أقلام ثقافية
صابر الحميدي: الرحيل.. حين يصبح المنفى قدرًا والذاكرة وطنًا
في رواية الرحيل للكاتبة رضوى عاشور، تبلغ المأساة الأندلسية ذروتها. فإذا كانت غرناطة رواية السقوط، وكانت مريمة رواية الصمود في وجه المحو، فإن الرحيل هي رواية الاقتلاع الأخير؛ اللحظة التي يُدرك فيها الإنسان أن الأرض التي أحبها لم تعد قادرة على احتضانه.
تتابع الرواية مصير أحفاد الأسرة الغرناطية بعد عقود طويلة من القهر والتضييق والتنصير القسري. وقد أصبحت الحياة أشبه بإقامة مؤقتة في وطن لم يعد يعترف بأبنائه. تتوالى المراسيم والقيود حتى يصل الأمر إلى قرار طرد الموريسكيين من الأندلس، فيجد الناس أنفسهم أمام اختيار مستحيل: الرحيل عن الأرض أو الرحيل عن الذات.
في هذا الجزء، لا يكون المنفى مجرد انتقال جغرافي من مكان إلى آخر، بل تجربة وجودية عميقة. فالإنسان لا يحمل معه عند الرحيل سوى ما اختزنته روحه من ذكريات. البيوت تُترك خلفه، والأشجار تبقى في أماكنها، والطرقات تواصل صمتها، لكن الذاكرة تسافر معه كجرح لا يندمل.
فلسفيًا، تطرح الرواية سؤالًا موجعًا: هل الوطن هو المكان الذي نعيش فيه أم المكان الذي يعيش فينا؟ وتبدو الإجابة كامنة في مصائر الشخصيات التي تغادر الأندلس بأجسادها، لكنها تعجز عن مغادرتها بقلوبها. فالمسافة لا تُقاس بالأميال، بل بقدرة الروح على احتمال الفقد.
وتكشف الرواية أن أقسى أنواع الرحيل ليس مغادرة الأرض، بل مشاهدة عالم كامل يختفي أمام العينين. فالناس لا يفقدون بيوتهم فقط، بل يفقدون لغتهم وعاداتهم وملامح الزمن الذي عرفوه. ومع ذلك، يبقى شيء عصيّ على المصادرة: الحكاية. لذلك تصبح الذاكرة الملاذ الأخير، ويغدو السرد فعل مقاومة ضد النسيان.
وفي خاتمة الثلاثية، تبدو الرحيل أشبه بمرثية كبرى للإنسان المقتلع من جذوره، لكنها في الوقت نفسه احتفاءٌ بقوة الذاكرة. فالأوطان قد تُغلق أبوابها في وجه أبنائها، غير أن القلب يظل قادرًا على حملها أينما ذهب. وهكذا تنتهي الحكاية ظاهريًا بالرحيل، لكنها تنتهي معنويًا بانتصار الذاكرة على الفناء، وبقاء الإنسان وفيًّا لما كان، حتى وهو يسير نحو المجهول.
***
د. صابر الحميدي







