عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

رائدة جرجيس: جدي توفيق آغا.. وسلّة الطفولة

لا أعرف كم كان عمري تماما حين بدأت ذاكرتي تحتفظ بصورة جدي لأبي توفيق آغا رحمه الله. لكنني كلما عدت إلى طفولتي رأيته كما لو أنه ما زال قادما من آخر الطريق طويل القامة، قوي البنية حنطيَّ اللون، جميل المحيّا مرتديا زيه التركماني الذي لم أعهده بغيره الصاية والزبون والجمداني.

كنت صغيرة جدا لأعرف مقدار ثقافته أو لأفهم الأحاديث التي كان يخوضها مع الكبار لكنني كبرت وأنا أسمع الناس يقولون إنه كان مثقفا، حاضر البديهة حسن المحاورة كان يعرف كيف يتحدث وكيف يصغي وله حضور يليق برجل عرف الحياة وخبر الناس

أما أنا، فلم تكن ثقافته تعنيني يومها بقدر ما كانت تعنيني خطواته حين تقترب من بيتنا.

كان جدي يسكن في بيت قريب من بيتنا، ويعيش بمفرده

 لم يكن وحيدا بقدر ما كان مستقلا. كان من أولئك الرجال الذين لا يحبون أن يكونوا عبئًا على أحد، حتى على أبنائهم. يذهب إلى السوق بنفسه، يشتري حاجاته يطبخ طعامه ويدبّر شؤون بيته وكان أبي رحمه الله، يرسل إليه أحيانًا من يساعده في تنظيف المنزل بالأجرة، لكن جدي ظل، ما استطاع قائما بأموره بنفسه.

وكان صاحب بساتين زيتون.

ربما لهذا ارتبطت صورته في ذاكرتي بالخضرة والتراب والعصافير ورائحة الأشياء البسيطة التي لا نعرف قيمتها إلا حين تصبح ذكرى.

كل عصر، أو بين يوم وآخر، كان يأتي إلى بيتنا مشيًا على قدميه وكنت بصفتي أصغر العنقود، صاحبة نصيب خاص من دلاله

كان يحمل لي سلّة صغيرة جميلة من الخوص، مستديرة ولها ذراع للحمل، ويملؤها بالمصاصات والحلوى وقطع الشوكولاتة التي كنا نسميها آنذاك «شكرات»، وبالحامض حلو الذي كنت أحبه. وأحيانا كان يأتي بالسلة مليئة بالبيض.

وللبيض حكاية بيني وبينه

كان يلاطفني ويناديني

- ريرو، حين تكبرين وتتخرجين، مَن ستتزوجين؟

فأجيبه بلا تردد

- بائع البيض

فيضحك ويسألني

- ولماذا بائع البيض؟

فأقول بمنطق طفلة لا ترى في الدنيا ما يستحق التعقيد

- لأنك ستكبر يا جدو وتغادر وأنا أحب البيض

كان يضحك ثم ينظر إليّ ويقول كلمته التي ما زلت أسمع نبرتها حتى اليوم

- بركم

وكانت «بركم» كلمة تركمانية يصفني بها؛ تلك الطفلة كثيرة الحركة والفضول، التي تتطلع لما لما حولها وتسأل عن كل شيء، ولا تخلو من المشاغبة.

ويبدو أنني كنت أستحق اللقب فعلا فما إن ينتهي من الإجابة عن سؤال حتى أكون قد أعددت له سؤالا آخر.

وحين كنت أقول له:

- ستكبر يا جدو وتغادر…

كان يضحك ويعيد

- بركم

لم أكن أعرف يومها أنني استخدمت، بعفوية طفلة، كلمة أكبر من عمري

تغادر.

كنت أقولها وكأن الرحيل أمر بعيد، شيء يحدث في زمن لا أعرفه، وربما كنت أظن أن الكبار يظلون كبارا إلى الأبد.

وكان يسألني أيضا:

- وماذا ستصبحين عندما تكبرين؟

وهنا كنت أكثر جدية. لم أتردد

- سأصبح محامية يا جدو.

وكان يشجعني ويفرح بإجابتي.

ومرت السنوات وكبرت الطفلة، وكان من غرائب الحياة وجمالها أنني درست القانون فعلا

لم يكن جدي هناك ليراني، لكن سؤاله بقي.

وربما بعض الأمنيات لا يحتاج أصحابها إلى أن يعيشوا حتى يروا تحققها؛ يكفي أنهم وضعوا بذرتها ذات يوم في قلب طفل

وكان لجدي نوع آخر من الهدايا لا يباع في السوق.

كان يأتي لي بفراخ البلابل الصغيرة التي يجدها بين أشجار الزيتون، فأفرح بها وأتوهم أنني سأربيها بنفسي والحقيقة أن أخي الأكبر مني كان يتولى المهمة عني، أما أنا فكان يكفيني أن أقول بفخر

- هذه عصافيري… جدي أحضرها لي.

ثم جاء ذلك اليوم

ولا تزال بدايته عالقة في ذاكرتي على هيئة صوت

طرقٌ شديد على الباب

لم يكن طرقا عاديا. كان سريعا، قويا، مرتبكا، كأن اليد التي تضرب الباب تريد أن تدخل بالخبر قبل أن يُفتح لها

فتح أبي رحمه الله الباب

لا أذكر الكلمات كلها، لكنني أذكر معناها

توفيق آغا مات

مات جدي

أسرع أبي إليه وبدأ البيت يمتلئ بحركة لا تفهمها طفلة وبوجوه تغيرت فجأة، وبأصوات الجيران والأصدقاء وهم يتساءلون بدهشة

- كيف مات توفيق آغا؟

- لقد رأيناه أمس مساءً في*( سوق القورية).. كان قويا

- كيف يموت بهذه السرعة؟

أما أنا فكنت أسمعهم وأفكر بمنطق مختلف تمامًا

وكان سؤال صغير يدور في رأسي:

ولماذا لا يموت؟

ما العلاقة بين أن يكون الناس قد رأوه بالأمس في سوق القورية وعمر ناهي التسعين وبين أن يموت اليوم؟

هل الذي رأيناه أمس يجب أن ينتظر سنة مثلا حتى يموت؟

وهل قوي البنية لا يموت؟

وهل هناك مدة ينبغي أن تفصل بين آخر مرة نرى فيها الإنسان حيًا وبين موته؟

كانت تلك، ربما، أول مواجهة حقيقية لي مع فكرة الموت

لم أكن أخافه بقدر ما كنت أستغربه

كيف يكون الإنسان بالأمس في السوق، يمشي بين الناس، يشتري ويتحدث ويحيّي هذا وذاك، ثم يصبح في اليوم التالي حديثا عنه؟

كيف يتحول الإنسان بهذه السرعة من شخص نقول له

- أين كنت؟

إلى شخص نسأل عنه:

- أين ذهب؟

وبعد أن انتهت مراسم العزاء وهدأت حركة الناس، ظل سؤال واحد يلاحق أبي

كنت أذهب إليه وأسأله

- … أين ذهب جدي؟

ثم أعود

- وأين يذهب الأموات؟

كان أبي، رحمه الله، يحاول أن يجيب بما يستطيع أن يفهمه قلب طفلة، ويذكرني بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ

ثم يقول لي

- نحن ضيوف في هذه الدنيا.

كنت أسمع العبارة ولا أفهمها تماما.

ضيوف؟

إذا كنا ضيوفا، فأين بيتنا الحقيقي؟

ولماذا نأتي إذا كان علينا أن نغادر؟

ولماذا نحب الناس إلى هذا الحد، ثم يأتي يوم لا يعودون فيه من الطريق؟

ولماذا لا يحمل الراحل معه الأشياء الصغيرة التي جعلتنا نحبه؟

سلّة الخوص مثلا افراخ البلابل

ضحكته.

وطريقته في قول

(بركم)

مرت أعوام كثيرة كبرتُ ودرست القانون كما قلت له يوما، وتغيرت المدن والبيوت والوجوه وغاب أبي هو الآخر رحمه الله ذلك الذي كان يحاول أن يشرح لطفلة معنى الموت فأصبح هو أيضا واحدا ممن أسأل عنهم السؤال القديم نفسه

أين ذهب؟

وعرفت مع العمر شيئا لم أكن أعرفه آنذاك.

نعم، نحن ضيوف

لكن بعض الضيوف حين يغادرون يتركون في المكان أشياء لا تستطيع المغادرة معهم

ترك جدي توفيق آغا صورته في ذاكرتي رجلا طويلا، قوي البنية جميل المحيا، يمشي من بيته إلى بيتنا بثيابه التركمانية، وبخطوات رجل اعتاد الاعتماد على نفسه

ترك بساتين الزيتون

ترك فراخ البلابل

ترك سلّة الخوص المستدير

ترك سوق القورية شاهدا على مساء أخير رآه فيه الناس يمشي بينهم، من غير أن يعرف أحد أن الغد سيجعلهم يتساءلون في دهشة

- كيف مات؟ لقد رأيناه بالأمس!

وترك ضحكته حين أخبرته أنني سأتزوج بائع البيض.

وترك سؤالا

- ماذا ستصبحين عندما تكبرين يا ريرو؟

كبرت يا جدي

ولم أتزوج بائع البيض

لكنني أصبحت خريجة قانون كما قلت لك.

أما البيض فما زلت أحبه

وكلما عدت بذاكرتي إلى تلك الطفلة التي كانت تنتظر سلّتك عند الباب أفهم شيئا لم أكن أفهمه حين سألت أبي

أين ذهب جدي؟

ربما لا يذهب الذين نحبهم بعيدا كما نتصور.

بعضهم يبقى فينا على هيئة حكاية.

وبعضهم يصبح رائحة زيتون.

وبعضهم صوت ضحكة قديمة. وبعضهم يبقى كلمة لا تحتاج حتى إلى ترجمة؛ لأننا لا نتذكر معناها بقدر ما نتذكر الصوت الذي كان ينطقها

وأنت يا جدي كلما فتحتُ بابا قديما في الذاكرة أراك قادمًا من آخر الطريق تحمل سلّة الخوص الصغيرة وفيها الحلوى والبيض وربما فرخ بلبل صغير من بساتين الزيتون

تسألني:

- ماذا ستصبحين عندما تكبرين؟

وأجيبك من طفولتي:

- محامية يا جدو.

ثم أسألك عشرين سؤالا آخر فتضحك وتهز رأسك وتقول

- بركم!

فأعرف الآن، بعد كل هذه السنين أن بعض الناس يموتون مرة واحدة فقط…

أما في الذاكرة فيظلون عائدين من آخر الطريق.

***

رائدة جرجيس

.......................

* سوق القورية سوق معروف في كركوك

في المثقف اليوم