عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

مصطفى غلمان: بين كونية الحقوق وسيادة المرجعية

ليست الإشكالية في أن يدافع المجلس الوطني لحقوق الإنسان عن الحق في الحياة، فهذا يدخل في صميم اختصاصاته الدستورية. وليست أيضًا في أن يرافع من أجل مراجعة السياسة الجنائية للمغرب، أو أن يستحضر المعايير الدولية في مجال حقوق الإنسان.

 الإشكالية تبدأ عندما يتحول هذا الترافع إلى خطاب يوحي بأن إلغاء عقوبة الإعدام أصبح خيارًا مؤسساتيًا محسومًا، بينما الحقيقة أن الملف لا يزال مفتوحًا على مستويات تشريعية ودستورية ومجتمعية متعددة.

 من داخل البرلمان الفرنسي، وعلى هامش المؤتمر الدولي التاسع لإلغاء عقوبة الإعدام، قدمت رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان مؤخرا، قراءة لمسار المغرب بدت، في كثير من جوانبها، وكأنها تستبق الإرادة التشريعية والنقاش العمومي، عندما اعتبرت أن التصويت المغربي لصالح القرار الأممي بوقف تنفيذ العقوبة يمثل محطة في طريق إلغاء تشريعي مرتقب.

 هذا الخطاب يثير أكثر من علامة استفهام.  فإذا كان المجلس مؤسسة استشارية مستقلة، فإن البرلمان هو صاحب الاختصاص الأصيل في التشريع، والمجتمع هو الفضاء الطبيعي للنقاش حول القضايا التي تمس المنظومة الجنائية والقيمية للدولة. أما القضايا المرتبطة بعلاقة القانون بالمرجعية الإسلامية، فهي تظل محكومة أيضًا بالإطار الدستوري الذي يجعل من إمارة المؤمنين المرجعية العليا في حماية الدين وصيانة ثوابته.

 ولهذا فإن الحديث عن إلغاء عقوبة الإعدام لا يمكن أن يُقدَّم باعتباره مجرد استحقاق حقوقي مؤجل، أو نتيجة حتمية لمسار دولي، لأن الأمر يتعلق بخيار سيادي تتداخل فيه اعتبارات الأمن والعدالة والسياسة الجنائية والخصوصية الحضارية للمغرب.

 ومن اللافت أن خطاب المجلس يكاد يحصر القضية في بعدها الحقوقي، بينما يتجاوزها الواقع المغربي إلى أسئلة أكثر تعقيدًا: كيف ينظر المجتمع إلى العقوبة في ظل تنامي الجرائم العنيفة؟ وما موقع حقوق الضحايا وأسرهم داخل هذا النقاش؟ وهل يمكن استيراد نماذج قانونية من بيئات اجتماعية وثقافية مختلفة دون مساءلة مدى انسجامها مع السياق الوطني؟ .

 إن الإشارة إلى أن أكثر من ثلاثة أرباع دول العالم لا تنفذ عقوبة الإعدام، أو أن المغرب لم ينفذها منذ عقود، لا تكفي وحدها لبناء حجة تشريعية ملزمة. فالقوانين لا تُعدّل بمنطق الإحصائيات الدولية، وإنما بمنطق التوافق الوطني، ووفق ما تقتضيه المصلحة العامة والثوابت الدستورية.

 كما أن احتضان المغرب لمؤتمر دولي حول إلغاء عقوبة الإعدام لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره إعلانًا عن تغيير رسمي في السياسة الجنائية للدولة. فاستضافة المؤتمرات الدولية تعكس انفتاح المملكة على الحوار وتبادل التجارب، لكنها لا تعني بالضرورة تبني جميع التوجهات التي تدافع عنها تلك المؤتمرات، وإلا لأصبحت الدبلوماسية الحقوقية بديلًا عن المؤسسات الدستورية المختصة.

 ثم إن من واجب المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وهو مؤسسة دستورية تحظى بمكانة اعتبارية، أن يحافظ على مسافة متوازنة بين الترافع والحياد المؤسسي. فالترافع يكتسب قوته عندما يفتح أبواب النقاش، لا عندما يوحي بأن النقاش انتهى وأن المسار التشريعي لم يعد سوى مسألة وقت.

 إن ملفًا بحجم عقوبة الإعدام لا يحتمل الاختزال، ولا يقبل أن يُدار بمنطق الضغط الرمزي الذي تفرضه المؤتمرات الدولية أو شبكات الترافع الحقوقي. إنه ملف يمس فلسفة العقاب، والسيادة التشريعية، والأمن المجتمعي، والمرجعية الدستورية والدينية للدولة المغربية.  ولذلك، فإن الحكمة تقتضي أن يبقى هذا النقاش داخل فضائه الطبيعي، أي المؤسسات الوطنية، وفي إطار حوار عمومي هادئ يشارك فيه الجميع: المشرعون، والفقهاء، والحقوقيون، والجامعيون، والفاعلون السياسيون، ومختلف مكونات المجتمع، تحت سقف الدستور، وفي ظل المرجعية التي يمثلها أمير المؤمنين باعتبارها الضامن لتوازن الدولة بين الانفتاح على المنظومة الكونية لحقوق الإنسان والحفاظ على ثوابتها الدينية والوطنية.  فالقضايا الكبرى لا تُحسم بالرمزية، ولا بالترافع وحده، وإنما بإرادة وطنية جامعة تُوازن بين الحقوق والواجبات، وبين الانفتاح والخصوصية، وبين الالتزامات الدولية والثوابت التي اختارها المغاربة لأنفسهم في دستورهم.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

في المثقف اليوم