أقلام ثقافية
سوف عبيد: آخر ما قرأت.. دارة الروح
يؤكد صديقنا ميلاد محمود ميلاد حضوره الشعري بإصداره الثاني - دارة الروح - الذي ظهر في أوج ربيع هذه السنة سنة 2026 بتقديم الشاعر معمر الماجري ومراجعته وبتصدير شاعري جدير بالتمعن والدرس مثلما كتب وحلل صديقنا عبد العزيز بن عبد الله نصوص الإهداءات لدى الروائيين التونسيين ونحن إذا تركنا العنوان وصورة وجه الديوان وقرأنا ما ورد في ظهر الغلاف تحت صورة الشاعر:
لست بشاعر بلاط
وإن علا شأنه
ولست شاعر جمع
أو صدى حانة
حر بفسيح ملكوت الشعر
أزهو به
صادح الصوت
لا تَسَعُني خانة
يمكن أن نجعله بمثابة الدستور الشعري الخاص بميلاد محمود ميلاد معبرا فيه عن رؤيته للشعر التي نجد فيها صدى أبي القاسم الشابي الذي قال من قبل:
شعري نفاثة صدري
إن جاش فيه شعوري
لا أنظم الشعر أرجو
به رضاء الأمير
بمدحة أو رثاء
تُهدى لرب السرير
حسبي إذا قلت شعرا
أن يرتضيه ضميري
- 2 -
إن ما أريد تأكيده في هذ السياق أن الشاعر ميلاد محمود ميلاد ينطلق من منجزات الشعر التونسي ليواصل المسيرة الشعرية التونسية المتميزة جيلا فجيلا والتي شهدت في بعض فتراتها موجات من شعر المدح والهجاء وذلك باستسهال طرق المواضيع المكررة الخالية من الابتكار فصارت القصائد نسخا متطابقة تقريبا وأضحى الشاعر فيها يتقمص دور المهرج حينا وجُبة الواعظ أحيانا أو متقلدا سيفا من خشب خطيبا في المنابر والمناسبات التي أمست كرنفالات ...!
- 3 -
عاد بنا الشاعر ميلاد محمود ميلاد في خضم اختلاط الحابل بالنابل إلى نبع صاف من عيون الشعر التونسي ألا وهو الشاعر - علي الحصري القيرواني - وذلك من خلال معارضته لقصيدة - يا ليل الصب متى غده - فحاول مجاراتها بما تيسر له مثلما حاول النسج على منوالها عشرات الشعراء في كل عصر ومصر فقاربها البعض واستعصت على البعض وبهذه المعارضة الجديدة يؤكد الشاعر أنها قصيدة أيقونة في ديوان الشعر العربي من ناحية ومن ناحية أخرى كأنه أراد قول إنه متجذر في تراثنا الشعري لكنه من ناحية أخرى نجده متحررا من البحور والتفعيلات والقوافي كما أشار الأستاذ معمر الماجري في تقديمه قائلا :
(أما أغلب القصائد فإنها خارج التصنيف ولا تخضع إلا لميزان صاحبها واختلاحات صدره وخصائص ذوقه)
ونحن نضيف أن الشعر أوسع من البحور والقوافي ومن الأساليب وأكبر من التصنيفات ولا تحده قوالب ونظريات كي يظل فضاء الابتكار والتجديد مفتوحا أمام الإبداع الجديد.. فالعبرة من مكابدة الكتابة ليست من أجل الجوائز والامتيازات والتكريمات والدعوات وغيرها... وإنما من أجل الإضافة والتميز ... لا غير !
- 4 -
أعتقد أن الشاعر الذي اِستوعب منجزات القصيدة العربية قديمها وحديثها واِطلع على إبداعات الأمم الأخرى واستفاد من الفنون يمكنه أن يضيف إلى مسيرته الشعرية وأرى أن قصائد عديدة للشاعر ميلاد محمود ميلاد تحمل بذرة شعرية واعدة يمكنها أن تصبح دوحة فيحاء... ومن سار على الدرب وصل.
***
بقلم: سُوف عبيد - تونس







