عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

مجدي إبراهيم: قيمٌ من وجودنا الروحي

تتجسد فلسفة الوجود في أعمق تجلياتها حين تلتحم القيم بالآفاق الروحية للإنسان، وهي تجربة لم تعد بالنسبة لي مجرد ترف فكري، بل هي الرسالة الأسمى التي نذرت لها القلم والجهد؛ رسالة تسعى لاستعادة أصالة الكينونة وسط عالم يموج بالماديات. وفي قلب هذا الوجود الروحي، يتجلى التوحيد ليس فقط كعقيدة مًجردة، بل كحالة روحية ممتدة تنعكس على النفس طمأنينة واتساقاً، وقيمة معرفيّة عليا تمنح العقل ميزاناً مطلقاً لتفسير الوجود والغاية منه.

غير أن السير في هذا الطريق يكشف عن فجوات حادة استشعرتُ وطأتها في واقعنِا المعاصر؛ من حيث نقف اليوم أمام قيمٍ من اللغة ساقطة، تبدلت دلالاتها واغتربت ألفاظها الشريفة في سياقات التشويه.

ولعل أخطر مظاهر هذا الاغتراب الروحي هو غياب قيمة الصدق، الذي لم يعد مجرد فضيلة أخلاقية مفقودة، بل أصبح غيابه حجاباً كثيفاً يحول بين الإنسان ومعرفة حقيقته الأصليّة، حقيقة نفسه وحقيقة خالقه.

وأمام هذا الشتات الممزق، تبرز الحاجة الملحة إلى إحياء فلسفة المثل الأعلى، ذلك النموذج المتسامي الذي يحرك الوجدان ويوجه السلوك؛ ليكون المنار الذي يربط الأرض بالسماء، ويعيد للقيم مركزيتها في صياغة الوجود الروحي للإنسان على التعميم:

وتتضمن المقالة العناصر الآتية:

(1) الرسالة

(2) التوحيد.. كحالة روحية وقيمة معرفية

(3) قيم من اللغة ساقطة

(4) غياب قيمة الصدق

(5) فلسفة المثل الأعلى

ــ الرسالة:

في أواخر سنة 1995م، وبعد حصولي على الدكتوراة، قضيت بعدها مباشرة سنوات مشغولاً بالفكرة العلويّة وبقيم الوجود الروحي، وكتبت إذْ ذاك أكداساً لا حصر لها من الأوراق، ونشرت كثيراً من المقالات في المحروسة، بالأهرام المسائي والوفد ومجلة التصوف الإسلامي بالقاهرة، وكل ما هو كان متاحاً أمامي للنشر، لا أفرغ من فكرة إلا ويعقبها الشروع في أخرى.

كنت أقرأ كثيراً وأكتب ولا أتعب لا من ناحية الجسد ولا من ناحية النظر. كانت الكتابة بالنسبة لي متعة لا تدانيها متعة ونشاطاً يوقظ النفس من سُباتها العميق ويشعل العقل بنور المعرفة. إذ ذاك نشرت كثيراً من المقالات المطولة والدراسات المعمقة منها ما هو  نشر كاملاً فاحتفظت به بعد نشره، ومنها ما نشر بسبب المساحة مبتوراً، ومع ذلك كنت أحتفظ بالأصول وأحياناً بالمسودات.

كان الشغل الشاغل عندي هو فكرة الدفاع عن "القيم"، وكانت هي الفكرة الجامعة الشائعة في كل ما أردت أن أقوله مضمراً وغير مضمر، وبخاصّةِ تلك القيم التي يفرضها علينا الوجود الروحي. هذا الوجود الذي نلمسه عن قرب في ميادين الحياة الروحيّة، ولا يعني إيماننا بقيم الوجود الروحي أننا ننكر العالم المادي بما فيه ومن فيه، أو أننا لا نؤمن به؛ فذلك فضلاً عن كونه سذاجة ظاهرة هو أيضاً ممّا لم يخطر لنا على بال؛ إذ ليس في الأمر ثمة تناقض بين ضرورات العالم المادي ومطالب العالم الروحي، ولكنهما في سياق الوجود عالمان متكاملان ولا يعني تكاملهما إنهما يوجدان فرائض التناقض كأنهما عالمان منفصلان في فضاءين منعزلين.

العالم المادي ممّا لا شك فيه مظهر من مظاهر الحياة الروحيّة، وكل إيغال في مطالبه يؤكد وجود هذه الحقيقة على وجه من الوجوه، لكن الإقبال عليه والانصراف كل الانصراف له، بغير إدراك هذا الوجه هو المرفوض؛ فالإيغال الأجوف في ضرورات المادة يعوق النظر حتماً إلى مطالب الروح ولا يتيح الفرصة سانحة أمام العقل والضمير والبصيرة الهادية إلى إدراك الوجه الأمثل في البقاء على مثل هذا التكامل بين ما هو مادي وما هو روحي؛ فلا بدّ ممّا ليس منه بُد: من تكامل يؤدي إلى تعادل في موازين الحقائق، وفي إدراك الحقائق، وفي فهم حقائق الأشياء.

سيجد القاري في اصطلاح الوجود الروحي مناط القيم فكرة ضخمة مطروقة من جانبنا عمداً وقصداً في ثقافتنا الروحيّة.

ولعل السبب في هذا هو: أن كل ما كتبته من قضايا وآراء ومحاور ومباحث إنّما هو في سبيل هذه القضية الكبرى، أعني الوجود الروحي، فمن الوجود الروحي نبدأ وإلى الوجود الروحي نعود. وليس علينا من غضاضة ما دامت لنا قضيتنا الكبرى ننطلق منها وإليها نعود، ونراها من قبل ومن بعد، خير تعبير عن إصلاح الإنسان: إصلاحه الفكري والثقافي، وإصلاحه العقلي والوجداني، وإصلاحه الواقعي والحياتي على السواء.

لماذا نشكو أحر الشكوى في كتاباتنا ومؤلفاتنا، وفي صحفنا ومجلاتنا من فساد جربناه؟ ولماذا نشكو أحر الشكوى من أقلامنا الضعيفة، وثقافتنا المترهلة، ولغتنا المبتذلة، ومستوياتنا العلمية الركيكة، وواقعنا العملي والأخلاقي المتردي؟ ولماذا نشكو أحر الشكوى من عوامل القهر والتسلط والتخلف، ولسنا نجد في نفوسنا استنفاراً للهمم العالية تقاوم كل قهر، وتتصدى لكل تسلط، وترهب أسباب التخلف بقيم الحضارة والتقدم؟

لماذا نشكو أحر الشكوى من عوامل التشتت وأسباب التشرذم وقلة الإدراك للوحدة والتوحيد والاتحاد في ضمائرنا وقلوبنا قبل واقعاتنا وأمتنا وأوطاننا؟ لماذا نشكو أحر الشكوى من اهتزاز القيم وفقدان المبادئ وقلة الاكتراث لفعل الإرادة فينا وضوابط الأخلاق؟ لماذا نشكو أمر الشكوى من.. من... من... إلى كثير ممّا لو تعقبناه لاسودت أمامنا صفحات وصفحات؟!

لأننا ببساطة شديدة فقدنا أو كدنا قيم الوجود الروحي الذي من شأنه أن يمدنا بالطلاقة الروحيّة، فتمدنا بدورها بالتحرر من سطحية العلائق والأغيار، وتزيدنا فهماً للحرية التي تتكبر على الضرورة الماديّة، يعلو بمقتضاها الفرد الفذ في معارج الوعي والإدراك لكل القيم العلويّة التي ينتج عنها الآداب والفنون بمقدار ما ينتج عنها كل فضيلة روحية وعقليّة وفكريّة، تصدق بمقدار صدق الفضائل في ضمير الإنسان.

ــ التوحيد.. كحالة روحية وقيمة معرفية:

نعم.. ! إنما نشكو أمرّ الشكوى من بقاء التشتت والتشرذم فينا وفقداننا لتفعيل التوحيد في حياتنا المعرفيّة، بسبب أن قلة افتقار العربي المسلم إلى فهم غريزة التوحيد، لم تجعله يتمكن في ذاته من أن يُفعِّل هذه الغريزة على المستوى العقلي والثقافي ولا على المستوي العملي التطبيقي، غير أنه ينتكص على عقبيه، ويعودُ أدراجه مستغرقاً في التجزيئية المُفرطة، ولم يهيئه توحيده الفطري؛ لأن يجري عليه ممارسته العمليّة والواقعية؛ فأضحى تدينه في كفة، ونشاطه الفكري والثقافي والعملي في كفة أخرى، فجاءت عقليته عقلية فصل ومباعدة لا ربط فيها ولا توحُّد بين أجزائها، وليس بمقدورها أن تصل إلى "الوحدة" التي هى غريزتها الأصيلة المفطورة عليها. لكأنما العربي لم يستطع أن يفهم: ماذا عَسَاها كانت تكون فطرة الوحدانيّة؟

لكأنه لم يستطع بعدُ، لأجل تدينه الساذج البسيط، أن يكوِّن لديه رؤية مُوحَّدة، يجريها على الواقع الفكري والنظري، تماماً كما يجريها على الواقع الفعلي والتطبيقي، كما هى مُقررة قبلاً في الواقع الديني بالفعل، إذْ إن فكرة الرؤية الموحدة تلك، إنما هى فكرة دينية بالأساس، وليس للعقل فضل فيها إلا فضل الشرح والتحليل.

ثم ما معنى أن تكون متديناً بدين التوحيد الذي فطرت عليه تمارسه شكلاً دون أنْ تجريه معرفياً: واقعاً فكريّاً وثقافياً ومعنوياً وروحيّاً؛ ليكون هو عينه مجرى التجربة على المستوى الفعلي والتطبيقي؟

إنما العائق الوحيد أمام العقل العربي يبدو ظاهراً جليّاً في قلة الفهم أو عدمه لفطرة التوحيد، وتعطيل فاعلية الوحدة على صعيد الممارسة السلوكية، ونبذ قوتها واستبدالها بضعف الفرقة والخلاف والتشتت الدائم والاستغراق في التفاصيل والجزئيات؛ لتجيء التجزيئية هى العاملة في واقع أسود مُغرق في المحدوديّة النظريّة والعمليّة؛ الأمر الذي يجعل الباحث يشك كثيراً في أمته العربية والإسلامية: هل هذه بالفعل، والحال كما ترى، أمة تدين بالتوحيد عقيدة وعلماً ونظراً وسلوكاً وممارسة وتطبيقاً؟!

وهى إذا كانت تدين بالتوحيد فعلاً وتقريراً وواقعاً وتفصيلاً، لماذا عزلته عن واقعاتها الحياتية، فلم يسفر إلا عن فرقة وشتات: عزلته عن الواقع الفكري، فلم تستطع أن تتخذه أساساً لمنطلقاتها النظريّة، وعزلته عن الواقع الفعلي، فلم تتحقق من مجرياته التطبيقية، ولم يؤثر قيد أنملة في وقائع تلك المجريات، وعزلته مرة ثالثة عن الواقع الديني، فأنتج واقع الأمة التي تدين بعقيدة التوحيد شكلاً ينقصه المضمون؛ أنتج أصناماً وأوثاناً تُعْبَد من دون الله في أشكال جديدة، وقدَّست المخلوقين بدلاً من تقديس الخالق، وآمنت بالخرافة والتخلف دون الإيمان بالفهم البصير والعقل المستنير، وارتضت بالمذلة والهوان وقلة القيمة في واقعها الأسود لا تملك فيه سوى شعارات الغضب.

ولم لا.. لم يكن هنالك من عجب؟! فإذا لم يكن التوحيدُ معزولاً عن الواقع الديني أصلاً لما أضحى معزولاً كذلك عن الواقع النظري والفكري ثم الواقع الفعلي، الأمر الذي جعل الإيمان الديني لدى المسلم قشرة سطحية تخلو أو تكاد من المضمون العملي، وهو الذي لا نشك لحظة واحدة في أنه ينتج لغة ومدنية وعلماً وفناً وحضارة، ولو كان تدينه بالفعل مرهوناً ببصيرة التذوق الدافعة إلى العمل والإنتاج لربط كل الأشباه والأضداد وصعد بها عارجاً إلى توخِّي الوحدة.

ولكن الواقع الثقافي العربي الحالي يقول لك بأبلغ لسان: إنّ هذه البصيرة الذوقية مفقودة أو تكاد، الأمر الذي أطمع الأغيار فينا حتى دهسونا بأقدم النعال.

ــ قيم من اللغة ساقطة:

وإذا كانت قيمة التوحيد، وهي تُعَد أعلى هرم القيم، تبدو هزيلة في الفعل العربي غير منظور إليها بعين الاعتبار، فما بالك بسائر القيم الأخرى التي تترتب عليها بالضرورة؟

كيف يستطيع شبابنا أن يستلهم قيم الحق والخير والعدالة والجمال في سلوكه وعمله بعد اعتقاده في معطياتها، واستيعابه نظريّاً لمنطلقاتها؟ وماذا عساه يكون الحال في قيم مثل: الدّين والوطن، واللغة، والهويّة؟

خذ على ذلك مثلاً هناك من قريب: ثلاث قيم كبرى سقطت بين شبابنا اليوم، وكلما مرّ بهم الزمن نحو المستقبل يزداد إصرارهم على سقوطها: الوطنيّة، والدين، واللغة.

بالطبع، لن أتكلم هنا لا عن الدين ولا عن الوطنيّة، فالكلام عنهما طويل جداً، ولكن عن اللغة باعتبار مساسها مباشرة بالكتابة والتأليف.

كلما قرأت للأجيال الجديدة وجدت فقدان أهم خاصّة تستند عليها الكتابة التي تؤهل صاحبها لممارسة التأليف والعمل الإبداعي، وهى افتقارهم "لقوة الهضم" والصبر عليها وتربيتها سلفاً في طواياهم الباطنة، فبمقدار "قوة الهضم" يجئ الابتكار مرهوناً بقدرة العقل الهاضمة للأفكار والآراء، وللمباحث ووجهات النظر المختلفة. لا يتأتى الإبداع هكذا ضربة لازب أشبه ما يكون بطفرة عرضيّة لا جهد فيها ولا عناء.

القدرة على الإبداع في الذهن المبدع الخَلاّق موصولة بنسب عريق بقوة الهضم لأفكار السابقين؛ فلا إبداع من فراغ مطلقاً؛ بل إن المبدعين من فراغ لا مكان لهم إلا في مستشفى الأمراض العقلية على حد قول "ول ديورانت" في قصة الحضارة؛ لأنهم حين يبدعون، يبدعون من لا شئ، وبدون خميرة معرفيّة، فيجئ إبداعهم مرضاً عقلياً فيما لو جاز إطلاق وصف الإبداع على إنتاجهم. وما داموا يدركون من ذواتهم أنها تبدع، فهو إدراك موهوم، وهم مع ذلك يفتقرون إلى قوة تحصيلية لآراء الفكر وتوجّهات الرأي من أزمنة الماضي السحيق.

وهكذا؛ يكون شأن الإبداع كله لديهم: من فراغ ليس فيه تحصيل..!

وممّا يسترعي الانتباه حقاً أن الكاتب الفرنسي "بول فاليري" (1871م - 1945م) في كتابه "أشياء مسكوتٌ عنها"، كان قد وقف على هذه الحقيقة التي يعز وجودها ويندر في كتابات الشباب، عندما قال: "لا يوجد شئ أكثر ابتكاراً، ولا أشدّ شخصيّة من أن يتغذى الإنسان من الآخرين، ولكن ينبغي هضم هذا الغذاء والاستفادة منه. فالحق أن الأسد مكوّن من كباش مهضومة، ومتحوّلة إلى أسديّة". والمعنى واضح، وهو أن النحت الكثير في أعمال الآخرين، قبولاً ورفضاً أو عرضاً ونقداً، أو مقارنة وتحليلاً، أو ممّا يُتاح أمام العقل إعمالاً للفكر، يُصقل الشخصية العلميّة بموروث الملكات، ويحفظ لها استقلالها الفكري بعد الصقل والتكوين.

وليس غريباً على "بول فاليري" أن يذكر هذا، وهو يُعد من أبرز الشعراء والكتاب والمفكرين الفرنسيين في القرن العشرين؛ إذ تميزت كتاباته بالعمق الفلسفي والتركيز الشديد على آليات عمل العقل البشري، والوعي، والجماليات. وإذا كان كتابه "أشياء مسكوت عنها" عبارة عن شذرات قِصار وخواطر وتأملات مكثفة من دفاتر مذاكراته اليوميّة الدقيقة؛ فإنه ليدور حول آليات عمل الفكر والوعي، وكيفية عمل العقل البشري والعلاقة المركبة بين الوعي واللا وعي، وفلسفة اللغة والأدب من حيث يتناول قصور الكلمات عن التعبير التام عما عساه يدور في النفس ولا يحتمله مكنون الطرس، والفرق بين الصوت والمعنى في الشعر، وكذلك الفن والجمال وتأملات في طبيعة الإبداع الفني، وجهد الفنان الهادي لإنتاج الأثر الإبداعي، والحياة السياسة والمجتمع، ومفارقات حول اهتمامات النفس البشريّة مع التركيز على الأخلاق والسياسة. ومن أشهر مقولاته التي تبدو كمفارقات: الأمور التي تهمنا نتحدث عنها نادراً؛ فكل ما هو حاضر دائما في الذهن يندر حضوره على الشفاه"!.

(وللحديث بقيّة)

***

بقلم: د. مجدي إبراهيم

في المثقف اليوم