أقلام ثقافية
احمد عابر: الكرسي المفضل للأب.. وقوف عند حافة الغياب
(أيها الجالس في هذا البيت المليء بالنقوش والخيال، قم من هذا البيت وارتحل، وخذ متاعك، ولا تقل شيئا. قلت يا قلب تصرف كأب، اليس هذا من وصف الله، قال نعم، ولكن يا روح الاب، لا تقل شيئا)... جلال الدين الرومي من كتاب غزليات شمس، مترجم للعربية من الفارسية (ترجمة الكاتب)
ليست هذه الأبيات مجرد نداء شعري، بل صدمة روحية تهز الإنسان من سباته داخل عالم صنعه بنفسه. فبيت النقوش والخيال ليس مكانا ماديا، بل عالم الذكريات والتعلقات والأوهام التي نحمي بها أنفسنا من حقيقة الفقد والزوال.
الرومي هنا لا يدعو إلى الرحيل الجسدي، بل إلى خلع هذا العالم الداخلي الذي نقيم فيه أصنام الحنين. ثم يتجلى الصراع في مخاطبة القلب، حيث يبحث الإنسان عن رحمة تواسيه كرحمة الأب. لكن الجواب يأتي حاسما: نعم هذا من وصف الحق، ولكن الطريق إليه يمر بالصمت. صمت ليس ضعفا، بل مقام تسقط فيه الكلمات وتعجز اللغة عن حمل ثقل التجربة.
تعكس لوحة "الكرسي المفضل للأب" للفنان البلجيكي شارل بوينيه، التي رسمها عام ١٨٧٥، هذا المعنى بصريا. نرى شابة تقف في غرفة داخلية مزينة بعناية، ترتدي ثوبا أبيض فاخرا مزينا بشرائط زرقاء، تنحني برأسها قليلا في وضع يوحي بالحزن والتأمل، أمام كرسي فارغ يحتل مركز المشهد. ضوء خافت يتسلل من نافذة غير مرئية، فيرسم ظلالا طويلة على السجاد المنسوج بدقة. ملمس القماش يبدو ثقيلا، وكأنه يحمل في ثناياه رطوبة الغياب. المشهد ساكن، وكأن الزمن توقف. لكن ماذا لو قرأنا هذه اللحظة بطرق مختلفة؟ هل الشابة تستسلم للحزن أم تتمرد عليه بصمتها؟ أو ربما هي معلقة بين الذاكرة والنسيان؟
ينتمي شارل بوينيه إلى المدرسة الأكاديمية الأوروبية في القرن التاسع عشر، حيث امتزجت الواقعية بالدقة التقنية العالية، مع نزعة عاطفية في تصوير المشاهد اليومية. عرف باهتمامه برسم البورتريه والمشاهد الداخلية التي تركز على الإنسان وعواطفه.
كانت أعماله تعكس ذوق الطبقة البرجوازية في ذلك العصر، مع اهتمام خاص بالتفاصيل الدقيقة للملابس والديكور. تحمل أعماله بعدا إنسانيا هادئا، لا تعتمد على الدراما الصاخبة، بل على لحظات التأمل الداخلي. وهذا ما يجعل هذه اللوحة نموذجا واضحا لمدرسته التي ترى في الحياة اليومية مسرحا للمشاعر العميقة.
لنقف قليلا عند الشابة نفسها. جسدها المنحني ورأسها المطأطئ: هل هو خضوع للحزن أم بداية وعي جديد؟
من زاوية ابن عطاء الله السكندري، يمكن قراءة هذا الوقوف باعتباره تجسيدا لحقيقة وجودية. فالحزن الذي يملأ الغرفة ليس استثناء، بل جزء من طبيعة الدنيا. يقول ابن عطاء: ما دمت في الدنيا فلا تستغرب وجود الأحزان. لكن الأهم هو ما تفعله بعد ذلك.
أليس وقوفها دون أن تجلس على الكرسي أو تزيحه دليلا على تحرر من التعلق؟
يقول السكندري:
أنت حر مما يئست منه، وأنت عبد لما ترجوه.
ثم يأتي قوله الأعمق:
أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك لا تقم به لنفسك.
وقوفها الثابت قد يكون تجسيدا لهذا التسليم. لكن هل التسليم هو النهاية الوحيدة؟ ماذا لو كان وقوفها المجرد بداية تمرد صامت على فكرة الفقد نفسها؟
أما عند محيي الدين بن عربي، فالأشياء ليست كما تبدو. تأمل ايها القارئ الكرسي مرة أخرى: ليس فارغا بالكامل، فهو ممتلئ بالذاكرة، بالعادات، بصورة الجالس الذي لم يعد يجلس.
يقول ابن عربي: الفناء هو عدم رؤية الأشياء، والبقاء هو رؤية الحق في الأشياء.
هل يمكن أن تكون الشابة في لحظة فناء عن رؤية الكرسي كمجرد كرسي؟ ليس بالضرورة أن نصل فورا إلى الحضرة الإلهية. ربما هي فقط ترى الأب، أو ترى فراغا يصعب تسميته.
لكن ابن عربي يضيف:
ما من حزن إلا وهو مقدمة لفرج، وما من ظلمة إلا وهي تعلن عن قرب فجر.
الظلمة المحيطة باللوحة قد تكون ليست نهاية بل بداية. لكن السؤال: هل الفجر آت حتما؟ أم أن الظلمة قد تطول، وقد تتحول إلى سكن دائم؟
من جهة أخرى، يقدم عبد الجبار الرفاعي في كتابه "الظمأ الأنطلوجي" قراءة معاصرة. يشير إلى أن الإنسان المعاصر يعاني من عطش وجودي ناتج عن غياب المعنى والانقطاع عن الجذور. انظر إلى الغرفة من جديد: كل هذه التفاصيل المادية، الأثاث الفاخر، السجاد المنسق، الشرائط الزرقاء على الثوب الأبيض. أليست محاولة لملء فراغ؟
لكن الكرسي الفارغ يظل شاهدا على فجوة لا تسدها الأشياء. الشابة هنا ليست مجرد حزينة على فقد أبيها، بل هي في لحظة مواجهة مع سؤال الوجود ذاته: من أنا بعد رحيل من كان جزءا من هويتي؟ كيف أعيد تشكيل علاقتي بالعالم؟
الرفاعي لا يقدم إجابات جاهزة، بل يدعو إلى العيش في السؤال نفسه. وفي صمت الغرفة، وفي ثقل الضوء الذي لا يضيء كثيرا، تقف الشابة سؤالا مفتوحا لا يطلب جوابا.
بعد هذا، نعود إلى نقطة البداية: الرومي وأبياته. لكننا لم نعد كما كنا. كل هذه القراءات لم تقدم لنا إجابة واحدة، بل فتحت أمامنا أسئلة.
هل الرومي كان يدعونا حقا إلى تسليم خالص؟ أم كان يدعونا إلى مواجهة أوهامنا مهما كانت جميلة؟
"قم من هذا البيت وارتحل" قد تكون دعوة لتجاوز التفسيرات نفسها، لتجاوز هذا المقال، لتجاوز الكلمات. البيت المليء بالنقوش والخيال هو كل هذه المحاولات لشرح الفقد. لكن الحقيقة قد تكون أبسط: أن نقف كما تقف تلك الشابة، أمام ما نملكه و ما فقدناه، دون أن نحكم.
وربما أبعد من ذلك: أن لا شيء ينتظرنا، لا فجر ولا ظلمة، فقط وقوف.. ربما وقفة الشاهد و الشهيد..
ربما ايضا وقوف في غرفة، وامام كرسي فارغ، وصمت...كل ذلك لا يعني شيئا محددا ولا يحتاج ايضا إلى معنى محدد.
اخيرا هل يصبح الفقد يوما ما بابا للمعرفة أم يظل جرحا لا يندمل؟ وهل الصمت الذي نعيشه في مواجهة الغياب هو هزيمة أم هو أصدق لغة نملكها؟
***
د احمد عابر







