أقلام ثقافية
احمد عابر: بعد الفشل.. المعاينة الأخيرة
(فإنكم لو عاينتم ما عاين من مات منكم... لشغلكم عن دنياكم).. الإمام علي بن أبي طالب
في هذا القول ما يتجاوز الحكمة إلى هاوية. فهو لا يوبخ الإنسان لأنه يجهل بل لأنه يمر على الهاوية كأنها منظر عابر. لا يقول لو سمعتم ولا لو تخيلتم بل لو عاينتم. كأن الحقيقة لا تبدأ إلا حين تسقط المسافة بين العين والحق. وهذا بالضبط ما يفعله فاسيلي فيريشاغين في لوحته بعد الفشل سنة ١٨٦٨. اللوحة جزء من مجموعة لوحات تروي ما عاينه حين شهد حروب الأمبراطورية الروسية في آسيا الصغرى. هنا في هذا المشهد لا نرى سمرقند و هو هنا لا يروي الحرب بل يوقفنا بعد انقضائها مباشرة في اللحظة التي يفترض أن تكون أكثر اللحظات قدرة على الكشف... واللحظة ربما هي كذلك...فإذا بها أكثر اللحظات عريا وصمتا.
ليست عبقرية اللوحة في موضوعها وحده بل في أنها تختار ما بعد الفعل لا الفعل نفسه. الرسام لا يذهب إلى ذروة الاشتباك بل إلى ما يراه الناس أقل أهمية.
اللحظة التي تصير فيها الكارثة معتادة على نفسها. الأجساد مبعثرة بثيابها الحمراء وعمائمها البيضاء كأنها بقايا معنى لم يحتمل الواقع اكتماله. السور الطيني لا يحاصر المكان فقط بل يحاصر النظر أيضا والسماء الشحيحة لا تفتح أفقا بل تزيد الاختناق كثافة. هنا لا يعود الموت حادثة بل مناخا يخيم على اللوحة كلها. والخطر في هذا كله أن الخراب حين يطول لا يعود استثناء بل يصبح صورة للعالم كما ينبغي أن يكون.
وما يجعل اللوحة أكثر قسوة أن مركزها ليس القتلى بالضرورة بل الأحياء او من نظنهم أحياء. الجندي الواقف لا يصرخ ولا يطعن ولا يهرب...هو يدخن. وهذه الحركة الصغيرة الهادئة هي نقطة المفارقة الفنية. لم يرسم فيريشاغين وحشا بل رسم إنسانا عاديا فقد حساسية النظر. هذا اجده أشد إزعاجا من أي وحش لأن الوحش يعلن نفسه أما الإنسان الذي تعود فهو يختفي داخل العادة حتى يظن نفسه بريئا. كأن الرسام يقول إن الكارثة لا تكمن في القتل وحده بل في اللحظة التي يصير فيها الدم و الجثث جزءا روتينيا من المشهد. الدخان في المقابل جزء من الطمأنينة والوقوف فوق الموت أمر لا يستفز أحدا.
يقول المتنبي في احد قصائده الشهيرة...
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله
وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
هذا البيت لا يفسر اللوحة من خارجها بل يكشف قانونها الخفي. الجندي هو مثال ذلك الذي ينعم في قلب الشقاوة لا لأنه انتصر بل لأنه كف عن الشقاء بالفهم. والنقطة الأشد على الفهم هنا ليست الجهل بل الطمأنينة التي يصنعها الجهل لنفسه. فالمأساة لا تبدأ عندما يجهل الإنسان بل عندما يتصالح مع جهله حتى يصبح الخراب خلفية صامتة لحياته. واللوحة لا تسأل من الذي مات بل من الذي لم يعد يشعر وهو السؤال الأشد وطأة لأنه لا يوجه إلى الجندي وحده بل إلى كل عين تستطيع أن ترى ولا تتغير.
وحين نعود في النهاية إلى قول الأمام علي... ربما السؤال هنا... ماذا فعلت بك المعاينة؟ هل شغلتك عن دنياك أم رفعت عينيك وأغلقت الصفحة ومضيت؟ علي ابن ابي طالب لم يقل إن المعاينة تغير قال إنها تشغل وذلك الثقل الضروري يعني أن ما رأيته دخل فيك ولم يعد خارجك. الجندي في اللوحة لا يحمل ثقلا. دخانه يتصاعد خفيفا بشكل لا يطاق وكأن العالم كله يمكن أن يختزل في هذه الخفة المريعة.
***
د. احمد عابر







