عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

احمد عابر: مرقد السجناء.. حين تختار القطرة نهر الثلج

سعادة القطرة هي أن تموت في النهر.

أبو حامد الغزالي في كتاب كيمياء السعادة

في هذه العبارة تبدو النهاية نوعا من الاكتمال فالقطرة لا تبلغ حقيقتها وهي منفصلة، بل حين تتخلى عن حدودها الضيقة وتذوب في الكل.

غير أن لوحة "مرقد السجناء" لفاسيلي فيريشاغين والمحفوظة اليوم في متحف بروكلين، تبدو كأنها الوجه المظلم لهذه الحكمة نفسها. هنا أيضا تموت القطرات في النهر لكن النهر اتساع أبيض بارد يبتلع البشر بلا ذاكرة وبلا رحمة. الفناء لدى الغزالي امتلاء وانعتاق أما الفناء تحت الجليد فربما محض عذاب. الفرق بينهما هو شاسع و مرعب.

رسم فيريشاغين هذه اللوحة بين عامي ١٨٧٨ و ١٨٧٩ بعد الحرب الروسية العثمانية لا كرسام المنتصرين بل كشاهد على ما تفعله الحروب بالأجساد حين تنتهي الضوضاء و تسكت البنادق و المدافع. لم يرسم المعركة بل ما يليها. ذلك السكون الذي يأتي بعد استنفاذ الكراهية لكل طاقتها. لا يوجد مركز بطولي في المشهد. لا جنرال يرفع سيفه ولا علم يرفرف عاليا في السماء. سجناء أتراك متكدسون تحت عاصفة ثلجية هائلة و جثث بدأت تتصلب تحت بياض الثلج. جنود روس يقفون في الخلفية كظلال بلا ملامح وعربة حرب محطمة تغوص عجلاتها في الثلج كأنها هيكل حيوان نفق منذ زمن.2803 fasyli

ما يجعل اللوحة مرعبة ليس ما تعرضه فحسب بل الطريقة التي تعرضه بها. لا صراخ ولا انفجار ولا عنف مباشر. الرعب هنا أكثر برودة وأكثر نضجا.

رعب يأتي من الإحساس بأن العالم نفسه أصبح غير مكترث بالبشر. الثلج يتساقط بالكثافة نفسها على الأحياء والجثث على السجين والحارس و لا يفرق بين الحديد واللحم. عزيزي القارئ/القارئة ....انظر إلى الجسد المكوم في أقصى يمين المقدمة ثمة كتلة بشرية لم يعد بإمكانك أن تحدد أين ينتهي معطفه وأين يبدأ الثلج و كأن البياض بدأ يبتلع حدود الجسد نفسه عائدا به إلى مادة أولى بلا اسم. حتى الوجوه تكاد تختفي. لا أحد يمتلك فرديته كاملة هنا. الجميع يتحولون إلى كتل بشرية مهددة بالذوبان داخل العاصفة. هذا البياض الطاغي ليس مجرد خلفية للمشهد بل هو الشخصية الحقيقية في اللوحة حضور هائل يمحو الفوارق الأخيرة بين البشر تحت قانون واحد هو الاختفاء البطيء.

في روايته الشهيرة (الحرب والسلام) يصف تولستوي اقتراب الموت باعتباره انطفاء العالم الحسي ذاته: لحظة واحدة، ولن أرى بعدها ضوء الشمس هذا، وذلك الماء، وذلك الوادي الجبلي أبدا.

في لوحة فيريشاغين يبدو هذا الإدراك وقد تحول إلى مناخ كامل. لا شمس هنا، ولا ماء، ولا أفق واضح. العالم كله تقلص إلى درجات من الأبيض والرمادي. حتى السجناء الذين ما زالوا أحياء والمحنيون داخل معاطفهم لا ينظرون نحو شيء؛ أعينهم مطأطأة نحو الأرض التي ستصير قريبا قبرهم المفتوح على وجهية البسيطة. الحياة هنا لا تسلب دفعة واحدة بل تتآكل ببطء كما يتآكل الضوء عند الغروب الشتوي.

أما لو استعنا ب إرنست همنغواي و الذي عرف الحرب عن قرب أيضا، لعله يساعدنا على فهم الدافع الوحشي الكامن خلف هذا المشهد حين يقول: لا صيد يضاهي صيد الإنسان، وأولئك الذين طاردوا رجالا مسلحين طويلا بما يكفي وأحبوا ذلك لا يهتمون بأي شيء آخر بعدها.

الجنود الروس الواقفون في خلفية اللوحة هم هؤلاء الصيادون المنهكون. ليسوا منتصرين بقدر ما هم ظلال داكنة، إنهم فاقدو الملامح، تحولوا هم أيضا إلى أدوات داخل آلة صيد كبرى. بنادقهم المرفوعة تكاد تكون التفصيلة الوحيدة التي تميزهم بصريا عن ضحاياهم. لكن الثلج الذي يغطي كل شيء يبدو وكأنه يهمس بأن الصياد والطريدة سيلتقيان في النهاية تحت الكفن الأبيض نفسه.

وهنا تكمن عبثية الحرب التي اختزلها برتراند راسل في جملة واحدة مقتضبة: الحرب لا تحدد من هو على حق، بل تحدد فقط من تبقى.

لوحة مرقد السجناء هي ترجمة بصرية لهذه الجملة. ففي نهاية المطاف لا نرى أعلاما أو انتصارات بل نرى ببساطة من تبقى.

مجموعة من الحراس المتجمدين يقفون فوق أكوام من البشر الذين يتحولون بهدوء إلى جثث. الثلج لا يميز بين "محق" و"مبطل". إنه يساوي الجميع محولا الجثث والحراس والعربة الحربية إلى طبقات أثرية من خراب واحد.

بالعودة إلى عبارة الغزالي تبدو المأساة الحقيقية أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش دون أن يذوب في شيء أكبر منه. لكنه كثيرا ما يخطئ النهر الذي يختاره. مرة يذوب في الحق ومرة في الإمبراطورية. مرة في الحب ومرات عديدة في الكراهية. والمشكلة أن الأنهار التي يصنعها البشر لأنفسهم غالبا ما تنتهي إلى الثلج. في "مرقد السجناء" لا يوجد وعد بالخلاص ولا معنى أخلاقي مريح يمنحه الموت.

اللوحة لا تعظ ولا تصرخ ولا تدين. إنها أكثر قسوة من ذلك. إنها تكتفي بأن تريك ماذا يحدث للإنسان حين يتحول إلى مادة داخل طاحونة التاريخ.

وحين يطيل المرء النظر، يبدأ الثلج وكأنه لا يغطي الجثث وحدها إنما يغطي فكرة التقدم نفسها. تلك الفكرة التي أقنعت البشر طويلا بأن الحضارة تسير إلى الأمام بينما كانت المقابر تكبر بصمت تحت أقدامهم. ولهذا تبقى اللوحة رغم كل ثلجها... مشتعلة بأسئلة لا تبرد.

 كم قطرة بشرية يجب أن تموت في أنهار الحروب التي نصنعها قبل أن ندرك أن النهر الحقيقي الذي نبحث عنه ليس نهر العدم، بل نهر الحياة المشتركة؟

***

د احمد عابر