عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

جمال العتّابي: مدينة الحرية عمارة إنسانية.. مقهى أبو خالد

عند خط التماس بين دور الشؤون وحي البستان من مدينة الحرية، كانت تقع "مقهى أبو خالد". مقهى صغيرة يعرفها الجميع، لم تكن تتباهى بواجهاتها أو أثاثها، بل كانت تشبه روادها، متواضعة، مساحة ضيقة، ازدحمت بالقنفات الخشبية العتيقة المفروشة بالحصران المصنوعة من سعف النخيل، كانت تكفي بأن تؤوينا لساعات طويلة في كل الأوقات، بين القنفات توزعت كراسٍ حديدية ملساء بلون داكن كأنها تحفظ أسماء الجالسين عليها.

الهواء ثقيل داخل المقهى، دخان السگائر لا يصعد إلى السقف، بل يظل معلقاً فوق الرؤوس كسحابة واطئة تمتزج فيها رائحة الشاي الساخن ورطوبة الحصران، وأنفاس الرجال المتعبة بعد يوم شاق من العمل.

المقهى تستقبل الموظفين الصغار، المعلمين، الجنود في إجازاتهم القصيرة، العمال الذين يقتنصون ساعة راحة، والعاطلين عن العمل الذين صار الوقت عندهم أوسع من الأحلام، والمتسكعين الذين وجدوا في المقهى وطناً مؤقتاً لا يطالبهم بشيء سوى ثمن استكان شاي. الطاولات الخشبية العتيقة تضج بأحجار الدومينو وهي ترتطم بقوة، فيما تتعالى أصوات النرد في صندوق الطاولي، كأنها تعلن انتصاراً صغيراً يعوض خسائر الحياة الكبيرة. بعضها تمثل في تسفير روادها من الكرد الفيليين في سنوات التسفير الجائرة، أغلبهم كانوا أصدقاءً أعزاء لنا: جاسم چوبه، منير، رزاق شاشي، صباح كردي، اللاعب الفذ إبراهيم كردي، رستم عطا الله.

كنا فئة مختلفة قليلاً. شباباً نحمل الكتب، طلاب جامعة وإعدادية، نقرأ ونتحاور، بعضنا سجّل محاولته الأولى في كتابة قصة أو قصيدة أو مقالة. كان رواد المقهى ينظرون إلينا بشيء من الاحترام الغامض، يشاركنا الطاولة أحياناً مفوض المرور حميد لازم، ذات مساء، كان ينظر بدهشة لرواية الكاتب الأمريكي "ملفل"، موبي ديك، يقلب أوراقها، يتأمل غلافها. كان الصديق أحمد خلف قد وضعها على الطاولة بصفحاتها التي تتجاوز الستمئة، كان الزمن، نهاية الستينيات، وعيون لازم توحي بكلام يريد أن يقوله لأحمد، فنطق:

ـ أخي أحمد: لو بدأت بقراءة هذا الكتاب الآن، فلن أنتهي منه إلا عام 1980، فضجّ الجالسون بالضحك. بينما أعاد أحمد الرواية إلى حجره مبتسماً.

كانت تلك العبارة تكشف المسافة الوديعة بين عالمين، كان حميد وأشقاؤه يرون الحياة في ملاعب كرة القدم، فأغلب الأخوة يلعبون في منتخبات محلية، شأنهم شأن الصديق حميد جبر وأشقاؤه. أولئك كانوا من شباب الحي الأنيقين، تجمعهم الوسامة، وعشق الكرة، وجوه مشرقة طافحة بالأمل، ملامح تحمل براءة ذلك الزمن، يمثلون جيلاً جميلاً لا يعرف التعصب، ولا الجفاء. حين استعيد تلك الوجوه، لا أتذكر أسماءهم وحدها، بل أتذكر زمناً كان فيه الجمال يقترن بالفتوة وحسن التربية والأخلاق الرفيعة، لم أتعرف وقتها على شقيق حميد ـ الدكتور فيما بعد ـ الفنان المسرحي عزيز جبر الساعدي. كانت المقهى أكثر نقاءً وقدرة على أن تتحول إلى وطن صغير للجميع.2992 cafee

ثم وقعت هزيمة الخامس من حزيران سنة 1967.

كانت الحدث زلزالاً ضرب أرواح الناس. التحم الضجيج بالحزن والخيبات، يا هولها خسائر "الأمة العربية"، تغيرت الأغاني، وامتلأت نشرات الأخبار ببيانات الغضب، وأصبحت فلسطين حاضرة في كل حديث، حتى في أكثر المقاهي شعبية. اندفع شباب العراق بعاطفة جياشة نحو العمل الفدائي، وكأنهم يريدون أن يغسلوا عار الهزيمة بدمائهم. كانت أسماء الفصائل تتردد كما تتردد أسماء الأبطال في السير القديمة، وصارت أجهزة الراديو تبث الأناشيد الحماسية: يا أهلاً بالمعارك... ويلك يللي تعادينا ياويلك ويللللللل.. حنّا للسيف.. للسيف، حنّا للضيف !! ثم تقطعها فجأة بيانات عسكرية، أو نداءات غامضة تُلقى بلغة الشفرات.

في تلك الأيام كان ستار أكثر روّاد المقهى إثارة للانتباه.

شاب أسمر، رياضي طويل القامة، مفتول العضلات، منحوت القسمات كأنه خرج لتوّه من ملصق دعائي عن الفدائيين، يقضي معظم نهاره في المقهى، غارقاً في لعبة الطاولي. إذا نظرت إليه من بعيد خلت أنه مقاتل عاد لتوّه من جبهات القتال، أما إذا جلست إليه قليلاً أدركت أنه يعيش حلماً لم يستطع تحقيقه. وحياة أخرى في خياله

كلما انطلقت من المذياع أناشيد الثورة الفلسطينية، رفع رأسه في اعتداد. وإذا انقطع الغناء فجأة ليأتي صوت المذيع معلناً نداءً مشفراً:

"س + ص = 2356… تحت الجذر التربيعي، يسلم على مازن الترمذي".

ساد الصمت في المقهى لحظات.

كان ستار وحده من تتغير سحنة وجهه، يحدّق في الراديو بعينين متسعتين، يصغي كأن حياته معلقة بالنبرة الأخيرة، ثم إذا أعاد المذيع النداء، أغلق صندوق الطاولي بسرعة، فدوّى صوته الخشبي في المقهى لتلتفت إليه الرؤوس، ينهض قافزاً من مكانه، مشدود القامة وهو يصيح بثقة لا تعرف التردد:

"هذا النداء إليّ… لازم ألتحق بالجبهة"

ثم غادر مسرعاً، مخلفاً وراءه غباراً من الدهشة، يختفي لبضعة أيام، ثم يعود. يدخل المقهى مرفوع الرأس، تتقدمه ابتسامة المنتصر، كأن المعارك تنتظره وحده. نسأله:

ـ غبت طويلاً يا ستار؟

فيجيب بلا تردد:

ـ رحت نفذت عملية فدائية… ورجعت.

ثم يطلب استكان شاي، ويجلس إلى رقعة الطاولي،

لم يكن ستار مدعياً، بل كان ضحية زمن امتلأ بالشعارات الكبرى. كان يريد أن يكون بطلاً، لكن البطولة كانت بعيدة، لم يكن يملك سوى جسد يشبه أجساد المقاتلين، وخيال أوسع من حياته. وحين عجز الواقع عن منحه الدور الذي تمنّاه، كتبه لنفسه، ومثّله بإخلاص أمام جمهور يعرف الحقيقة، لكنه لم يشأ أن ينتزع منه حلمه الوحيد.

الصديق ستار، ذلك الشاب الذي كان يهرع كلما سمع نداءً مجهولاً في الراديو، مؤمناً، أو متظاهراً بالإيمان، أن الشفرة لا تنادي أحداً سواه.

ربما كانت تناديه فعلاً…لا إلى جبهة القتال، بل إلى جبهة أخرى، أكثر قسوة، يخوضها الإنسان حين يحاول أن ينتصر على هزيمته الشخصية، ولو بالخيال.

ويجعل من ستار رمزاً لجيل كان يبحث عن بطولة تعيد إليه كرامته.

ستار، شخصية رائعة خلقاً وأدباً، لديه اعتزاز بانتمائه الأسري والوطني، وهو شخصية تراجيدية في ذات الوقت. إنه ابن جيل كان يتمنى أن يجد طريقه بتوق صادق نحو البطولة. ورغبة جارفة في أن يكون له نصيب في غسل عار الهزيمة بعد نكسة حزيران، كان الشباب يعيشون حالة من الحماسة يسكنهم الخيال والاندفاع البريء. بعضهم قاتل فعلاً، وبعضهم قاتل في مخيلته. وستار ينتمي إلى الفئتين، بعد كل هذه السنين، صرت أعتقد أن الشفرة كانت تبحث عن رجل اسمه ستار، لا ليقاتل في فلسطين، بل ليمنحه الزمن، ولو لدقائق، البطولة التي ضنّ بها عليه الواقع.

هؤلاء هم الذين يصنعون الذاكرة الحقيقية للأمكنة

***

جمال العتّابي

في المثقف اليوم