أقلام ثقافية
عماد خالد رحمة: المستحيلات النحوية
حدود الإمكان في نظام العربية بين البصريين والكوفيين
ليست العربية نسقاً من العلامات الاعتباطية، بل نظامٌ محكومٌ بقوانين دقيقة تُقيم توازناً بين البنية والدلالة، بحيث لا يُسمح فيه بخرق الحدود بين الأبواب إلا على سبيل المجاز أو التأويل. ومن هنا نشأت فكرة “المستحيلات النحوية”؛ أي تلك التراكيب التي يمتنع وقوعها لا لندرتها، بل لمخالفتها جوهر النظام اللغوي، وانتهاكها لتوزيع الوظائف بين الاسم والفعل والحرف. وقد وقف النحاة وفي مقدّمتهم البصريون والكوفيون عند هذه الحدود، يؤصّلونها، ويُدلّلون على عللها، ويجعلون منها معياراً لسلامة اللسان.
أولاً: استحالة تداخل الخصائص بين الأبواب
يقوم التقسيم النحوي العربي على ثلاثية: الاسم، الفعل، الحرف، ولكلٍّ منها خصائصه التي تميّزه:
فالجرّ من خصائص الاسم.
والجزم من خصائص الفعل.
والبناء من خصائص الحرف (في الأغلب).
ومن ثمّ، فإن “الاسم المجزم” أو “الفعل المجرور” من قبيل المستحيل النحوي، لأنهما يخلطان بين نظامين مختلفين. وقد أكّد نحاة البصرة، وفي طليعتهم سيبويه أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر، أن العلامة الإعرابية ليست زينة شكلية، بل أثرٌ دلاليّ مرتبط بوظيفة الكلمة في الجملة. فلا يُتصوَّر أن يُجزم الاسم، لأن الجزم يدلّ على معنى الفعل من تعليقٍ بشرطٍ أو طلبٍ أو نهي، كما في: لم يذهبْ.
أما الكوفيون، وإن كانوا أكثر تساهلاً في بعض القياسات، فإنهم لم يخرجوا عن هذا الأصل، بل أجازوا بعض التوسّعات التأويلية دون أن يقرّوا بكسر هذا الحدّ البنيوي.
ثانياً: الحرف بين البناء والاستعصاء على الإعراب
يُعدّ إعراب الحرف من المستحيلات عند جمهور النحاة، لأن الحرف موضوعٌ للدلالة على معنى في غيره، لا في ذاته، ولذلك كان مبنياً. وقد ذهب البصريون إلى أن البناء سمةٌ لازمة للحروف، بينما لمح بعض الكوفيين إلى إمكان النظر في بعض الأدوات التي قاربت الأسماء أو الأفعال في الاستعمال، غير أن ذلك لم يرقَ إلى إقرار الإعراب لها.
فالقول بـ”حرفٍ معرب” يُفضي إلى خلخلة النظام، إذ يُفقد الحرف وظيفته الوسيطة، ويُدخله في حقل الدلالة الذاتية التي هي من خصائص الاسم.
ثالثاً: استحالة اجتماع التنوين مع الإضافة أو التعريف
التنوين في العربية علامة تنكير، بينما الإضافة والتعريف بـ”أل” علامتان على التعيين. ومن هنا، فإن اجتماع التنوين مع الإضافة أو مع “أل” يُعدّ من المستحيلات، لأنه جمعٌ بين النقيضين:
فلا يُقال: كتابٌ الطالبِ، بل: كتابُ الطالبِ.
ولا يُقال: الكتابٌ، لأن “أل” تُغني عن التنوين.
وقد شدّد البصريون على هذا التعارض بوصفه تعارضاً دلالياً قبل أن يكون شكلياً، إذ لا يُعقل أن يكون الاسم نكرةً ومعرفةً في آنٍ واحد. أما الكوفيون، فلم يخالفوا هذا الأصل، وإن أبدوا مرونةً في بعض الشواهد الشعرية التي تُحمل على الضرورة.
رابعاً: في نون المثنى والجمع واستحالة الإضافة
من القواعد الراسخة أن نون المثنى ونون جمع المذكر السالم عِوَضٌ عن التنوين، فإذا دخلت الإضافة سقطت النون، لأن الإضافة تُغني عنها. ومن ثمّ، فإن القول: المسلمون المدينة خطأ، والصواب: مسلمو المدينة.
وقد علّل البصريون ذلك بأن اجتماع النون مع الإضافة يُفضي إلى ازدواج في العلامة، وهو ما يناقض مبدأ الاقتصاد اللغوي. أما الكوفيون، فوافقوا في الحكم، وإن كانوا يميلون إلى تتبّع الشواذّ في الشعر لتفسيرها لا لتقعيدها.
خامساً: في استحالة الإسناد إلى غير الأسماء
الإسناد وهو إقامة علاقة بين مسندٍ ومسندٍ إليه، لا يكون إلا إلى الأسماء، لأنها وحدها التي تصلح لتحمّل الحكم. فلا يُسند إلى فعلٍ أو حرف، لأنهما لا يدلاّن على ذاتٍ مستقلة. ومن ثمّ، فإن السؤال لا يتوجّه إلا إلى الاسم: من جاء؟، ماذا حدث؟.
وقد قرّر فقهاء اللغة أن الاسم هو “محور الإسناد”، لأنه يدلّ على ذاتٍ قابلة للوصف، بينما الفعل يدلّ على حدثٍ مرتبط بزمن، والحرف يدلّ على علاقة. وهذا التمييز هو ما يحفظ تماسك الجملة العربية.
سادساً: في الخطأ الشائع وتصحيحه
من مظاهر الإخلال بهذه القواعد قول بعضهم: السلامٌ عليكم، وهو خطأ، لأن “السلام” هنا إمّا أن يكون:
معرفةً بـ”أل”: السلامُ عليكم (بدون تنوين)،
أو نكرةً: سلامٌ عليكم (بدون “أل”).
ولا يجوز الجمع بين “أل” والتنوين، لما فيه من تناقضٍ دلالي.
خاتمة: النحو بوصفه منطقاً للغة
إن ما يُسمّى بالمستحيلات النحوية ليس تضييقاً على الاستعمال، بل هو تعبير عن منطق داخلي يحكم اللغة، ويمنعها من الانفلات إلى الفوضى. وقد أدرك البصريون هذا المنطق فشدّدوا في القياس، بينما تعامل الكوفيون معه بمرونةٍ تفسيرية، دون أن يهدموا أصوله.
وهكذا، يظلّ النحو العربي علماً يوازن بين الحرية والانضباط، ويُعلّمنا أن اللغة كالفكر لا تستقيم إلا حين تعرف حدودها، وتُحسن إدارة إمكاناتها دون أن تنقض أسسها.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين







