أقلام فكرية
غالب المسعودي: الاستثمار في الجهل
القاسم المشترك بين الرأسمالية والميتافيزيقيا في استغلال الشعوب
تمثل صناعة الجهل وتعبئة بلاهة الجماهير إحدى الركائز الهيكلية الأساسية التي تستند إليها سلطات الهيمنة المعاصرة لإعادة إنتاج أدوات استلاب الوعي البشري وتوجيهه. في هذا السياق المعرفي، يبرز "علم إنتاج التجهيل وصناعة الجهل المعرفي" بوصفه أداة نقدية جذرية لإعادة تعريف مفهوم المعرفة وتفكيك البنى والمؤسسات المنتجة لعدم الفهم والوعي الزائف. إن هذا الحقل المعرفي الهام يطرح سؤالاً مقلقاً ومحورياً حول الكيفية التي يتم بها تصنيع غياب المعرفة وصيانته بصفة مستمرة داخل المجتمعات الحديثة، لا سيما عندما يُستخدم الجهل كأداة استراتيجية مدروسة لخدمة مصالح سياسية واقتصادية لطبقات ونخب متنفذة.
تتعدد أنماط الجهل في المجتمعات المعاصرة وتتمايز؛ حيث نجد الجهل الطبيعي الناجم أساساً عن محدودية الإمكانات المعرفية والأدوات البشرية في مرحلة تاريخية معينة، والجهل الانتقائي القائم على الاستبعاد المتعمد للحقائق والوقائع المعرفية التي لا تتوافق مع التوجهات الأيديولوجية السائدة، وأخيراً وهو الأخطر، الجهل الاستراتيجي الممنهج الذي يُنتج ويُعاد إنتاجه عمداً وبطرق علمية لحماية امتيازات النخب الحاكمة والشركات الرأسمالية الكبرى العابرة للقارات.
يتجلى هذا الجهل الاستراتيجي المنظم في مجالات اجتماعية وحياتية عينية ملموسة؛ مثل الجهل العرقي الهيكلي الذي يعمل عبر أدوات السلطة على طمس وتشويه التاريخ الثقافي والسياسي للأقليات والمستضعفين لترسيخ التفاوت الطبقي والاجتماعي، أو الجهل الطبي الذي تفرض فيه التحيزات الثقافية والمؤسسية والدينية المتزمتة رقابة صارمة على معلومات صحية وعلمية بالغة الأهمية، مثل صحة النساء العامة، والإنجابية، والوعي الغذائي ،والدوائي.
تاريخياً، وظّفت الدول الكبرى والمنظومات الاستعمارية هذا التجهيل لأغراض عسكرية وأمنية عليا، كفرض الرقابة المشددة لعشر سنوات كاملة على البيانات والمكتشفات الخاصة بالصفائح التكتونية وحركة القشور الأرضية بهدف حماية أسرار حرب الغواصات وخرائطها الصامتة خلال فترة الحرب الباردة. أما في السياق السياسي والاجتماعي اليومي، فإن صناعة الجهل ترتكز على أدوات منهجية ومؤسسية بالغة التعقيد، تشمل خلق واجهات ونخب سياسية مصطنعة تفتقر إلى العمق، وتوظيف منصات إعلامية وشبكات تواصل موجهة تبث خطاباً وحيداً ومكرراً ومسطحاً يهدف إلى ترسيخ سرديات السلطة ورأس المال في الأذهان كحقائق مطلقة لا تقبل النقاش.
تعتمد هذه الجهات المتنفذة في تمرير أجنداتها على إثارة مشاعر الخوف الغريزي المستمر من أعداء مفترضين في الداخل أو الخارج، وإلهاء الجمهور العريض بمعارك وهمية وهامشية لا تمس مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية المباشرة، مع وضع معايير استهلاكية مضللة للنجاح الفردي تربطه بالقدرة المادية على الشراء والاقتناء لا بالوعي والمساهمة الإنسانية. ويترافق هذا التجهيل المؤسسي مع تكتيكات لغوية وبيانية تعتمد بالدرجة الأولى على الإثارة العاطفية الفجة والتعميمات الفضفاضة الجوفاء؛ بهدف إخفاء التفاصيل العينية والحقائق الرقمية وتسييد الوهم والجهل المقدس. تعد الحملات الإعلامية المضللة ضد النشطاء السياسيين والمغالطات العلمية والتعتيم المحيط بالأزمات الصحية والبيئية الكبرى، كما حدث في البيئة السياسية خلال جائحة كوفيد-19، نماذج حية وشاخصة على توظيف علم التجهيل لتوجيه الرأي العام، وتفتيت قوى المعارضة النقدية، وضمان تبعية الجماهير العمياء للسلطة الحاكمة.
التفكيك الوجودي للغباء: في مواجهة العقلنة الرقمية والبيروقراطية
يأخذ النقد الفلسفي لظاهرة الغباء وصناعة الوعي الزائف بعداً وجودياً عميقاً في الأطروحات الفلسفية المعاصرة، لا سيما مع الفلاسفة الذين رفضوا معالجة الغباء كخطأ معرفي بسيط أو كأمر عارض يمكن تجاوزه بالتعليم التقليدي، بل نظروا إليه بوصفه بعداً داخلياً أصيلاً وجزءاً من بنية الفكر الإنساني حين يستسلم لوضاعته وعجزه عن تفكيك الاختلاف وخلق المفاهيم الحرة. فالخطأ، في العرف الفلسفي، هو خلل خارجي طارئ يسهل تصحيحه وتجاوزه عبر ضخ المعلومات الصحيحة وتوفير البيانات، بينما الغباء البنيوي هو عائق متجذر يجعل الفكر عاجزاً عن التمييز بين ما هو جوهري ومصيري وبين ما هو هامشي وزائل. ومع ذلك، يمثل الغباء في الوقت نفسه الشرط الوجودي القاسي الذي يصدم الفكر ويهز جموده، ويدفعه رغماً عنه إلى ممارسة التفكير الحقيقي لتجاوز مأزقه.
التواطؤ البنيوي بين المنهج الميتافيزيقي وصنمية السلعة
يتقاطع هذا التحليل الفلسفي للتجهيل وصناعة الغباء مع مواجهة منهجية وفكرية عتيقة وجوهرية في تاريخ الفلسفة بين المنهج الميتافيزيقي السكوني والمنهج الجدلي الحي. ينظر المنهج الميتافيزيقي الكلاسيكي إلى الأشياء، والظواهر، والمفاهيم بوصفها كيانات ثابتة، جامدة، معزولة، ومستقلة تماماً عن سياقاتها التفاعلية والتاريخية؛ وهو المنطق التجزيئي الذي يتجلى بوضوح في الفلسفة العقلانية الكلاسيكية التي عزل فيها الفلاسفة الذات المفكرة والوعي الروحي عزلاً تاماً عن الامتداد المادي والجسد الفيزيائي. إن هذا المنظور السكوني والتجزيئي يخدم بنيوياً ووظيفياً المنظومة الرأسمالية التي تسعى بكل أدواتها لتقسيم الواقع الاجتماعي والعمل البشري، وعزلهما عن شروطهما المادية والطبقية الحية، مغذيةً بذلك حالة الاغتراب الإنساني الكلي من خلال الفصل الحاد والتعسفي بين القيمة التبادلية للسلع في السوق وقيمتها الاستعمالية الحقيقية في حياة البشر.
يعد مفهوم الصنمية والتقديس الأعمى حيزاً معرفياً ممتازاً لتفكيك هذا التواطؤ البنيوي بين التجريد الفكري الميتافيزيقي والاستلاب المادي المعاش. فبينما يرى بعض فلاسفة التنوير الكلاسيكيين الصنمية بوصفها مجرد موقف سحري وبائس لعقول بدائية تقوم على صناعة الأوثان المادية وإشباع رغبة اللذة المباشرة بدلاً من السمو الأخلاقي العقلاني، يرى الفلاسفة المثاليون اللاحقون الصنمية كإسقاط ذاتي منحرف يمنح الموضوع الخارجي استقلالية زائفة وصورة قدسية ليست في حقيقتها سوى انعكاس لأهواء الذات ومخاوفها الداخلية غير المحلولة.
يأتي النقد الفلسفي والاقتصادي المادي ليزاوج بين هذه الرؤى المعرفية وبين الواقع الاقتصادي الملموس عبر مفهوم "صنمية السلعة"؛ حيث يبرهن التحليل النقدي لرأس المال على أن السلعة في مجتمع التبادل الرأسمالي تفقد طابعها الإنساني البسيط كمنتج للعمل البشري المتعين، وتتحول بفعل آليات السوق والتجهيل إلى صنم لاهوتي ميتافيزيقي غامض ومقدس، تغيب فيه العلاقات الاجتماعية المباشرة والروابط الإنسانية بين المنتجين الحقيقيين، وتتحول بدلاً من ذلك إلى علاقات مادية مبهمة ومغتربة بين الأشياء، والأسعار، والسيولة النقدية الشبحية.
الاستثمار العملي في بلاهة الجماهير
يتجلى هذا البناء الميتافيزيقي واللاهوتي المعقد لصناعة الجهل والغباء البنيوي في صورة استثمار عملي وديناميكية سلوكية يومية تحكم أسواق المال، والشركات، واللعبة السياسية الانتخابية المعاصرة. ففي الأسواق المالية والمجالات الاستهلاكية، تشكل السيكولوجيا السلوكية وقوانين الغباء البشري محركات أساسية ودينامو يعتمد عليه المضاربون والنخب الاقتصادية لضمان تدفق الأرباح. وتشير هذه القوانين الاجتماعية والتحليلات السلوكية إلى حقائق صادمة:
أولاً، أن الجميع بلا استثناء يسيء تقدير أعداد الأفراد المستعدين للانسياق الأعمى خلف الوهم والجهل في الواقع اليومي.
ثانياً، أن الغباء والتسطيح صفة بنيوية وسلوكية مستقلة تماماً عن السمات الفكرية الأخرى أو الطبقة الاجتماعية والشهادات الأكاديمية.
ثالثاً، أن الشخص المستلب الذي يعمل بجهل وتوجيه خارجي هو الأكثر خطورة لتسببه في تدمير ممتلكات وحقوق ومستقبل الآخرين والمجتمع دون تحقيق أي مكسب ذاتي حقيقي لنفسه، بينما يميل الأفراد العقلانيون دوماً وبشكل خاطئ إلى الاستخفاف بالقوة التدميرية الهائلة للجهل البشري المنظم ولا يحسبون لها حساباً كافياً.
يعمل "التحيز التأكيدي السلوكي" كوقود نفسي جبار للدورات الاستثمارية والاستهلاكية المتلاحقة؛ حيث يبحث المستهلكون والأفراد فقط وبصفة مستمرة عن السرديات والإعلانات التي تدعم أوهامهم الاستهلاكية وتؤكد مكانتهم الاجتماعية الزائفة، معتقدين بيقين أعمى بحتمية نجاة الأسواق الدائمة واستمرار الرخاء وهم يتجهون نحو الأزمات الاقتصادية الدورية بوعي مغيب.
من جهة أخرى، يبرز استعراض الجهل والتظاهر بالبلاهة والسطحية من قبل القوى المتنفذة كاستراتيجية مناورة سياسية وعسكرية بالغة الذكاء والدهاء في صراعات القوة والهيمنة. إذ يتيح إخفاء النيات الحقيقية والتظاهر بالطاعة العمياء للمنظومة الدولية، أو ادعاء الجهل بالحقائق والوقائع الصلبة، تحييد يقظة الخصوم والشعوب ودفعهم لإلقاء دروعهم الدفاعية الفكرية والمادية، مما يضمن للنخب المتنفذة عنصر المفاجأة الاستراتيجية وإحكام الهيمنة الكاملة عند لحظة الصفر.
تتجلى هذه الديناميكية السلوكية والنفسية بوضوح تام وكارثي في المشهد السياسي الانتخابي للشعوب والمجتمعات الحديثة؛ حيث تتخلى الأحزاب الكبرى والائتلافات والنخب السياسية الحاكمة تماماً عن دورها التاريخي والاجتماعي المفترض والمتمثل في رفع وعي المواطنين، وتثقيفهم سياسياً، وتمليكهم الحقائق الاقتصادية والاجتماعية. وبدلاً من ذلك، تعتمد هذه النخب كلياً على الاستثمار الممنهج في المنسوب المتاح والوفير من بلاهة الجماهير وعواطفها البدائية. وتصبح الساحة السياسية والانتخابية حافلة بسوق تجاري كبير لبيع الأوهام المغشوشة، والشعارات القومية أو الطائفية الجوفاء، والمشاريع الاقتصادية المستحيلة التي تناسب مستويات الجهل السائد وتدغدغ مشاعر الخوف والجهل المقدس.
كما وتستغل الأنظمة السياسية العتيقة والنيوليبرالية هذه الآليات السلوكية النفسية بدقة متناهية للحصول على شرعية انتخابية ديمقراطية زائفة وشكلية، تعيدها مرة بعد أخرى إلى سدة الحكم والسلطة بأصوات الجماهير المستلبة نفسها. إنها الجماهير التي يعاد سوقها وتوجيهها بآلات الإعلام وصناعة الجهل نحو صناديق الاقتراع؛ لتنتخب مجدداً وبمحض إرادتها المزيفة الوجوه البيروقراطية نفسها ورعاة رأس المال الذين تسببوا تاريخياً وفي الواقع في جوعها، وتفقيرها، وتشريدها، وإلغاء مستقبل أجيالها، في حلقة مفرغة تجسد الانتصار الأكبر للاستثمار في الجهل.
***
غالب المسعودي







