سنلاحظ، وعند قراءتنا للرواية العراقية ما بعد 2003، أن معظمها قد كتبت من موقع الصدمة ومن قلب الركام، وكأن الكتابة كانت استمراراً لارتجاج ذلك العالم وليست محاولة لاستعادته، ولذلك يبدو لنا وفي الكثير من نماذج السرد العراقي في هذه المرحلة، أنها كانت أقرب إلى أدب الصدمة منها إلى أدب القطيعة التاريخية، وإن كانت (آن وايتهيد Anne Whitehead) ترى في كتابها (Trauma Fiction) أن (مصطلح أدب الصدمة (Trauma Fiction) يمثل مفارقة أو تناقضاً، فإذا كانت الصدمة تتضمن حدثاً أو تجربة تطغى على الفرد وتقاوم اللغة أو التمثيل، فكيف يمكن سردها بالمخيال الأدبي) ص3، حين تتقدم كارتداد متكرر لجرح لم يتحول إلى ذاكرة مستقرة بعد، أو إلى رواية يمكن استيعابها، فنجد في أغلب هذه الأعمال ذاتاً مرتبكة، مذعورة، تتكلم من داخل الخراب، وتعيد تمثيله مرة بعد أخرى، كما لو أنها قد أصبحت أسيرة لما تحاول النجاة منه.
لذلك أعتقد أن استخدام مصطلح (أدب الصدمة)، ربما يكون أكثر ملاءمة لفهم الرواية العراقية ما بعد 2003، من التصورات التي تنظر إليها بوصفها طريقة لإعادة كتابة التاريخ، فالصدمة وكما تشير (كاثي كاروث Cathy Caruth)، والذي تنقله عنها آن وايتهيد هي (حدث لا يستوعب أو يعاش بالكامل لحظة وقوعه، ولا يدرك إلا لاحقاً، عبر عودته المتكررة) ص5، وهذا ما يمكن ملاحظته بشكل واضح في بنية السرد العراقي، حيث يظهر الحدث كحاضر متواصل يقتحم اللغة والذاكرة، لا بوصفه ماضياً تفصلنا عنه مساحة للتأمل، وهذا ما يجعل الرواية العراقية تبدو مرتبطة بالتكرار، وإعادة إنتاج صور القتل والفقد والدمار، لأن هذه الأحداث لم تتحول لدى الروائيين العراقيين إلى (تاريخ)، وإنما ما زالت تتحرك بوصفها جرحاً مفتوحاً.
حيث أن تعاقب الكوارث التي مرت على العراق لم تسمح للأدب العراقي بصورة عامة، والرواية العراقية بصورة خاصة، من بناء مسافة تأملية كافية، فلم تكن الحروب والحصار والاحتلال والطائفية والانهيار وقائع منفصلة يمكن وصفها كتاريخ، وإنما كانت متداخلة، إذ يتحول الماضي إلى شبح يقيم داخل الحاضر، ولهذا نجد أن كثيراً من الشخصيات الروائية تبدو وكأنها تعيش تلك الأحداث، لا أن تتذكرها كأحداث تاريخية ماضية، حيث تشير وايتهيد إلى أن (الروائيين قد وجدوا أن تأثير الصدمة، في الكثير من الأحيان، لا يمكن تمثيله بشكل مناسب، إلا عن طريق محاكاة أشكالها وعلاماتها، بحيث تنهار الزمنية (temporality) والتسلسل الزمني (chronology)، وتتسم السرديات بالتكرار واللامباشرة) ص3، حيث، من المحتمل، أن ينطبق هذا التوصيف على عدد كبير من الروايات العراقية التي لا تثق بالتسلسل الزمني بصورته الثابتة، لتبني عالمها الروائي عبر التشظي والاسترجاعات والكوابيس والهلوسات والذاكرة المتصدعة.
ولو نظرنا إلى هذه الإشكالية من زاوية أخرى، فسنرى –برأيي على أقل تقدير- أن الروائيين العراقيين لم يستطيعوا بناء سردية جماعية، فلم ينتج الوضع السياسي والاجتماعي والثقافي ما بعد 2003 وعياً وطنياً موحداً، قادراً على ردم الانقسامات التي أصابت المجتمع العراقي، فلم يستطع الأدب العراقي أن يتجاوز المأساة، وبقي عالقاً في إعادة تمثلها، بحيث إن كثيراً من الروايات العراقية تُكتب من موقع الناجي الذي لم ينجُ فعلاً، أو ربما من موقع الشاهد الذي لا يعرف عن ماذا يشهد، ولهذا تبدو مسكونة بهاجس الشهادة أكثر من انشغالها بفكرة إعادة بناء الحاضر أو التاريخ، فالصدمة، حسب كاثي كاروث، (تمثل أزمة في التاريخ) ص5، إذ لا يفقد الروائي قدرته على التذكر فقط، وإنما يقينه بالعلاقة بين تجربته للصدمة وقدرته على تحويلها إلى سرد متماسك.
تسعى الكثير من الروايات إلى أن تُبقي ما حدث "حياً"، ولا تسعى إلى تفسيره، لذا تبدو بعض الأعمال الروائية وكأنها واقعة تحت السلطة النفسية والرمزية للعنف، عاجزة عن بناء مسافة نقدية، فالنص الروائي يتكلم من داخل الحدث أو الواقعة لا عنها.
تنقل آن وايتهيد عن كاثي كاروث قولها (أن تكون مصدوماً يعني أن تستحوذ عليك صورة أو حدث) ص13، وهذا الاستحواذ يكاد يشابه ما يسم البنية السردية للروايات العراقية، حيث تبدو الشخصيات مطاردة بصور الجثث، والانفجارات، والمفقودين، والأشباح، بالإضافة إلى أن المكان أيضاً قد فقد طبيعته المألوفة، وتحول إلى فضاء مثقل بذاكرة العنف، حين أصبحت المدينة العراقية ما بعد 2003 مكاناً معادياً وأرشيفاً للرعب.
بحيث لم تستطع أن تتحول إلى رواية "ما بعد الكارثة"، لأن الكارثة نفسها لم تنتهِ إلى حد الآن، فيفترض مفهوم "ما بعد" وجود لحظة عبور تاريخية، بينما ظل الواقع العراقي يعيش داخل سلسلة من الانقطاعات غير المكتملة، مما يجعلها تبدو وكأنها تُكتب داخل زمن معطوب، يعود باستمرار إلى لحظة الجرح الأولى، لذا يمكننا أن نصف الكثير من الروايات العراقية بأنها تمثل تاريخاً شبحياً، حيث (لم يعد الماضي معرفة مكتملة، وإنما شيئاً يفلت دائماً من الفهم) ص13.
تتمثل أزمة هذه الرواية في غياب الأفق الذي يمنح العنف معنى تاريخياً قابلاً للتأويل، كما ظهرت في تجارب كثيرة من آداب ما بعد الاستعمار أو ما بعد الحروب الكبرى، وفي سرديات حولت العنف، والألم إلى وعي جمعي أو إلى مشروع رمزي، وبعض الآداب الأخرى التي استطاعت تحويل الصدمة إلى أفق تعاطفي جماعي، وربما هذا ما أشارت إليه (آنا فبرينسكا Anna Veprinska) في كتابها (التعاطف في الشعر المعاصر بعد الأزمة Empathy in Contemporary Poetry After Crisis)، حيث درست مجموعة من النصوص الشعرية المعاصرة، التي تحمل تعاطفاً مع الأحداث التي مثلت أزمات في التاريخ الغربي، ورصدت كيفية تمثل ذلك التعاطف، غير أن السرد العراقي بقي أقرب إلى إعادة معايشة الجرح منه إلى تحويله إلى ذاكرة جمعية قابلة للتشارك كما في هذه التجارب.
تكمن القيمة الحقيقية للرواية العراقية ما بعد 2003 في عجزها هذا بالتحديد، حين لا تقدم وهماً بالخلاص، ولا تدعي امتلاك سردية مكتملة عن الوطن أو الحرية، لكنها مع ذلك تكشف عن نزعة حقيقية للتعامل مع التجربة التاريخية، لذلك تبدو لي –على أقل تقدير- أكثر قدرة على تمثيل هذا التاريخ من أي خطاب سياسي أو أيديولوجي يحاول اختزاله ضمن سردية جاهزة، لذا تظل هذه الروايات شاهدة على لحظة تاريخية مهمة، وكتابة ما زالت تعيش داخل الصدمة، ولا تستطيع الكلام إلا بلغتها.
***
أمجد نجم الزيدي








