عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

حمزة مولخنيف: الهوية والسرد

في فلسفة الذات عند بول ريكور بين الثبات والتحول

لم ينشغل الفكر الفلسفي منذ مهده السقراطي الأول بسؤال أكثر امتناعاً على الفهم ولا أشد مقاومة للإمساك من سؤال الذات عن نفسها، وإذا كان دلفي قد حفر في صدر المعبد اليوناني القديم وصيته الشهيرة: "اعرف نفسك بنفسك"، فإن هذه المعرفة ما انفكت تتجلى على امتداد تاريخ الفلسفة بوصفها أفقاً تراجعياً بقدر ما هي مهمة وجودية راهنة. بيد أن هذه الذات التي شاءت الفلسفة أن تؤسسها أساساً متيناً للمعرفة والأخلاق والحرية لم تلبث أن أفلتت من قبضة الثبات الجوهري الذي أُلبسته إياه وانكشفت تحت ضغط التأمل التاريخي والزماني، كياناً مشطوراً بين ما كان وما يصير بين ما يثبت وما يتحول وبين وحدة تطلبها وتعددية تقيم فيها. وفي هذا المفترق بالتحديد حيث يبلغ التوتر بين الثبات والتحول غايته الأنطولوجية، تنتصب فلسفة بول ريكور بوصفها واحداً من أكثر المشاريع الفلسفية المعاصرة جذرية وإثماراً إذا هي تسعى إلى اجتراح طريق ثالث يتجاوز التقابل التقليدي بين ميتافيزيقا الجوهر الثابت وعدمية التفكك الانحلالي.

وليس بخاف على القاريء الكريم أن السياق الفلسفي الذي يتحرك فيه ريكور هو سياق الأزمة المزدوجة للذات، أزمة الذات الديكارتية المؤسسة على حدس الكوجيتو الشفاف لنفسه وأزمة الذات التفكيكية التي أعلنت موت الإنسان وشتات الكينونة في شظايا الخطابات. في مواجهة هذين القطبين، لم يعد ريكور مثله مثل كثير من فلاسفة القارية في النصف الثاني من القرن العشرين، إلى نوستالجيا الأصل الضائع بل راح يبحث بصبر تأويلي هائل عن الوساطات الرمزية والسردية التي تصنع الذات ولا تعثر عليها جاهزة. إن راهنية ريكور لا تكمن في أنه ساهم في تفكيك ماهية الذات بل في أنه نحت مفهوماً جديداً للهوية هو "الهوية السردية" التي يلتقي فيها الثبات والتحول في جدل حي لا ينكر الزمن ولا يستسلم لعبثيته.

ما الذي يعنيه أن تكون للذات هوية مع أن كل شيء فيها يتبدل؟ كيف يمكن الحديث عن ثبات الأنا والزمن ينخر في كل جوهر ويدفع بالكينونة إلى مصير لم تختره؟ تلك هي الأسئلة التي تفتح أفق هذا المقال والتي يخوض ريكور في الإجابة عنها من خلال تقاطع الفلسفة مع نظرية الأدب ومن خلال استثمار مفاهيم الحبكة والمحاكاة والزمانية السردية. إن رهانه الكبير يتمثل في أن السرد ليس مجرد قالب جمالي يصب فيه الإنسان خبرته بل هو الشرط الأنطولوجي الذي تصير به الحياة قابلة للفهم والذات قادرة على أن تقول: "ها أنذا"، في اللحظة عينها التي تسلم فيها بأنها ليست سيدة نفسها بالكامل وأن الآخر يقطن صميم ما تظنه خاصا وحميمياً. وحينها يصير السرد مختبراً للهوية ومجالاً لصراع بين إرادة الثبات وإكراه التحول وبين الذاكرة والنسيان وبين العزلة المونولوجية والاعتراف المتبادل.

هذا المقال إذن، يحاول أن ينخرط في تفكيك هذا التوتر الخصب بين هوية المثول وهوية الذاتية، كما صاغهما ريكور ويتتبع الطريق الطويل الذي تقطعه الذات كي تصبح "نفسها"، عبر متاهات الزمان والسرد والغيرية وصولاً إلى إضاءة البعد الأخلاقي والسياسي لهذه الهوية التي لا تكف عن أن تُروى.

ينهض سؤال الهوية شاخصاً أمام مرآة الذات فلا تكاد تثبت الصورة على حال حتى تتبدل وكأن النفس في جريانها الدائم تسائل نفسها من أنا بعد أن كنت؟ أأنا ذاك الذي كان بالأمس أم أني آخر غيره؟ هذا التوتر القائم بين ثبات الجوهر وتحول الأعراض ليس وليد لحظة فلسفية عابرة بل هو نبض الفلسفة منذ أن نطقت بالعقل الإنساني. يصدح هيراقليطس بعبارته الخالدة: "إنك لا تنزل النهر الواحد مرتين لأن مياها جديدة تجري عليك"، فيما يأتي أفلاطون ليبحث عن المثال الثابت خلف محاريب المتغيرات. غير أن الفلسفة المعاصرة وبالتحديد في فكر بول ريكور لم تقف عند هذا التضاد التقليدي بل غاصت في أعماق السرد لترى الذات قصة تروى وهوية تتشكل في الزمن لا كياناً جامداً ولا سيلاً منثوراً بلا ضفاف.

إن مشروع ريكور الفلسفي وعلى امتداد مؤلفاته الكبرى من "تاريخية الفلسفة" إلى "الزمان والسرد" و"الذات عينها كآخر"، يقوم على نقض مركزي للذات الديكارتية المؤسسة على الكوجيتو المباشر. لقد ظن ديكارت أن الذات تدرك نفسها بنفسها في لحظة تأمل خالص فتتحول إلى "أنا أفكر" فتصبح الأساس المتين الذي لا يتزعزع. إلا أن هذا الضرب من الشفافية الذاتية سرعان ما ينكسر أمام معرفة النفس الفعلية إذ نجد أنفسنا دوماً في حاجة إلى وسائط وعلامات ورموز وقصص لنفهم من نحن. يقول ريكور في هذا الصدد: "ليس هناك فهم للذات إلا عبر الطريق الطويل لتأويل العلامات". إن الذات لا تُعطى لذاتها حدساً بل هي سعي دائم وفعل تأويلي مستمر يحتاج إلى مختبر الزمن ومختبر الآخر ومختبر النص.

ولعل أهم ما قدمه ريكور في هذا السبيل هو تمييزه الصارم بين مفهومين للهوية طالما تداخلا في الفكر الفلسفي، هوية المثول (idem) وهوية الذاتية (ipse) هوية المثول تحيل على المشابهة والتطابق والثبات العددي، إنها الهوية التي نقصدها حين نقول إن هذا الشخص هو ذاك الذي رأيناه البارحة وهي هوية تقوم على الجوهر أو البنية الثابتة كالتي نجدها في الطبيعة الفيزيائية للأشياء. أما هوية الذاتية فليست هوية الكيان الذي يبقى على حاله بل هي هوية الوعد والالتزام والوفاء، هوية من يقول "ها أنذا" رغم كل التبدلات والتحولات، هوية من يحافظ على كلمته ويصدق في عهده حتى لو تغيرت ملامحه وتبدلت أحواله. يبرز هنا سؤال الهوية الإنسانية بوصفه توتراً بين هذين القطبين كيف للذات أن تظل نفسها وهي دائمة التحول؟ كيف للثبات أن يتصالح مع التحول؟.

يكون الزمن هو المفتاح الإشكالي الأكبر حيث أن الذات ليست ماهية مجردة خارج التاريخ بل هي كينونة زمنية جذرياً أو على حد تعبير هيدغر "كائن-في-العالم" زمانيته هي أفق وجوده. بيد أن ريكور يتجاوز التحليل الهيدغري الذي يُفلسف الزمان من حيث هو همّ شخصي نحو الموت لينخرط في فهم الزمان الإنساني من خلال السرد. فالسرد كما أدرك أرسطو قبل آلاف السنين ليس مجرد تعداد للأحداث بل هو "محاكاة للفعل عبر الحبكة. والحبكة في تعريفها الأرسطي الأصيل هي "تأليف الأحداث" أو "نظام الأفعال"، وهي التي تحول التتابع الزمني الهش إلى كُلّ ذي معنى تجمع الشتات وتشدّ الأطراف في قبضة كلية تمنح الماضي والحاضر والمستقبل ترابطاً عضوياً. إن ما قاله أرسطو في "فن الشعر" حول وحدة الفعل الملحمي والتراجيدي لم يكن مجرد نظرية أدبية بل كان نواة لفهم كيف يبني الإنسان هويته سردياً.

يتنزل عمل ريكور في "الزمان والسرد" كتتويج لهذه الرؤية حيث يقرن بين الزمانية الأوغسطينية ونظرية الحبكة الأرسطية. لقد وقف أوغسطينوس حائراً أمام سر الزمن فتساءل "ما هو الزمن إذن؟ إن لم يسألني أحد فإني أعرف وإذا سألني أحد وحاولت أن أشرح له فإني لا أعرف". هذا التباعد بين الخبرة الحميمة للزمن وبين عجز العقل عن الإمساك به نظرياً هو ما يحاول السرد رأبه. فالزمان يصير زمناً إنسانياً بمقدار ما يُروى ويصير السرد هو الحارس الأمين على هذا الزمن وهو الذي ينقله من صمته الميت إلى نطقه الحي. فالحكاية هي التي تخترع العلاقات بين البداية والوسط والنهاية فتجعل من رحلة الأيام قدراً ومن العشوائية مساراً له معنى. وفي هذا الصدد يؤكد ريكور أن "الزمن لا يصير زمناً بشرياً إلا بقدر ما يُسرد والسرد لا يبلغ دلالته الكاملة إلا بقدر ما يصير شرطاً للوجود الزماني".

وتتأسس نظرية الهوية السردية فبين الثبات التام الذي تدعيه هوية المثول والانحلال المطلق في تضاريس اللحظات تقوم الهوية السردية بوصفها تركيباً حياً بناءً دينامياً يتشكل عبر الحكي. الذات عند ريكور لا تجد نفسها جاهزة بل تصنع نفسها وتعيد صنعها عبر القصص التي ترويها عن نفسها وعبر القصص التي يرويها الآخرون عنها. إن حياة الإنسان في عمقها ليست مجرد وقائع بيولوجية أو سلسلة من الحوادث المتقطعة بل هي قصة تبحث عن حاكٍ وسيرة تتطلع إلى معنى. وعندما تسرد الذات قصتها فهي لا تستعيد الماضي فحسب بل تعيد تشكيله وتأويله في ضوء الحاضر واستشراف المستقبل، وهنا يكمن سر التحول الخلاق الذي لا ينقض الثبات ولا يذوب فيه بل يحاوره ويجدده.

ولعل أعمق تجليات هذه الهوية السردية تتجلى في الظاهرة التي يعتبرها ريكور نموذجاً أصيلاً للهوية الذاتية ألا وهي ظاهرة "الوعد". في الوعد تلتزم الذات أمام آخر بأن تفي بما قطعته على نفسها رغم تحولات الظروف وتقلبات الأحوال وتغير القناعات. هذه الاستمرارية الأخلاقية في حفظ الكلمة ليست استمرارية الخصائص التي تثبت فينا بلا إرادة منا كالطول ولون العينين وبصمة الأصابع، بل هي استمرارية الفعل الحر الذي يشده الإنسان على نفسه بإرادته، إنها صورة الجسر الذي تبنيه الذات بين ماضيها وحاضرها ومستقبلها بإرادتها. يقول ريكور في "الذات عينها كآخر": "الوفاء بالوعد هو بالفعل التطابق الرمزي بين الذات ونفسها لكنه تطابق لا يلغي البعد الزمني بل يحافظ عليه كبعد للغيرية والتجدد". فالوعد هو القول الذي يصنع الهوية من خلال الاحتفاظ بالذات رغم كل ما سواها وهو بذلك المثال الأمثل على أن الثبات ليس ركوداً بل هو الفعل المستمر للبقاء على العهد.

على أن بناء الهوية سردياً لا يتم في عزلة مونولوجية بل في مواجهة الآخر وعبره. فالغيرية عند ريكور ليست مجرد عائق أو حد خارجي للذات بل هي المكون البنيوي للذاتية نفسها. عنوان كتابه الشهير "الذات عينها كآخر" يفصح عن هذا الالتحام العميق، الهوية الذاتية لا توجد إلا من خلال العلاقة التأسيسية مع الآخر، فالأنا لا تدرك نفسها إلا بقدر ما ترى ذاتها في مرآة الغير في حوارية القصة المشتركة. إن القصة التي أرويها عن حياتي متشابكة بالضرورة مع قصص الآخرين، حبكتي متداخلة مع حبكاتهم ونهايتي مرتبطة ببداياتهم وكثيراً ما أكون شخصية ثانوية في قصص غيري قبل أن أكون بطلاً في قصتي. هذه الشبكة من القصص المتقاطعة هي التي يسميها الفيلسوف فينومينولوجيا التبادلية، حيث يتجسد الاعتراف المتبادل في نسيج الحكي المشترك.

وتنفتح الذاكرة والنسيان كقوتين فاعلتين في الاقتصاد السردي للهوية إذ أن الذاكرة ليست مجرد مخزن للصور الماضية بل هي إعادة بناء دائمة وعمل انتقائي يخضع لمنطق الحبكة. نحن لا نتذكر كل شيء بل ننتقي ما يخدم استمرارية القصة واتساقها وربما كان هذا الانتقاء هو الدراما الخفية للهوية؛ إذ بقدر ما نحكي نمحو تفاصيل ونبرز أخرى ونعيد تركيب الأحداث لتصبح رحلة ذات معنى. وهنا أيضاً يأتي النسيان ليس مجرد عجز سلبي بل هو في كثير من الأحيان شرط لإمكانية الهوية السردية إذ لولا القدرة على النسيان الجزئي لغرقت الذات في تفاصيل لا نهائية عاجزة عن استخلاص خيط ناظم لوجودها. ويذكرنا ريكور متأثراً بفرويد، بأن الذاكرة ممتحنة دوماً بآثار الجروح والكبت والإكراه على التذكر أو النسيان مما يجعل الهوية السردية ساحة للصراع لا للسلام الهين.

في هذا الموضع بالتحديد يتضح أن الهوية السردية ليست هوية تامة ولا مكتملة أبداً، إنها هوية قلقة ومنفتحة تنصهر في بوتقة الزمن باستمرار. فكل قصة نرويها عن أنفسنا هي مجرد فرضية قابلة للمراجعة وإعادة الكتابة وكل نهاية هي بداية محتملة لقصة أخرى. إن ما نسميه "الشخصية" في الأدب خير دليل على ذلك، الشخصية الروائية لا تُعطى كاملة من الصفحة الأولى بل تنمو وتتغير وتفاجئنا وتفاجئ نفسها عبر مغامرات السرد وتظل هويتها معلقة بخيط الحبكة إلى آخر كلمة. ويستعير ريكور هذا النموذج الأدبي ليؤكد أن الحياة الواقعية وإن اختلفت عن التخييل من حيث إنها تُعاش قبل أن تُروى غير أنها لا تصبح حياة إنسانية حقاً إلا بقدر ما تُستعاد سردياً وتتحول إلى قوام قابل لأن يُفهم ويُشارك. في هذا المعنى العميق يقول ريكور: "الحياة ليست سوى ظاهرة بيولوجية ما لم تؤوَّل وإن تأويل الحياة لا يبلغ غايته إلا عبر القصص التي نرويها عنها".

ويمضي بنا ريكور في درب طويل متعرج ومثير من "الزمان والسرد" إلى "الذات عينها كآخر" ليعيد ترتيب سؤال الهوية على نحو يجاوز العداء التاريخي بين أنصار الجوهر الثابت وأنصار التشتت العدمي. فالهوية السردية هي الحل الثالث وهي الأفق الذي يلتقي فيه الثبات والتحول في جدل خصب. إنها لا تنكر الثبات إذ تحتاجه كي تكون قصة متماسكة ولا تخشى التحول إذ تقبله كشرط لاستمرار القصة نفسها. الثبات هنا ليس أحادياً بل هو ثبات الأسلوب السردي الذي ينظم التعدد والتحول ليس فوضى بل هو تحول ضمن منطق الحبكة التي تحافظ على وحدتها في قلب الكثرة. وهذا يذكرنا بأن الإنسان في أعماقه كائن حكّاء بطبعه يعيش كي يروي ويروي كي يعيش كما كانت تفعل شهرزاد وهي تصارع الموت بحكاياتها كل ليلة وكما يفعل كل منا حين يستيقظ صباحاً ليكمل حبكته الخاصة ممسكاً بطرف الخيط بين ما كان وما سيكون.

لقد مهّد ريكور بهذا التصور الثوري للهوية السردية السبيل أمام أخلاقيات واعدة تقوم على الاعتراف المتبادل والمسؤولية تجاه الآخر. فإذا كانت الذات قصة فإن لقاءها بالآخرين هو تلاقي القصص وصراع التأويلات وفرصة الإصغاء التي لا تقل أهمية عن الحكي. وفي الصميم من هذا النسق تتأسس إمكانية لحياة مشتركة لا تذوّب الفروق بل تحوكها في نسيج تعددي يحترم خصوصية كل سيرة ويعترف بحق كل ذات في أن تكون مؤلفة قصتها دون أن ينفي عنها مسؤولية التشابك مع حيوات الآخرين. إن ما يلوح في الأفق إذن ليس مجرد تأمل نظري في الهوية بل فلسفة عملية تنبثق من قلب السرد تدعونا إلى إعادة امتلاك ذواتنا عبر إعادة روايتها والى بناء عالم مشترك نتبادل فيه الحكايات لا الرصاص.

ولكن ما الذي يحدث حين تصمت الحكاية؟ حين ينقطع الخيط الذي تشد به الذات أطرافها ويغدو الماضي جزائر متفرقة لا جسور بينها؟ هنا بالتحديد يبرز الوجه الآخر للسرد وجهه المظلم والعميق الذي لا يقل أثراً في تشكيل الهوية عن وجهه المضيء. ذلك أن الذاكرة وهي المادة الخام للحكي ليست مستودعاً أميناً ولا أمينة. إنها قوة فاعلة منتقاة، مزاجية والأدهى من ذلك أنها قابلة للجرح. لكل منا ذكريات لا يجرؤ على الاقتراب منها، مناطق معتمة في خريطة ماضيه يشيح بوجهه عنها كلما هبط الليل وسكنت الأصوات من حوله. ومع ذلك فهذه المناطق المعتمة هي التي تصنع ملامح هويتنا بقدر ما تصنعها الذكريات المستباحة. إن ما نحن فيه الآن تخبطاتنا مخاوفنا التي لا اسم لها، تلك النبرة الحادة المفاجئة في صوتنا حين يُذكر اسم بعينه كل ذلك منحوت بإزميل الجرح القديم الذي طواه النسيان الظاهري ولم يطوه الجسد. فرويد الذي كان يتربص خلف كثير من سطور ريكور علمنا أن ما يُقمع لا يموت بل يعود متخفياً في زلات اللسان والأحلام والأعراض ويطلب الحكي من تحت طاولة الوعي.

يخصص ريكور في تأملاته المتأخرة حول الذاكرة والنسيان صفحات تأخذ بالألباب ليحلل جدلية التذكر والنسيان بوصفها المحرك الخفي للهوية السردية. إننا لا نتذكر كل شيء لأن تذكر كل شيء هو ضرب من الجنون المحض. لنتخيل للحظة إنساناً يتذكر كل ما حدث له بدقة كاميرا تسجل دون توقف بلا انتقاء ولا حذف ولا تأويل. هذا الإنسان لن يستطيع أن يروي قصة عن نفسه لأن القصة تقتضي بالضرورة اختيارا وتهميشا وإبراز وإخفاء. وحده النسيان بهذا المعنى هو الذي يسمح بقيام الحبكة، فعندما تروي قصة حياتك فإن ما تهمله لا يقل أهمية عما تذكره بل إن الإهمال هو فعل التأليف الأول وهو القطع الذي يحول الغابة المتشابكة إلى طريق. غير أن ريكور يميز بعناية الفيلسوف ورهافة الطبيب وبين ضروب النسيان. هناك نسيان المحو حيث يمحو الزمن الأثر كما تمحو الريح الكتابة على الرمل وهناك نسيان الإهمال حيث يشيح الإنسان بوجهه عن ألم لا طاقة له به وهناك في العمق الأعمق النسيان الذي يسميه ريكور "النسيان العميق"، وهو ليس فقداناً للذاكرة بل هو ذاكرة صارت صامتة أو تحولت إلى ما يشبه طبقة جيولوجية تحتية تحمل البناء دون أن ترى. هذا النوع من النسيان هو احتياطي المعنى الذي نستمد منه دون وعينا في الغالب وهو نبرة صوتنا وطريقة حبنا وأسلوب خوفنا. وفي هذا الأفق المضطرب تصبح الهوية السردية إنجازاً هشا بل معركة لا تهدأ. إن المرء لا يروي قصته مرة واحدة وإلى الأبد بل يعيد روايتها مرات ومرات وفي كل مرة يضيف ويحذف، يغير الزاوية ويكتشف الخيط الذي أهمله ويستعيد فصلاً كان قد دفنه. الصدمة وهي الوجه الأقصى للجرح النفسي تمثل القطيعة الكبرى في هذا السرد. الصدمة واقعة تعجز الذات عن استيعابها في قصتها، حدث لا يجد له مكاناً في الحبكة فيظل معلقاً عارياً يثقب نسيج الهوية كلما حاولت الالتئام. ولهذا فإن الشفاء حين يكون ممكناً ليس عودة إلى ما قبل الجرح بل هو إعادة سردية. إنه القدرة على أن تحكي ما حدث وأن تمنح الكارثة اسماً ومكاناً في قصتك وأن تجعل من المعاناة محطة في رحلة لا هوة تسقط فيها الرحلة كلها. وهذا يفسر لماذا العلاج في آخر أعماقه هو حكائي، غير أن المريض يأتي إلى الطبيب ليسأله عن دواء لكنه في الحقيقة يأتيه وفي حلقه قصة تختنق، والمريض والمعالج معاً يحاولان أن يعيدا بناء حبكة محطمة وأن يجدا للكوابيس سياقاً وللانهيار سرداً. إنه لأمر "يثير الدهشة، حقا أن نتبين أخيراً أن هذا الكائن الذي ملأ الدنيا ضجيجاً وادعاءً وصخباً لا يبرأ جرحه العميق إلا بأن يصمت ويُسمع. كأن العلة كل العلة كانت في الصوت لا في الصمت وكأن الشفاء كل الشفاء في أذن صاغية لا في لسان ينطق."

غير أن الحكي لا يلتئم إلا بحضور آخر يصغي، وهنا نقف على العتبة الأكثر دفئاً في فلسفة ريكور إذ يتحول السرد من فعل فردي أناني إلى لقاء أخلاقي. القصة التي أرويها عن نفسي تُروى دائماً حتى لو كنت وحدي في غرفتي إلى مخاطب متخيل وإلى أذن أفترضها. إن الإنسان لا يحكي لنفسه فقط بل يحكي لكي يُعترف به. الاعتراف المتبادل هو الغاية القصوى لفعل الحكي كما أن الجحيم في المثل الدارج هو ألا يسمعك أحد. يبني ريكور في "مسار الاعتراف"، صرحاً فلسفياً كاملاً حول هذه الفكرة، وهي أن الإنسان لا يطلب فقط أن يكون بل أن يكون معترفاً به وأن يرى وجهه في عيون الآخرين التي تقول له: "أراك، أسمعك، وقصتك تهمني". هذه الشهادة المتبادلة هي التي تنتشل الهوية السردية من العزلة والوهم. فأنا قد أظن نفسي بطلاً في قصتي لكن الآخر يردني إلى حجمي ويصحح لي ويمنحني الزاوية التي لا أراها. الأنا، في عزلتها لا تصنع غير مرايا معتمة، تكذب فيها على صورتها أو تتوهم فيها صورة ليست لها. أما الأنا التي تخاطر فتقف وجهاً لوجه أمام 'أنت'، فإنها ولا شك معرضة للانكسار ولكن في هذا الانكسار بالذات قد تسقط الأقنعة ويطلع من بين شظاياها شيء يشبه الصدق."

ولعل هذا ما يقودنا إلى أعمق طبقات العلاقة بين الهوية والآخر في فلسفة ريكور، أن الذات ليست مجرد راوٍ بل هي أيضاً شخصية في قصص الآخرين. أنت لست مؤلف قصتك الوحيد، أمك روائية مشاركة، كتبت فصولك الأولى، عدوك روائي أيضاً يكتب عنك قصة لا تعترف بها. التاريخ الكبير وتاريخ الجماعة والأمة يكتب لك دوراً قد تقبله أو تتمرد عليه لكنك لا تستطيع تجاهله. الهوية السردية ميدان صراع بين روايات متعددة، بعضها يفرض عليك من الخارج وبعضها تصنعه أنت بيديك. والحرية ليست أن تكون المؤلف الوحيد فهذا محال، بل أن تكون قادراً على مناقشة القصص المفروضة ومراجعتها وكتابة هامش في سجل الأقدار. إن ما يسميه ريكور "الهوية السردية" ليس جوهراً دفيناً تكتشفه بل هو فعل مستمر من التفاوض بين ما تقوله عن نفسك وما يقوله الآخرون عنك، بين الذاكرة الفردية والذاكرة الجمعية وبين الحكي الشخصي والحكي الرسمي.

وإذا تأملت هذا كله وجدت أن السرد ليس مجرد أداة محايدة لوصف الهوية بل هو مختبر أخلاقي. إن الحكي ينطوي على مسؤولية فحين تروي حدثاً أنت لا تصفه فحسب بل تحكم عليه أخلاقياً وترتب الأفعال في سلم الذنب والفضل وتوزع الأدوار على الأبطال والضحايا والخونة، كل قصة هي محكمة ضمنية. ولهذا فإن الصراع بين القصص هو صراع على العدالة ومن يملك حق رواية القصة يملك حق إصدار الحكم، وفي زمننا هذا زمن الحكايات المتصارعة والروايات المتناحرة يصبح رهان ريكور على الهوية السردية رهاناً سياسياً وأخلاقياً قبل أن يكون نظرياً. إن الدعوة إلى "سرد تعددي" حيث تتعدد الأصوات ولا يحتكر أحد الحقيقة وهي دعوة للاعتراف بالآخر في اختلافه لا لتذويبه في القصة، وليس الإصغاء إلى حكايتك إذعاناً معرفياً لمضمونها بل هو انحناء أخلاقي أمام ذاتك الساردة وإقرار بأن شرعية الحكي لا تُستمد من مطابقة الواقع بل من مبدأ الاعتراف المتبادل الذي تتأسس عليه كل ذاتية.

إن رحلة بول ريكور مع الهوية والسرد لم تصل إلى نهاية مطمئنة بل تركتنا على عتبة سؤال يطل علينا كل صباح أي قصة سأروي اليوم عن نفسي؟ إن ما قدمه لنا ليس مذهباً جامداً قد نتعلمه بل طريقة في العيش. أن تعيش يعني أن تروي وأن تروي يعني أن تخاطر، لأن كل حكي هو اختيار وكل اختيار هو مسؤولية. الهوية السردية ليست حصناً نتحصن به ضد تقلبات الزمن بل هي رقصة على حافة الهاوية توازن مستمر بين ما كنا وما نصير وبين ما نذكره وما ننساه وبين ما نقوله عن أنفسنا وما يقوله الآخرون عنا. إن الثبات الذي نتوخاه ليس ثبات الحجر الذي لا يتغير لأنه ميت بل ثبات النهر الذي يظل نهراً رغم أن مياهه لا تتوقف عن الجريان، والتحول الذي نخشاه ليس تحول الدمار بل تحول النمو وتحول البذرة التي تموت لتصير شجرة وتحول الشرنقة التي تتمزق ليخرج منها الطائر.

لم يعد بول ريكور بيننا الآن لكن صوته ما يزال يتردد في السؤال الذي نوجهه لأنفسنا في ساعات الصمت من أنا؟ وهو يجيبنا ليس بكلمات جاهزة بل بدعوته لأن نجلس ونحكي. أن نحكي لأصدقائنا، لأحبائنا، للغرباء، للصفحات البيضاء. أن نحكي كي لا يمحونا النسيان وأن نصغي إلى حكايات الآخرين كي لا نمحوهم. ففي البدء كانت الحكاية وفي المنتهى ربما لا يبقى سواها، وحين يطوي الموت آخر صفحة من كتاب حياتنا ما يبقى منا ليس الجسد الذي تحلل ولا المال الذي وزع بل القصة التي تناقلها من بقوا بعدنا. قصة تقول "كان هنا إنسان، عاش، أحب، تألم، حاول، أخطأ وقام من جديد". وفي هذه القصة التي يرويها الآخرون عنا بعد أن نعجز عن الكلام تكتمل هويتنا السردية لأن الذات لا تملك نفسها بالكامل أبداً. إنها تظل رهينة حكاية يرويها عنها غيرها حتى بعد الرحيل، وهذا ليس هزيمة بل هو اكتمال، أن تصير جزءاً من السرد الكبير، سرد الإنسانية الذي لا يتوقف حيث كل صوت هو صدى لأصوات مضت وكل بداية هي امتداد لنهاية سالفة وكل صمت هو انتظار لمن سيأتي بعدنا ليكمل الحكاية.

***

د. حمزة مولخنيف