عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

عبد الكريم رحموني: رَحَلَتْ عَنَا الْأُمُّ الْحَنُونُة فَتَرَكَتْ الْقَلْبُ فَارِغًا

كانت تُجْلِسُ عَلَى الْأَرِيكَةِ، تَمُدُّ قَدَمَاهَا إِلَى الْوِسَادَةِ بَعْد اِنْتِفَاخٍ، مِن كَثْرَةِ تَنَاوُلِ الدَّوَاءِ وَفَرْطِهِ فِيهِ تَوَرَّمَتْ الْأَرْجُلُ وَزَادُ اِنْتِفَاخِهَا، دَوَاءَ اِرْتِفَاعِ ضَغْطِ الدَّمِ حَاضِرٌ كُلّ يَوْمٍ وَدَوَاءِ شَرَايِينِ الْقَلْبِ يُلَازِمُهُ فِي كُلّ حِين و يُصَاحِبُهُمَا دَوَاءُ الْحَسَّاسِيَّةِ الْمُفْرِطَةِ، وإذا مَا اِشْتَدَّتْ الرِّيَاحُ وَالزَّمْهَريرُ أَيَّامَ الشِّتَاءِ تُبَاتُ الْمِسْكِينَةُ يَقِظَةٌ، كَثِيرَةَ السُّعَالِ، بَل تُوقِظُ كُلّ أهْلِ الْبَيْتِ لِيَطِيرُوا بِهَا عَلَى جَنَاحِ السُّرْعَةِ لِلْعِيَادَةَ لِتَبْقَى هُنَاك تَتَلَقَّى الْعِلَاَجُ، وقَد لَا يُسَكِّنُ السُّعَالُ إِلَّا بَعْد أَخَذ وَرْدٍ .

فِي دَوَاءهَا مَضْبُوطَةٌ وعَلَى مَوَاعِدِهِ حَرِيصَةً، ذَاكِرَتَهَا قُوِّيَّةٌ فِي مَوَاقِيتِ الدَّوَاءِ، تَحْتَرِمُ وَصْفَةُ الطَّبِيبِ أَيَّمَا اِحْتِرَامٌ ولَا تَخَالُفِ تعَاليمِهَا ولَا تُغَادِرُ الْمَشْفَى إِلَّا إِذَا أُذْنِ الطَّبِيبِ بذَلِك، كَثِيرَةَ التَّرَدُّدِ عَلَى الْأَطْبَاءِ فِي الْعَفَرُونَ ثُمَّ موزاية وَيَزْدَادُ تَرَدُّدُهَا لِمَصْلَحَةَ الْاِسْتِعْجَالَاتِ كَثِيرًا، أَعَيَّتْ الطَّبِيبُ، وَأَتْعَبَتْ الدَّوَاءُ كَمَا الدَّوَاءَ أَتَعَبَهَا وَزَادَهَا السَّقِمَ و الضِّعْفُ وَالْألَمُ .

الْحَاجَةُ نَحِيفَةُ الْجِسْمِ، ضَعِيفَةَ الْبِنْيَةِ، أَعَشَتْ النَّظَرُ، تَضَعُ نَظَّارَةُ سَمِيكَةُ الزَّجَّاجِ بُغْيَةَ التَّمْييزِ وَالنَّظَرِ، تَمْشِي الْهُوَيْنَى، مُتَثَاقِلَةَ الْخَطْوَاتِ، تَدِبُّ فِي الْمَشْي كَطِفْلِ صَغِيرِ يُكَادُ يَتَعَلَّمُ خَطْوَاتُ الْمَشْي، لَكِنّ رَغْمِ هَذَا تَسْتَيْقِظُ بَاكِرًا لِلصَّلَاَةَ الْفَجْرَ، وَتَجْلِسُ لِلذِّكْرُ، لَا تَفَارُقِ السُّبْحَةِ أنَامِلَهَا الرَّقيقَةَ، تَعُدْ فَطُورُ الصَّبَاحِ بكُلّ حَيَوِيَّةٍ وَنَشَاطٍ، مِن بَعيدِ تَشُمُّ رَائِحَةَ قَهْوَتِهَا الزَّكِيَّةِ، تَنْتَظِرُنِي أَلُجَّ الْبَابِ بَعْد صَلَاَةِ الْفَجْرِ مِن أَجَل تقبيل يَدَهَا الْيُمْنَى وتقبيل رَأَّسَهَا كذَلِك، نُجْلِسُ لِطَاوِلَةِ نَتَنَاوَلُ الْفَطُورَ مَع اِبْنِهَا الْمُغْتَرِبَ، نَتَجَاذَبُ أَطْرَافَ حَديثِ شَيِّقِ، تُبَادِرُ الْحَاجَةُ بِالْقَوْلِيَا بُنِّي تَرَبَّيْتُ يَتِيمَةً فِي ظُروفِ قَاسِيَةِ، فِي الْبَادِيَةِ كَان سَكَنِنَا و مِن الْبَارِدَةِ شَرِبْنَا مَاءَ عَذَّبَا غَيْرُ أُسٍّ .

رَحَلَتْ عَنَا بربار بَرَكَاهُمْ الْأُمَّ الْحَنُونَ، الْمَرْأَةَ الْوَقُورِ، تَرَكَتْ الْمَكَانَ مُوحِشًا وَالْقَلْبَ مُوحِشًا كذَلِك فَالْأَمَاكِنَ كُلّهَا مُشْتَاقَةُ إِلَيْك عَلَى حَدِّ تَعْبِيرِ نَجْمِ الْعَرَبِ مُحَمَّدَ عَبْدِهِ، فَالْقَلُوبَ مُشْتَاقَةٌ إِلَيْكَ يَا أَيَّتِهَا الْمَرْأَةَ الصَّبُورِ، حَتَّى جُلُوسِكَ عَلَى الْأَرِيكَةِ فِي بَيْتِ الضُّيُوفِ يَشْتَاقُ لَك، وَدَرَجَكَ فِي الْحَديقَةِ بِخُطَى قَصِيرَةِ مِثْل طِفْلِ صَغِيرِ يَتَعَلَّمُ الدَّرَجَ يَشْتَاقُ لَك، وَمَشْيَتَكَ مَشْيَةَ مُتَثَاقِلَةَ فِي أَرْجَاءِ الْمَطْبَخِ تَتَفَقَّدِينَ الْأَغْرَاضَ تَشْتَاقُ كذَلِك، مُنْذ رَحَلَتْ بَقِيَّةُ الْأوَانِيِّ فِي الْمَطْبَخِ مُكَدِّسَةً، الْأَبْوَابَ مُوصِدَةً وَالنَّوَافِذَ مُغْلَقَةً وَالْكُؤُوسَ مُعَلِّقَةَ فَارِغَةَ، وَإِبْرِيقَ الشَّاي مِن النَّحَّاسِ الْأحْمَرِ يَحُنُّ إِلَى جُلُوسِكَ بَيْن يَدِيِّكَ يُقَدِّمُ لَك كَوِبَا طَافٍ فَوْقهُ الزبٌد، وَأَفْرَادَ الْعَائِلَةِ الْكَبِيرَةِ يَحُفُّونَكَ مِن حَوْل الْأَرِيكَةِ يَتَقَاسَمُونَ مَعكَ أَكْوَابَ الشَّاي الْمُعَدَّةِ لِلسَّمَرَ وَتَجَاذُبَ أَطْرَافِ الْحَديثِ .

لَا زَلَّتْ أَتَذْكُرُ جُلُوسُكَ فِي الْحَديقَةِ عَلَى كَرَّسَ الْبَحْرُ، تَرْمُقِينِي بِنَظَرَتِكَ الطَّيِّبَةِ وَشَخْصِي يُعِدُّ الشَّاي لِأَفْرَادَ الْعَائِلَةِ الْكَبِيرَةِ، كَنَّتْ يَا أُمِّنَا الْحَنُونِ تَشْتَاقِي لِلَمَّةٍ وَالْجَمَاعَةِ وتِلْك الرَّابِطَةِ الْجَامِعَةِ بَيْن الْأَفْرَادِ، وَتُحِبِّينَ الضَّيْفَ إذا وَلُجَّ الْبَابِ، حَلٌّ بِالْبَيْتِ تُسْرِعِينَ رَغْمَ تَثَاقُلِ الْخَطْوَاتِ لِإِعْدَادَ الْقَهْوَةِ وَتَقَدُّمَيْنِ الْأَوَامِرَ لِلْغَيْرَ بَغِيَّةُ إكْرَامِ الضَّيْفِ ولَا تَطَيُّبٍ لَك نَفْسًا حَتَّى يُسْعِدُ الضَّيْفُ، لِلَهَّ دَرَكُ يَا بربار الْمَرْأَةَ الْوَقُورِ، رَحَلَتْ وَتَرَكَتْ الْأَمَاكِنُ فَارِغَةً وَالْقَلُوبَ فَارِغَةٌ كذَلِك.

***

رحموني عبد الكريم - كاتب وقاص من الجزائر.