عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

عماد خالد رحمة: نِعْمَ وبِئْسَ بين الصناعة النحوية والبلاغة العربية

دراسة في آراء البصريين والكوفيين وفقهاء اللغة

يُعَدُّ أسلوب المدح والذم من أرقى الأساليب التعبيرية في العربية؛ إذ يجمع بين قوة الحكم وجمال الإيجاز، ويمنح المتكلم قدرةً على تقويم الأشخاص والأفعال والأحوال بألفاظ قليلة ومعانٍ واسعة. وقد احتلَّ فعلا «نِعْمَ» و**«بِئْسَ»** مكانةً بارزة في كتب النحو واللغة والتفسير والبلاغة، لما ينطويان عليه من خصوصية صرفية ونحوية ودلالية.

ولم يكن اهتمام النحاة بهذين الفعلين ناشئاً من كونهما أداتي مدح وذم فحسب، بل لأنهما يمثلان نموذجاً فريداً للأفعال الجامدة التي خرجت عن المألوف في التصريف والاستعمال، حتى غدوا باباً مستقلاً من أبواب النحو العربي.

أولاً: معنى «نِعْمَ» و«بِئْسَ» في اللغة

اتفقت المعاجم العربية على أن «نِعْمَ» فعلٌ موضوع للمدح، وأن «بِئْسَ» فعلٌ موضوع للذم.

فيقال:

نِعْمَ الرجلُ الصادقُ.

نِعْمَ الخُلُقُ الوفاءُ.

بِئْسَ الخُلُقُ الكذبُ.

بِئْسَ الصديقُ الغادرُ.

فالمدح يتضمن الاستحسان والثناء، أما الذم فيتضمن الاستقباح واللوم.

وقد ورد الفعلان في القرآن الكريم كثيراً، ومن ذلك قوله تعالى:

﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾

وقوله تعالى:

﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾

مما يدل على فصاحتهما ورسوخهما في لسان العرب.

ثانياً: رأي البصريين

ذهب نحاة البصرة إلى أن «نِعْمَ» و«بِئْسَ» فعلان ماضيان جامدان لا يتصرفان.

ومن أشهر القائلين بذلك:

سيبويه.

المبرد.

الزجاج.

ابن السراج.

ويرى البصريون أن لهذين الفعلين فاعلاً لا بد منه، وأن المخصوص بالمدح أو الذم يأتي بعد ذلك.

مثال:

نِعْمَ الرجلُ خالدٌ.

بِئْسَ الخُلُقُ الكذبُ.

فـ«الرجل» و«الخُلُق» فاعلان مرفوعان، أما «خالد» و«الكذب» فهما المخصوصان بالمدح والذم.

ويرى البصريون أن المقصود من هذا التركيب هو تعميم الحكم أولاً ثم تخصيصه.

فالمتكلم يبدأ بالحكم على الجنس ثم يحدد المقصود منه.

ثالثاً: رأي الكوفيين

أما الكوفيون فكانوا أكثر مرونة في تفسير الظواهر اللغوية.

ومن أعلامهم:

الكسائي.

الفراء.

ثعلب.

وقد رأى بعضهم أن «نِعْمَ» و«بِئْسَ» يقتربان في بعض استعمالاتهما من الأسماء أو الأدوات التي تؤدي وظيفة المدح والذم، وإن ظل الرأي الغالب عندهم اعتبارهما فعلين.

كما توسع الكوفيون في قبول الأساليب المسموعة عن العرب، ولو خالفت بعض القواعد التي وضعها البصريون.

ومن أمثلة ذلك قولهم:

نعم رجلاً زيدٌ.

وبئس غلاماً فلانٌ.

حيث أجازوا وجوهاً إعرابية أوسع مما أجازه البصريون اعتماداً على السماع.

رابعاً: موقف فقهاء اللغة

أما فقهاء اللغة وأهل المعاجم فقد نظروا إلى «نِعْمَ» و«بِئْسَ» من حيث الدلالة والاستعمال.

فذكروا أن:

«نِعْمَ» تفيد بلوغ الممدوح غاية الكمال في الصفة المذكورة.

«بِئْسَ» تفيد بلوغ المذموم غاية النقص في الصفة المنسوبة إليه.

فإذا قيل:

«نِعْمَ القائدُ»

فالمعنى ليس مجرد الثناء، بل الإشادة بكمال صفات القيادة.

وإذا قيل:

«بِئْسَ الحاكمُ الظالمُ»

فالمعنى يتجاوز مجرد النقد إلى الإدانة الأخلاقية الكاملة.

خامساً: أحكام فاعل «نِعْمَ» و«بِئْسَ»

ذكر النحاة أن فاعلهما يأتي على ثلاثة أوجه:

١- معرفاً بأل

نِعْمَ الرجلُ الأمينُ.

بِئْسَ الخُلُقُ الخيانةُ.

٢- مضافاً إلى معرفة

نِعْمَ صاحبُ القومِ زيدٌ.

بِئْسَ صاحبُ السوءِ المنافقُ.

٣- ضميراً مفسَّراً بتمييز

نِعْمَ رجلاً خالدٌ.

بِئْسَ خلقاً الكذبُ.

سادساً: المخصوص بالمدح والذم

المخصوص هو الاسم الذي يُراد مدحه أو ذمه حقيقةً.

فنقول:

نِعْمَ الرجلُ عمرٌ.

بِئْسَ الصديقُ الغادرُ.

فـ«عمر» و«الغادر» هما المقصودان بالحكم.

وقد يُحذف المخصوص إذا دلّ عليه السياق.

مثل:

سُئلت عن رجل كريم فقلت: نعم الرجلُ.

أي نعم الرجل هو.

سابعاً: القيمة البلاغية لأسلوب المدح والذم

يمتاز هذا الأسلوب بعدة خصائص:

١- الإيجاز

فكلمة واحدة تؤدي معنى الثناء أو الذم كاملاً.

٢- القوة

لأن الحكم يأتي مباشراً وحاسماً.

٣- العموم ثم التخصيص

وهو من أساليب البلاغة العربية الرفيعة.

٤- التأثير النفسي

إذ يرسخ الحكم في ذهن السامع بصورة أقوى من الوصف العادي.

أمثلة تطبيقية

في العلم

نِعْمَ العالمُ من جمع بين المعرفة والتواضع.

بِئْسَ العالمُ من جعل علمه سلماً للغرور.

في الأخلاق

نِعْمَ الخُلُقُ الصدقُ.

بِئْسَ الخُلُقُ الكذبُ.

في الإدارة

نِعْمَ القائدُ من قدّم المصلحة العامة.

بِئْسَ القائدُ من استبدَّ برأيه.

في التربية

نِعْمَ المربّي من ربّى قبل أن يعلّم.

بِئْسَ المربّي من أكثر الوعظ وقلَّ عمله.

خاتمة:

يشكّل باب «نِعْمَ وبِئْسَ» نموذجاً بديعاً لتداخل النحو بالبلاغة والدلالة في العربية. فقد نظر البصريون إليه بمنظار الصناعة النحوية الدقيقة، بينما وسّع الكوفيون دائرة السماع والاستعمال، وأبرز فقهاء اللغة قيمته الدلالية والتعبيرية. ومن خلال هذا الأسلوب تتجلّى قدرة العربية على الجمع بين الإيجاز والإحكام، وبين جمال العبارة وعمق المعنى، حتى غدا المدح والذم في هذين الفعلين من أبلغ ما ورثته العربية من أساليب التقويم والتعبير.

***

بقلم: عماد خالد رحمة  برلين