عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

رمزي ميركاني: بلقيس فخرو.. حين يتحول اللون إلى ذاكرة

برحيل الفنانة التشكيلية البحرينية بلقيس فخرو، في 3 أكتوبر/تشرين الأول 2026، عن عمر ناهز 76 عاماً، يفقد المشهد الثقافي البحريني واحدة من أبرز التجارب الفنية التي واكبت تحولات الحركة التشكيلية الحديثة في المملكة، وأسهمت في إثرائها على مدى يقارب نصف قرن. غير أن رحيلها لا يعني غيابها؛ فالفنان الحقيقي يترك وراءه ما هو أبقى من الحضور، ويظل أثره حاضراً في أعماله وأفكاره وفي ذاكرة الأجيال التي عرفته.

ولدت فخرو عام 1950، ونشأ اهتمامها بالفن في وقت مبكر، قبل أن تأخذ شغفها إلى مسار أكاديمي واسع. درست الفلسفة وعلم النفس في لبنان، ثم انتقلت إلى الولايات المتحدة، حيث درست الفنون الجميلة وتاريخ الفن وتخرجت عام 1975. وعادت في العام نفسه إلى البحرين، لتسجل عام 1976 أول حضور لها في معرض البحرين السنوي للفنون التشكيلية، بلوحة انطباعية نالت عنها جائزة تقديرية.

لكن تجربتها لم تتوقف عند الانطباعية، ولم تستقر على أسلوب واحد. فقد مرت بمراحل فنية متعددة، انتقلت خلالها من الواقعية والانطباعية إلى التعبيرية، ثم وجدت في التجريد المساحة الأكثر رحابة للتعبير عن رؤيتها الخاصة. وكان هذا الانتقال بحثاً عن جوهر الأشياء لا عن أشكالها الظاهرة، وعن الإحساس الكامن خلف الصورة أكثر من الصورة نفسها.

ومن هنا جاء مفهومها الشهير «الموسيقى البصرية». كانت فخرو ترى أن اللوحة التجريدية تشبه الموسيقى؛ لا تحتاج دائماً إلى تفسير مباشر، بل تُستقبل بالإحساس، ويختلف وقعها من متلقٍ إلى آخر تبعاً لثقافته وذاكرته وحالته النفسية. ولذلك لم تكن لوحتها مغلقة على معنى واحد، بل مساحة مفتوحة يشارك المشاهد في اكتشافها وتأويلها.

في أعمالها، تداخلت الكتلة والفراغ، والظل والضوء، واللون والتكوين، فأصبح الفراغ عنصراً حياً داخل اللوحة، لا مساحة خالية منها. وكانت الألوان تميل في كثير من أعمالها إلى الهدوء والسكون، فيما تتوزع الكتل على نحو يترك للمشاهد فرصة لاستعادة صور ومشاعر من ذاكرته الخاصة.

وكانت البحرين حاضرة في تجربتها بوصفها مكاناً وذاكرة وهوية. لم تتعامل معها كموضوع بصري مباشر، وإنما أعادت صياغة العمارة والبيئة والتفاصيل المحلية في لغة تجريدية تستفيد من المدارس الفنية الحديثة، من دون أن تفقد صلتها بجذورها البحرينية والعربية.

ولم تكن فخرو فنانة تكتفي باللوحة؛ فقد كانت كاتبة وناقدة وباحثة ومحاضرة ومدرّسة للفنون. نشرت قراءات ودراسات في الفن التشكيلي، وأسهمت في توثيق الحركة الفنية البحرينية، كما شاركت في أنشطة جمعية البحرين للفنون التشكيلية، وكانت عضواً في مجلس إدارتها بين عامي 1996 و2000.

وعلى امتداد مسيرتها، شاركت في معارض وملتقيات عربية ودولية، بينها بينالي بغداد وبيناليات دول مجلس التعاون، ونالت السعفة الذهبية في بينالي الكويت، وجائزة الدانة الكبرى في معرض البحرين السنوي عامي 1999 و2002. كما وصلت أعمالها إلى عدد من المتاحف والمؤسسات الفنية في البحرين والعالم العربي وخارجه.

واللافت أنها ظلت حاضرة في المشهد الثقافي حتى عامها الأخير، إذ شاركت في أبريل/نيسان 2026 في جلسة بجامعة البحرين حول «جدلية التشخيص والتجريد»، لتتحدث إلى طلبة الفن عن تجربتها ومسيرتها الطويلة.

برحيل بلقيس فخرو، لا يغيب اسم فنانة فحسب، بل يطوى فصل من فصول التجربة التشكيلية البحرينية. لكنها تركت ما هو أبقى من السيرة: لوحات تبحث عن روح المكان، وألواناً تختزن الذاكرة، وتجربة تؤكد أن الفن لا يكتفي برؤية العالم، بل يعيد اكتشافه من الداخل.

لقد جعلت فخرو من اللون لغة، ومن الفراغ صمتاً دالاً، ومن اللوحة جسراً بين الذاكرة والإنسان والمكان. ولذلك سيبقى حضورها ممتداً في ذاكرة الفن البحريني، وستظل تجربتها شاهدة على فنانة لم تبحث عن صورة الواقع، بقدر ما بحثت عن روحه.

***

رمزي ميركاني

في المثقف اليوم