أقلام حرة
عبد السلام فاروق: معركة الوورد والورق!
بداية، أنا لا أنتمي إلى اتحاد الناشرين المصريين، ولا إلى دار الكتب والوثائق القومية، ولا حتى إلى نقابة المهن التمثيلية؛ تلك النقابة التي بدت مشغولة ـ قبل يومين ـ بقضية "حقوق الأداء العلني" أكثر من انشغالها بتاريخ مصر الذي يعاد تشكيله على هوى فيلم سينمائي، هو الأضخم إنتاجًا هذا العام. عمل يقرر أن السود في مصر كانوا ضحايا كما كانوا في أمريكا، وكأن صفحات تاريخنا ـ بيضاء كانت أم سوداء ـ لم تشهد قط أن مصر كانت الملجأ، لا المعتدي.
لكن دعنا من هذا كله، ولنترك السينما قليلًا، ونغوص في مستنقع آخر؛ مستنقع الأرقام المعيارية الدولية للكتب (ISBN)، وملفات “الوورد” القابلة للتحريف، واشتعال المعركة بين "الاتحاد" و"الدار" في أربعة بيانات متتالية خلال 24 ساعة فقط. أربعة بيانات.. اثنان من هنا، واثنان من هناك، كأنهما يتسابقان في الإصدار كما يتسابق الأطفال في لعبة "أنا أسرع منك!".
المعركة: ملخص سريع لمن نام باكرًا
بدأت القصة بالقرار رقم 198 لسنة 2026، الصادر عن دار الكتب والوثائق القومية. القرار في ظاهره بسيط: أي ناشر يرغب في الحصول على رقم إيداع لكتابه ـ ذلك الرقم السحري الذي يمنح الكتاب شرعية وجوده على الرف ـ عليه أن يقدم نسخة من الكتاب بصيغة "Word".
نعم، عزيزي القارئ، لم تقرأ خطأ "وورد". ذلك الملف الأبيض الذي نفتحه عادة لكتابة قوائم التسوق، أو رسائل الغضب العابرة. ذلك الملف الذي يستطيع طفل في الصف الأول الابتدائي أن يضغط عليه بالزر الأيمن للفأرة، ثم "نسخ"، ثم "لصق". ذلك الملف الذي لو أردت أن تسرق روايةً كاملة وتنسبها لنفسك، لما احتجت لأكثر من ثوان معدودة وسطر أوامر واحد. وقالت دار الكتب: على مرحلتين. أولًا قبل الطباعة النهائية، ثم بعد الإصدار. وكأن الناشر سيسلمهم "مسودة الرواية" قبل أن ينام عليها مؤلفها ليلة كاملة يقلب فيها فاصلة أو حرف عطف!
عندها، استشاط اتحاد الناشرين المصريين، برئاسة الأستاذ فريد زهران، غيظًا. فنزل البيان الأول. ثم ردت الدار ببيان هادئ جميل. ثم رد الاتحاد ببيان أكثر غضبًا. ثم ردت الدار... حسنًا، نحن نتحدث عن أربعة بيانات فقط، لكن الأجواء لا تزال ملتهبة كأننا في غرفة مغلقة يختنق فيها خمسون ناشرًا وموظف حكومي واحد.
ما قاله الاتحاد (وأنا أتفق معه بنسبة 95%)
أولًا، القرار اتخذ دون أي تشاور معهم. صفر تشاور. صفر إعلان مسبق. فجأة وجدوا أنفسهم أمام قرار يمس جوهر عملهم، وما من أحد سألهم. تخيل أن يصدر قرار بتغيير شكل رخصة القيادة دون أن يسأل السائقون؟ لا، لا تقارن؛ فالسائق لا يخشى على سيارته أن تسرق بضغطة زر، أما الناشر فيخاف على روحه.
ثانيًا، والأهم: خطر الوورد. يقول الاتحاد، بحق: "الملف القابل للتعديل والنسخ هو بمثابة دعوة مفتوحة للسرقة الأدبية". وماذا لو تسربت هذه الملفات من دار الكتب؟ أو من جهة أخرى؟ أو من موظف تعصف به أزمة مالية، فعرض على مؤلف ناشئ أن يبيع له رواية بعشرين ألف جنيه؟ نحن في مصر، والمواطن المصري صار خبيرًا في الـ"باك أب" والـ"نسخ الاحتياطي"، بمعناهما غير القانوني.
ثالثًا، هذا إجراء بيروقراطي كان قد أُلغي منذ عام 2017؛ أي في عصر ترامب الأول، كانوا قد اكتشفوا خطأ هذه الفكرة وألغوها. والآن، في عصر الذكاء الاصطناعي وChatGPT، نعيد إحياءها؟ منطق عجيب.
رابعًا، اتهم الاتحاد الدار بتهميش دوره القانوني، وهو دور واضح في قانون النشر المصري: فالاتحاد هو الممثل الشرعي للناشرين، وهو أشبه بالنقابة، وأي قرار يمسهم يجب أن يستطلع رأيهم. لم يحدث.
خامسًا، رفعوا الأمر إلى وزيرة الثقافة الدكتورة جيهان زكي، وطالبوا بالإلغاء الفوري. ومعهم النائبة الدكتورة ضحى عاصي، أمين سر لجنة الإعلام والثقافة والآثار، التي تقدمت بطلب إحاطة عاجل إلى مجلس النواب.
وهنا تتسع دائرة المشهد، لدينا الآن دار الكتب، واتحاد الناشرين، ووزارة ثقافة، ولجنة برلمانية، ونواب، ووزيرة، وجميعهم في حالة استنفار قصوى... حول ملف وورد!
ماذا قال الاتحاد أيضًا عن الإيداع والرقابة؟
وهنا الجزء العميق يا صديقي، الذي يجعلك تدرك أن القصة أكبر من مجرد شخصين يتشاجران حول صيغة ملف.
قال الاتحاد إن الإيداع في الأساس هو مجرد "إثبات نسبة النص إلى كاتبه"، أشبه بشهادة ميلاد أدبية. وهو إجراء ليس رقابيًا. ومصر موقعة على اتفاقيات دولية تمنع الرقابة المسبقة على الكتب، وقد صادقت على ذلك. وفي الدستور المصري نفسه، الرقابة على الكتب لا تكون إلا بعد النشر، إذا تضرر المجتمع من المحتوى، ووفق إجراءات قضائية واضحة، لا قبل النشر. فإذا طلبت مني الدار أن أرسل لها الكتاب بصيغة قابلة للتعديل قبل الطباعة، فقد حولت الإجراء من إيداع إلى مراجعة مسبقة. قد تكون هذه المراجعة بريئة في نيتها، لكنها في التطبيق تتحول إلى رقابة.
ناهيك عن أن الاتحاد حذر من أن هذا القرار قد يؤدي إلى خروج مصر من الاتحاد الدولي لجمعيات ومؤسسات المكتبات (IFLA)، الذي كنا أعضاء مؤسسين فيه. تخيل.. كنا معهم من البداية، ننادي بحرية المعلومات وتدفق المعرفة، ثم نأتي اليوم بنظام يجبر الناشرين على تسليم مفاتيح مملكتهم قبل أن يبنوها. هذا بالضبط ما وصفه الاتحاد بأنه "خطوة إلى الوراء"، قد تخرجنا أو تطردنا من هذا المحفل الدولي.
ماذا قال بعض الكتاب؟
بعض الكتاب، وهم في العادة لا يتفقون على لون السماء، اتفقوا هذه المرة على أن القرار غير دستوري. الكاتب الكبير سلم سنين من عمره، وليالي من الأرق، وفكرة حملها تسعة أشهر ثم ولدها على الورق. وأخيرًا، حين يذهب ليودعها للناشر ويحلم أنها ستصبح كتابًا حقيقيًا... يكتشف أن دار الكتب تريد الملف الأصلي القابل للتعديل قبل أن يدخل إلى المطبعة! لماذا؟ لأي غرض؟
قال كاتب ساخرًا على فيسبوك: "يعني أنا ككاتب ممكن أصحى ألاقي روايتي منشورة على موقع اسمه 'قصص وردية' باسم شخص آخر، ويقول: أنا اللي كتبتها، وهات إثباتك. وأنا سلمت الملف لدار الكتب. من يضمن لي أن الدار لا تسرب؟ لا أحد. الثقة معدومة". وقال آخر: "التحول الرقمي مهم، لكن ليس بهذه الطريقة. كان يمكن عمل منصة آمنة، أو إرسال ملف PDF محمي بكلمة سر، أو أي شيء آخر، لكن ليس الـWord العاري كما نرسل سيرة ذاتية لشركة".
وأين الفنانون من كل هذا؟
والآن، نصل إلى المفارقة الأكبر، التي جعلتني أكتب هذا المقال أساسًا بينما لا تزال رقبتي تؤلمني. قبل يومين، أو يوم واحد، اجتمع زمرة من الفنانين في البرلمان، وكانت لهم جلسة مطولة، وكانوا غاضبين، ولهم الحق في الغضب. فموضوع "حق الأداء العلني" للأعمال الفنية التي تعرض على منصات المشاهدة قضية شائكة، والفنان المصري لا يحصل على مستحقاته كاملة حين يعرض فيلمه على إحدى المنصات الرقمية. فاجتمعوا، وتحدثوا كثيرًا. ولم يتحدث أحد عن الفيلم. عن ذلك العمل الضخم الذي انقسم عليه المشاهدون بين مؤيد ومعارض، لكن الحقيقة التي لا تقبل الجدل أنه يعيد كتابة تاريخ مصر بوقاحة.
الفيلم الذي يريد أن يقنع جيل الألفية وجيل Z بأن السود في مصر كانوا مهمشين ومضطهدين كما كانوا في أمريكا في ستينيات القرن الماضي. الفيلم الذي يخلق "حقوق سود" على الطريقة الأمريكية في بلد عاش فيه السود أحرارًا، وزراء وقادة وجنودًا، منذ أيام محمد علي باشا وحتى الآن. لا أحد في البرلمان انتبه. لا أحد رفع صوته. الجميع مشغول بـ"رقم الإيداع"، و"ملف الوورد"، و"حقوق العرض المباشر"، وبعضهم مشغول بمعركة الكراسي في النقابات.
أما الفيلم الذي يمس تاريخ مصر ووحدة نسيجها الاجتماعي، ويحاول أن يدخل صراعًا عرقيًا مصنوعًا بالكامل في بلد لم يعرف العنصرية بالمعنى الأمريكي قط، فقد مر مرور الكرام. كأن أحدًا لم يشاهده. كأن المخرج أمسك بعصا سحرية، فجعل كل النقاد والسياسيين والفنانين ينسونه فجأة.
في النهاية، أنا مع الناشرين في خوفهم على الملكية الفكرية. وأتفهم رفضهم تقديم ملف وورد سهل الاختراق. وأتفهم أن الدار ربما نوت خيرًا بطلب النسخة الرقمية لأجل رقمنة الإيداع ومواكبة العصر.
لكن الطريقة كارثية، والتوقيت كارثي، وعدم التشاور هو الجريمة الحقيقية هنا. ولكن، وبصراحة شديدة، أنا حزين مثل الناشرين، لكن لسبب مختلف، الناشر حزين على وورد، وأنا حزين على التاريخ. الناشر خائف على كتبه من السرقة، وأنا خائف على هويتنا من التشويه. الناشر يريد أن يلغوا القرار 198، وأنا أريد أن أُلغي فيلمًا واحدًا من الذاكرة الجمعية، لكن لا أستطيع. الجميع في ساحة المعركة، والفنانون في ساحة أخرى، ومصر كلها في ساحة ثالثة، وكل ساحة تنادي: "أنا المظلوم". لكن أين العقل؟ وأين الأولويات؟
أما كتاب الله المجيد، فهو بريء من كل هذا؛ فهو لا يحتاج إلى رقم إيداع لأنه محفوظ في الصدور. لكن كتبنا نحن البشر، من روايات ودواوين ودراسات، تحتاج إلى حماية من السرقات ومن الترهلات البيروقراطية.
الخلاصة: ماذا نريد؟
نريد أن تلغي دار الكتب شرط الـWord فورًا، ثم تجلس مع اتحاد الناشرين لوضع آلية آمنة للإيداع الرقمي باستخدام تقنيات التشفير، وملفات PDF المحمية، وسلاسل الكتل (Blockchain) إن لزم الأمر. نريد أن يتذكر النواب والفنانون ووزارة الثقافة أن تاريخ مصر أغلى من أي قضية فنية أو أدبية. مصر لم تكن يومًا عنصرية، ولا يستطيع أحد أن يثبت العكس بفيلم درامي فارغ.
نريد أن نرتاح... رقبتي تؤلمني من كثرة المتابعة.
***
د. عبد السلام فاروق







