذي بالطبع حتى هو سيداوم على تكرار سنن نسيان المسكوت عنه بالخروج من تفكير الصندوق والإيمان برتب التغيير. قررت علانية أن أصف لكم شمسي وهي تحمل ياء النسب المشددة، والناهضة من العين الحمئة بالانتشاء، أن أحكي لكم أن شمس لن ولا تغوص في غفوة نومها بالغطس في الماء البارد، ولم تكن يوما في كبد السماء مريضة بحمى ارتعاد البرد، ولن تنتظر لقاحات التطعيم. قررت أن أحكــــــــــــي لكم يا سادتي عن حلم الحياة بين مطر الغيمة النافض للحياة، وشمس الصفرة المائلة بتعب الحياة.
بعد يوم الغد الممكن بقدرة واجب الوجود، تعلمت من الشمس ألاَّ أمارس الدوران في حياة البحث عن مستوى الظل الباهت والمريح. تعلمت الثبات في موضعي منتصب القامة، وألا أرتج لزلازل الأرض السفلية. قررت البقاء وفيا لنقط انطلاقة البسمة وحلم المستقبل، حتى لا أسقط في فخ المفاجآت غير المريحة، فالسماء الفاتنة تبيت تنزع عنها زرقة يومها وتفتح تلك الأبواب لرياح غامضة قد لا تبدو لا شرقية ولا غربية.
تعلمت من الغيمة أنها تتمسك بالاحتفاظ بحرارة النشأة الأولى، وأنها حين تتقوى بالقدرة تصبح لا تحترم قوة الشمس الضخمة الحارقة، ومرات متكررة داومت الغيمة الوضيعة على أن تمارسها سلطة ثورة دموعها، وتحجب خيوط نور الشمس عن الأرض عنوة.
تعلمت من تحول الغيمة الممطرة تشبيها لتــــــــــــك العيون التي كانت تبكي على صدري مطرا حارقا، وكانت ترى أن الماضي ينير الحياة من الخلف، والمستقبل لن يستقبلنا بالأحضان. تعلمت من أشعة الظل المتموج بالتقطيع، أن المستقبل لا يفتح بابه بالتسرع وعلى مصراعيه للكل بالتعميم والتبخيس، وأن ظلي الشامخ لا يتعب ولا ينحني أبدا، ومرات عديدة لا يساويني قياما في تصورات المساحة بين الذات والآخر، ولا حتى طولا في تفكير الواقع. عندها ترسخت بذاكرتي أن الركض ما هو إلا محاولات يائسة لإشعال نجمة تستمد نورها من الشمس في السماء الغائمة، لكن حلمي لا يستكين بالهدوء، بل يمد قلبه ليمسك الأمل حتى في الغد القادم بقدرة واجب الوجود.
كم أنت أيتها الشمس المفزعة بالانفجار الكوني بئيسة القوة!!! حين لا أراك مشاهدة وبدون ارتداد طرف العينين. وحين لا لا تسقطين غضبك بالاستبداد على الأرض الطيعة. كم أنت ضعيفة لمرات عديدة ومتكررة حين تحول بيننا غيمة منخفضة ضعيفة التكاثف، تبكي ماء على الأرض للإنبات. كم أنت أيتها الأرض الراضية المرضية تتحملين قسوة شمس الصحراء، وبلا مناجاة للسماء ولا اعتراض، ولا تمارسين دعاء الاستمطار الصناعي. كم أنت أيتها الأرض البريئة من الحروب والقتل، قد تعلمنا منك دفن الحياة من غراب قابيل وهابيل.
كم أنت أيتها الأرض الآمنة، قد كنت عطوفة، حين سكن مروجك آدم وحواء بعد الخطيئة الكبــــــــــرى. كم كانت غيمة السماء مورقة أرضا بالاخضرار، ومتعسفة بحجب نجم الشمس كرها. كم أنت أيتها الأرض تحبين التسامح والتوافق وتنظرين للشمس أنها هي من أنشأ الغيمة الممطرة بالرذاذ الضعيف، وتتجاوزين ممارستها للجفاف حين تصوب أشعتها نحوك بالموت، وحين "تبكي الشجرات، ويبكي النرجس في الساحات".
أيتها الشمس أُغربـــــــي عن وجهي، ونرى ماذا قد يحمله الغد فهو مجرد زمن صامت بالتدفق؟ فمن حرارتك تُقرع أجراس "النهر المنسي في الأحلام". منك علّمتنا النملة درس الصبر، وتكرار محاولات التصويب والتعديل، وربح نجاحات الحروب والسلم. منك تعلمنا أن الغيمة تمر لزاما بقرب بلادي ومدينتي، وممكن أن تترك لنا دمعات بُخاخ مطر رقيق من البكاء. تعلمنا منك أن البذرة حين تموت في تراب الدفن، ثم تنبت نبتة شجرة برية لا شرقية ولا غربية، لكنها تسر الناظر وردا، ودما عند القطف الفوضوي.
***
محسن الأكرمين







