عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

حسن لمين: الفيلم التلفزي "مامات" حكاية امرأة هزمت الأمية والعطش

تمهيد: يأتي الفيلم التلفزي “مامات”، الذي بثته القناة الثانية 2M، في شهر رمضان ضمن سياق درامي مغربي يسعى إلى ملامسة القضايا الاجتماعية العميقة بلغة بسيطة ومؤثرة. هذا العمل، الذي أخرجه محمد علي المجبود وسيناريو وحوار بشرى مالك، لا يكتفي بسرد حكاية شخصية، بل يتحول إلى مرآة تعكس واقع الهامش المغربي، حيث تتقاطع الهشاشة مع الإرادة، ويتجاور الحرمان مع الحلم.

1- الحكاية: من الهامش إلى مركز الفعل

يروي الفيلم قصة “مامات”، امرأة في السبعين من عمرها تعيش في دوار مهمّش يعاني من العطش وغياب أبسط شروط العيش الكريم. ورغم ثقل السن وقسوة الظروف، تقرر هذه المرأة أن تعود إلى مقاعد الدراسة لمحاربة أميتها. غير أن هذا القرار البسيط يتحول تدريجيًا إلى فعل مقاومة، وإلى مشروع جماعي للدفاع عن حق القرية في الماء والتعليم.

إن الحكاية، في ظاهرها، فردية؛ لكنها في عمقها جماعية، إذ تختزل معاناة فئة واسعة من النساء القرويات اللواتي تم تهميشهن تاريخيًا. وهنا ينجح الفيلم في الانتقال من الخاص إلى العام، ومن الشخصي إلى الرمزي.

2- البعد الاجتماعي: سؤال الكرامة

يطرح الفيلم قضيتين محوريتين: الأمية والعطش، وهما ليسا مجرد موضوعين عابرين، بل هما دلالتان على اختلالات بنيوية في المجتمع. فالأمية هنا ليست فقط غياب القدرة على القراءة، بل هي شكل من أشكال الإقصاء الاجتماعي، بينما يمثل العطش صورة مكثفة لمعاناة التهميش المجالي.

وتتحول “مامات” إلى صوت احتجاجي هادئ، لا يعتمد على الصراخ، بل على الفعل. إنها تجسد ما يمكن تسميته بـ”بطولة يومية”، حيث يصبح التعلم فعلًا تحرريًا، وتتحول المعرفة إلى أداة تغيير.

3- البناء الدرامي: بساطة مشحونة بالدلالة

يعتمد الفيلم على بناء درامي بسيط، يخلو من التعقيد، لكنه مشحون بالدلالات. فالشخصية الرئيسية تُرسم بملامح واقعية: امرأة عادية، بلا نفوذ ولا سلطة، لكنها تمتلك إرادة استثنائية.

هذه البساطة ليست ضعفًا، بل هي اختيار جمالي ينسجم مع طبيعة الموضوع. فالفيلم لا يسعى إلى الإبهار البصري، بل إلى التأثير الوجداني، وهو ما ينسجم مع تقاليد الدراما الاجتماعية المغربية التي تراهن على القرب من المتلقي.

4- أداء الممثلين: صدق التعبير

عرف الفيلم مشاركة نخبة من الممثلين المغاربة، من بينهم راوية، منال الصديقي، وزينب الإسماعيلي، الذين قدموا أداءً يتسم بالواقعية والصدق.

وقد ساهم هذا الأداء في جعل الشخصيات قريبة من المتلقي، بحيث يشعر المشاهد أنه أمام وجوه مألوفة من الحياة اليومية، لا أمام شخصيات مصطنعة.

5- الرؤية الفنية: حين يصبح الأمل ممكناً

من أبرز ما يميز الفيلم هو رسالته الإنسانية العميقة: “التعلم لا عمر له”. فـ”مامات” لا تمثل فقط امرأة تقاوم الأمية، بل تجسد فكرة أن التغيير ممكن مهما كانت الظروف.

كما أن الفيلم يطرح سؤالًا ضمنيًا حول دور الفرد في إحداث التحول داخل المجتمع، مؤكدًا أن المبادرات الصغيرة قد تكون بداية لتحولات كبرى.

6- ضمن سياق الإنتاج التلفزي المغربي

يندرج “مامات” ضمن توجه القناة الثانية 2M نحو تعزيز الإنتاج الوطني، خاصة خلال المناسبات الكبرى مثل شهر رمضان، حيث تراهن القناة على أعمال درامية تعكس الواقع المغربي وتلامس قضاياه الاجتماعية.

وهذا يعكس رغبة واضحة في جعل التلفزيون فضاءً للنقاش المجتمعي، وليس مجرد وسيلة للترفيه.

خاتمة

يمكن القول إن فيلم “مامات” ليس مجرد عمل تلفزيوني عابر، بل هو نص بصري يحمل رؤية إنسانية عميقة، ويطرح أسئلة جوهرية حول الكرامة، والحق في التعلم، والعدالة المجالية. إنه فيلم يشتغل على الهامش ليعيده إلى مركز الاهتمام، ويمنح صوتًا لمن لا صوت لهم.

وبهذا المعنى، ينجح “مامات” في أن يكون أكثر من قصة؛ إنه شهادة فنية على قدرة الإنسان، مهما كان بسيطًا، على أن يصنع الفرق.

***

حسن لمين