الأجوف اليائي والأجوف الواوي حين يسكن حرف العلة قلبَ الكلمة
اللغة العربية هي بنية محكمة تتعانق فيها الدلالة مع الصيغة، ويتجاور فيها الثبات والتحوّل في علاقة تكشف عن عبقرية الاشتقاق ودقة الميزان الصرفي. ومن المواضع التي تتجلّى فيها هذه الخصوصية ظاهرة (الفعل الأجوف)، ذلك الفعل الذي يتوسّط حرفُ العلة بنيته، فيتعرّض للتحوّل بالحذف أو القلب أو التغيّر الحركي، من غير أن يفقد هويته الصرفية أو ينقطع عن جذره الدلالي.
١- ما الفعل الأجوف؟
الفعل الأجوف هو كل فعل ثلاثيّ مجرّد كانت عينه، أي حرفه الثاني الأصلي، حرفَ علة: الواو أو الياء. وسُمّي أجوف لأن حرف العلة يقع في وسط بنيته، فكأن في جوفه موضعاً يقبل التغيّر وفق قواعد التصريف.
وينقسم الأجوف، بحسب أصل حرف العلة، إلى نوعين:
- (أجوف واوي): مثل قال، وصام، ونام، وخاف.
- (أجوف يائي): مثل باع، وسار، وبات، وعاش.
ولا يُكتفى في تحديد الأصل بالنظر إلى صورة الفعل الماضي وحدها؛ لأن الألف الظاهرة فيه قد تكون منقلبة عن واو أو ياء، ويُستعان على معرفة أصلها بالمضارع أو المصدر أو المشتقات، مع الرجوع إلى المعجم عند الحاجة.
فالألف في (قال) أصلها واو، بدليل «يقول» و«قول»، والألف في «باع» أصلها ياء، بدليل «يبيع» و«بيع». وهكذا تكشف الصيغ المتعاقبة عن أصل قد تخفيه الصورة الظاهرة.
٢- سؤال هام. لماذا تتغيّر صورة الفعل الأجوف؟
تخضع الأفعال المعتلّة لقواعد صرفية تجعل بعض حروفها تتغيّر تبعًا للحركات والبنية الزمنية والصيغة الاشتقاقية. ففي (قال) و(باع) نرى الألف في الماضي، بينما تظهر الواو في (يقول)، والياء في (يبيع). وليس هذا اختلافاً اعتباطيّاً، بل تحوّل تحكمه قوانين صوتية وصرفية مستقرة.
ومن هنا ينبغي التمييز بين "الجذر الصرفي" ، الذي يحمل الأصول الحرفية للكلمة، و"الصورة اللفظية" التي يظهر عليها الفعل في سياق الاستعمال. فالجذر في «قال» هو ق ـ و ـ ل، وفي «باع» هو ب ـ ي ـ ع، أما الألف فصورة ناتجة من الإعلال بالقلب.
وهذه الظاهرة مثال واضح على الإعلال، وهو تغيير يطرأ على حرف العلة بقلبه أو حذفه أو تسكينه، وفق شروط صرفية محددة.
٣- وزن الفعل الأجوف
الميزان الصرفي أداة للكشف عن بنية الكلمة، وأصولها، وما طرأ عليها من زيادة أو حذف أو إعلال. وعند وزن الفعل الأجوف، نردّ حرف العلة إلى أصله حيث يقتضي التحليل الصرفي ذلك، ولا نزن الألف المنقلبة بوصفها حرفًا أصليًّا مستقلًّا عن الواو أو الياء.
وعليه:
- "قال": أصلها قَوَلَ، ووزنها "فَعَلَ".
- "باع:" أصلها بَيَعَ، ووزنها "فَعَلَ" .
- "راح": أصلها رَوَحَ، ووزنها "فَعَلَ".
- "سار": أصلها سَيَرَ، ووزنها "فَعَلَ".
- "نام": أصلها نَوِمَ، ووزنها "فَعِلَ: .
- "خاف": أصلها خَوِفَ، ووزنها "فَعِلَ" .
والتنبيه هنا ضروري: لا يجوز تعميم وزن واحد على جميع الأفعال لمجرّد اشتراكها في صورة الألف الوسطى؛ إذ تختلف الأفعال في أبوابها الصرفية وحركاتها الأصلية. كما أن ردّ الألف إلى أصلها لا يُبنى على التخمين، بل على التصريف والمعجم والقواعد المقررة.
٤- الأجوف في التصريف
تتضح خصائص الفعل الأجوف عند انتقاله من صيغة إلى أخرى. ففي الماضي نقول: قال، وباع؛ وفي المضارع: يقول، ويبيع. وعند إسناد الفعل إلى بعض الضمائر، تتغيّر بنيته وفق أحكام الإعلال.
فنقول:(قالَ الرجلُ)، و(قُلْتُ)، و(يقولُ). ونقول: (باعَ التاجرُ)، و(بِعْتُ)، و(يبيعُ). ونلاحظ أن الألف في الماضي قد تختفي عند الإسناد إلى تاء الفاعل، وتظهر حركة تناسب البنية الجديدة.
وفي الأمر من الأجوف الواوي نقول: (قُلْ)، ومن الأجوف اليائي: (بِعْ). ويُردّ الفعل هنا إلى صيغة أقصر، تتوافق مع أحكام بناء الأمر من المضارع المجزوم، مع مراعاة ما يطرأ على حرف العلة من حذف أو تغيير.
وهكذا لا يتعلّم الدارس الأجوف بحفظ قائمة من الكلمات فحسب، بل بفهم العلاقة بين الماضي والمضارع والأمر، وبين الجذر والصيغة، وبين الأصل الصرفي والصورة المستعملة.
٥- الفعل الأجوف بين البصريين والكوفيين
لم يكن علم الصرف منفصلًا عن الجدل اللغوي الذي عرفته المدرستان البصرية والكوفية، فقد اختلف النحاة في مسائل متعددة تتصل بالتعليل والقياس والسماع وتفسير الظواهر اللغوية. غير أن دراسة الفعل الأجوف تستند، في أصولها التعليمية، إلى مبادئ مشتركة، أهمها اعتبار الحروف الأصلية، والتمييز بين الأصل الصرفي والصورة المنطوقة، والاستعانة بالتصريف لمعرفة ما خفي من بنية الكلمة.
ولا يصحّ أن تُنسب إلى إحدى المدرستين قاعدة مخصوصة في الأجوف من غير توثيق؛ فالأمانة العلمية تقتضي التمييز بين القواعد المستقرة في علم الصرف وبين المسائل التي دار فيها خلاف حقيقي بين العلماء.
في جوف الكلمة سرّ التحوّل
إن الفعل الأجوف يعلّمنا أن ظاهر الكلمة ليس دائماً مرآة كاملة لأصلها؛ فقد تتبدّل صورة الحرف، ويبقى الجذر محتفظاً بهويته، وتتحوّل الحركة، فيما تظلّ العلاقات الصرفية قادرة على كشف البنية العميقة.
وفي هذا تكمن إحدى مزايا العربية: أنها لا تترك التحوّل للفوضى، بل تضبطه بقوانين، ولا تجعل اختلاف الصور انقطاعاً عن الأصل، بل تجعله دليلاً على ثراء النظام الاشتقاقي. فبين (قال) و(يقول)، وبين (باع) و(يبيع)، رحلةٌ قصيرة في اللفظ، عميقة في الدلالة، تكشف أن الحرف قد يتغيّر في صورته، من غير أن تضيع هويته في ميزان اللغة.
إن فهم الفعل الأجوف ليس تمريناً مدرسيّاً عابراً، بل مدخل إلى فهم الصرف العربي بوصفه علماً يقرأ ما وراء اللفظ، ويستخرج من التحوّل قانوناً، ومن اختلاف الصيغ وحدةً، ومن ظاهر الكلمة تاريخها الداخلي.
***
بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين








