أقلام ثقافية
سُوف عبيد: خيول أمل دنقل
هل قدر على الشاعر العربي المعاصر أن تكون فاجعة موته هي القصيدة الأخيرة التي تضمن له حق التواجد على الساحة الأدبية العربية؟
و الواقع الذي علينا أن ننتبه إليه انه ما عاد يكفي في هذا العصر أن يكتب الشاعر شعرا جيدا ليثبت على الساحة بل ذلك شرط أساسي ولكنه ليس كافيا وحده بالمرة ... فقد تداخلت الآن العملية الإبداعية بمسألة النشر والتوزيع والطبع، ومضى عهد الراوية ليحل محله سلطان الترويج.
و الشاعر الراحل أمل دنقل من الشعراء الذين حجبهم حاجز المعاصرة عنا، فهو من الشعراء الذين كانوا في الظل لأسباب ليس هذا مجال التعرض إليها.
خيول بيكاسو
لست أدري لماذا تذكرت لوحة غيرنيكا الشهيرة للرسام الاسباني العالمي بيكاسو والتي رسمها بعد الغارة الوحشية على تلك القرية من طرف الطيران الفاشستي في منتصف الثلاثينات. وهذه اللوحة العالمية يظهر فيها من جملة ما يظهر خيول جامحة تصهر غضبا وثورة، ولكنها أيضا تئن من الألم والأوجاع...كذلك هي الخيول في قصيدة امل دنقل ترزح تحت الجبروت الإنساني بعد أن كانت تنعم بالحرية إذ كانت:
تمتلك الشمس والعشب والملكوت الظليل
ظهرها لم يوطأ لكي يركب القادة الفاتحون
و لم يلن الجسد الحر تحت سياط المروّض
و الفم لم يمتثل للجام
و لم يكن الزاد ... بالكاد
لم تكن الساق مشكولة
و الحوافز لم يَكُ يثقلها السنبك المعدني الصقيل
كانت الخيل برّية
تتنفس حرّية
فالخيول في هذه القصيدة رمز للينابيع الأولى للحياة البدائية الأولى، الخالية من الاستغلال والتجبر والسوط والبعيدة عن الهموم والتعب اليومي، والرافضة للقوانين وللأوامر المتمثلة في الساق المشكولة وفي الفم الملجوم ، والمتخلصة كذلك من مظاهر الحضارة التي جعلت الفطرة الأولى تنمحي تمام من حياتنا. وما رمز السنبك الصقيل إلا دلالة على كل ذلك.
2
إضافات جديدة
صورة الجواد الجريح في المعركة معروفة في الشعر الحماسي. ولعل الأسماء المتعددة للخيل في القاموس العربي تدل على معاني موحية في تلك الأسماء . فالحصان مثلا ما كان من الخيل قويا حصينا يمنح راكبه المناعة والنجاة في المعارك والأخطار ،أما الجواد فالواحد من الخيل المحفوظ النسب الجيد الأصل، والفرس هو الذي يتصف بالذكاء والفطنة والفراسة.
فما الذي أضافه دنقل إلى معاني الخيل في الشعر العربي؟
- هو يجعل من الخيل ضحية حروب الإنسان ، إذ القصيدة تقول:
الفتوحات في الأرض مكتوبة بدماء الخيول .
- يجعل من الراكبين المائلين رمزا للعذل الغائب في الأرض . يقول:
والركابان: ميزان عدل يميل مع السيف حيث يميل.
- يجعلها رمزا للقوة المخيفة الباطشة في يد السلطة. فقد صارت الخيول مجرد أداة طيّعة للزينة وللرعب... رعب الأطفال والناس.
والخيول عند أمل دنقل مسلوبة القدرة على الاغارة والركض، وعاجزة تدب إلى الموت والفناء... اذ يقول:
اركضي كالسلاحف.
نحو زوايا المتاحف
بل تصبح الخيول لعبا للأطفال من الخشب وحلوى مصيرها الى الامتصاص والذوبان وتنحت تماثيل من الحجر في الميادين العامة رمزا للتلاشي والابتعاد عن الأصلي والجوهري.
الخيل والناس
الخيول في قصيدة دنقل خرجت عن كونها مجرد حيوانات أليفة لتكون ذات إحساس واع بالحياة وبصروفها وبالناس، وهي تصبح في مرحلة ثانية كالناس لا يفصل بينها وبينهم الا كاف التشبيه. وتكون الخيول في أخر المطاف الناس تماما تحمل همومها وتحلم احلامهم وتتحمل عذاباتهم كواحد منهم اذ تقول القصيدة:
كانت الخيل في البدء كالناس برية تتراكض عبر السهول
كانت الخيل كالناس في البدء
وهذه الخيول يجعلها امل دنقل تتنفس حرية
مثلما يتنفسها الناس في ذلك الزمن الذهبي النبيل...
ونلاحظ في القصيدة مقابلة بين حالة الخيول في الماضي وحالتها في الحاضر يقول الشاعر:
3
ماذا تبقى لك الآن؟
ماذا؟
سوى عرق يتصبب من تعب يستحيل دنانير من ذهب
في جيوب هواة سلالاتك العربية في حلبات المراهنة الدائرية في نزهة المركبات السياحية المشتهاة
وفي متعة المشتراة
وفي المرأة الأجنبية تعلوك تحت ظلال ابي الهول
هذا الذي كسرت انفه
لعنة الانتظار الطويل
انها الخيول العربية المجروحة بهذا الزمن الصعب، زمن الخيل الأشباح حيث كل شيء يواجه الانسان العربي بالتحدي ويهدده بالانسحاق. وكان امل دنقل من الذين وضعوا أصابعهم على الجرح بألم، فكانت قصيدة " الخيول " قصيدة التجريح الذاتي للأنا الجماعية التي فقدت كالخيول براريها وسهولها وحريتها.
***
سُوف عبيد ـ تونس ـ 1984







