عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

عبد الحكيم كشاد: يوسف شاهين.. عراب السينما المصرية

قراءة في الذات المتشظية، وقلق الفنان، وصراع اﻹنسان مع المجتمع والسلطة والحقيقة

ليس عبثا أن تتعثر الكلمات على لسان يوسف شاهين، تبدو التأتأة في حديثه، أكثر من مجرد عارض في النطق، كأنها أثر قديم لقلق رافقه منذ طفولته، وارتبط برغبته في فهم أشياء كثيرة لم تكن لها إجابات جاهزة. أسئلة مبكرة ظل بعضها معلقا في ذاكرته، يتردد صداها في داخله، تماما كطفل يحاول اﻹمساك ببالون يوشك أن يفر من بين يديه، كلما ظن أنه يقترب منه. ولعل اجمل ما في تجربة شاهين أنه لم يتخلص من أسئلته حين كبر، حملها معه إلى السينما، وجعل منها مادة ﻷفلامه، ومفتاحا لفهم عالمه. لم تكن السينما عنده حكايات تروى، أو صور تتحرك على الشاشة إنما كانت وسيلته ذاته، ومساءلة المجتمع، ومراجعة التاريخ، والبحث عن اﻹنسان في لحظات ضعفه وتناقضه وإنكساره.. يوسف شاهين يعرف ربما قبل غيره، أن الفنان الذي لا يطرح أسئلته ينتهي به اﻷمر إلى تكرار اﻹجابات. من هنا يمكن فهم جانب أساسي من شخصيته الفنية، فهو لم يكن يبحث عن يقين نهائي بقدر ما كان يفتش عن الحقيقة في تعدد وجوهها، وفي ذلك التناقض الذي يسكن اﻹنسان، ويجعله أحيانا خصما لنفسه قبل ان يكون خصما للآخرين. ربما كان فيلم " باب الحديد " من أكثر المحطات دلالة على هذا الصراع بين المخرج يوسف شاهين، ويوسف شاهين اﻹنسان والممثل الذي جسد قناوي بائع الصحف المريض نفسيا الذي يعيش على هامش الحياة، ويختزن داخله رغبات مكبوتة تتفاقم حتى تقوده إلى العنف، قدم شاهين قناوي في صورة لم تكن مألوفة للممثل في السينما المصرية آنذاك، لكن المفارقة أن المخرج الذي أراد أن يعبر عن نفسه من خلال قناوي الممثل كان في الوقت نفسه حاضرا إلى درجة البعض يرى أن المخرج طغى على الممثل وأن قناوي كشخصية في الفيلم لم تحصل على المساحة المناسبة والتي كان يمكن أن يمنحها ممثل آخر غير يوسف شاهين. هل كان شاهين قادرا وهو يقف امام الكاميرا على التحرر من الذات المخرجة ؟ والقدرة على فك هذا الاشتباك ما بين السيطرة على الصورة و الاستسلام لقناوي، ربما كان هذا التداخل بين المخرج والممثل جزءا من طبيعة شاهين نفسه، إذ يصعب أحيانا وفصل مايريد قوله، وما يريد إظهاره، بمعنى آخر بين من يؤدي و صاحب الرؤية التي يصنعها للممثل. لا يمكن تجاهل أن " باب الحديد" تجاوز حدود التجربة السنمائية، وأصبح أحد أكثر أفلامه جرأة في اقتحام المناطق المسكوت عنها في النفس البشرية. وقد أثار اهتماما نقديا وسينمائيا واسعا بالرغم من عدم نجاحه جماهيريا في أول عروضه، والحقيقة أن ما جعل قناوي باقيا في الذاكرة ذلك أن شاهين لم يقدمه بوصفه شريرا إنما إنسانا تتداخل في تكوينه كثير من الاحتياج، والحرمان والرغبة في امتلاك ما يستطيع الوصول إليه. ولم يتركنا نتساءل عن الحدود الفاصلة بين مسؤوليتها الفردية والظروف التي اسهمت في تشكيلها. انشغال شاهين بالذات كان من اهم محطات حياته، وتطور تجربته مع الزمن حتى أصبحت واضحة المعالم. في رباعيته السينمائية عن الإسكندرية عاد إلى حياته وذاكرته، مستعينا بالسيرة الذاتية كمادة ﻹعادة - وهو اﻷهم من السيرة ذاتها - النظر في الماضي ومساءلة الحاضر، والعلاقة الديالكتك بين الفرد والعالم الذي يعيش فيه، ويصبح بالتالي موضوعا للحكاية ذاتها، وهو في استدعائه لطفولته وشبابه يسجل موقفه من المجتمع، ويطرح أسئلته عن الحرية والهوية والمستقبل. وهي ذات لا تبقى حبيسة حدودها إنما تتسع لتشمل جيلا كاملا، ووطنا تبدل تحت وطأة التحولات السياسية والاجتماعية، لذلك لا تبدو أفلامه الذاتية اعترافات كاملة لها أجوبة نهائية، إنما حوارا مفتوحا بين الذاكرة والخيال، بين مايحدث أو حدث وبين ما بقى من أثره في النفس. إنه يعود إلى ماضيه ليكشف أن بعض اﻷسئلة التي لاتنتهي بالضرورة وتظل موصولة باﻷحداث التي التي أثارتها. هذه الاختزالات تظهر تجربة أكثر اتساعا في مشروعه الفكري بالوطن والسياسة والمجتمع، في الأرض يستعيد الصراع بين الفلاحين واﻹقطاع حين يجعل من اﻷرض رمزا للجذور واﻹنسان الذي يقاوم اقتلاعه من المكان الذي يمنحه معنى وجوده، سياسيا حين جاءات هزيمة 67 وكيف انهارت صورة الانتصار لتفتح جرحا عميقا ظل ينزف طوال حرب الاستنزاف، كان السؤال في من يتحمل المسؤولية ؟ هل الهزيمة في لحظة عسكرية، أم نتيجة تراكمات تتصل بالسلطة والفساد، أسلئة ظلت حاضرة في أفلامه اللاحقة، الاخيار " و "العصفور" و "عودة الابن الضال " يمكن قراءتها بوصفها محاولات لفهم أسباب الانكسار، في " الاختيار " يقدم السؤال النفسي واﻷخلاقي حين يصبح اﻹنسان موضوعا للمساءلة أمام نفسه. في " العصفور " يذهب إلى أماكن أكثر وضوحا في نقد الواقع الاجتماعي السياسي بين الفساد الذي ينخر المؤسسات والهزيمة، وبين النظام الهش الذي انتجها.. في "عودة الابن الضال " تناول أزمة اﻷجيال والعلاقة بالسلطة اﻷبوية. غير أن الحرية وهي القضية اﻷساسية لم تكن مرادفة للوضوح المباشر للقضايا التي تناولتها أفلامه، فقد كان يلجا إلى الرمز، وتعدد مستوايات وجهات النظر من خلال الحكاية نفسها من خلال التداخل بين الواقع والخيال وهي وأن عبرت عن أفكاره بلغة سينمائية مختلفة فأنها جعلت من هذه اﻷفكار عرضة لاتهامه بالغموض، ربما لطبيعة اﻷسئلة التي تم طرحها واﻹدارك أن قول الحقيقة ليست أمرا بسيطا.. ظل يوسف شاهين مخرجا مثيرا للجدل، فالمخرج الذي يريد السيطرة على تفاصيل الصورة، قد يجد صعوبة في التنازل عن بعض اختياراته، وهو الفنان الذي يحمل داخله أسئلة متناقضة فهل كان من الممكن احتمال هذه التناقضات ؟ فهو لا يعنيه أن يجمل الواقع، وهي نقطة تستوجب التأمل فهناك فرق بين من يعتقد معرفة الحقيقة، وآخر يدعو إلى البحث عنها في تفاصيل جديدة، وشاهين من النموذج الثاني دوره وضع اﻷسئلة أما المتفرج لاتقديم إجابتها وادراك أن الوصول إليها أصعب من امتلاكها. رؤية شاهين كممخرج ليست بالضرورة محاكاة للواقع، وهو لا يعني أيضا امتلاك المخرج حقيقة لا تقبل النقاش إنما يعني أنه يحمل رؤية خاصة بموقعه الفكري والنفسي والتاريخي، في الوقت التي لا تلغي أهمية شاهين وتجربته الفنية ومع ذلك أثير جدلا نقديا وجماهيريا، خاصة وأن هذه التجربة امتدت إلى موضوعات، وأزمنة مختلفة من التاريخ والحروب في فيلم " الناصر صلاح الدين " إلى " المصير " وقضايا الفكر والدين، وجعل التاريخ مساحة لقراءة الحاضر، وكيفية تكرار الصراعات التاريخية بأشكال مختلفة، ثم اقترابه من السيرة الذاتية في " اسكنرية ليه" و البحث عن طفولته وإعادة النظر في مخاوفه، وتفسير لما لم يستطع تفسيره في حينه. لعلنا ونحن نصل أعماله ببعض نصل أيضا إلى خلاصة أن يوسف شاهين جعل من السينما مساحة للصراع الفكري الوجداني وانتقل من السؤال الخاص إلى السؤال العام دون أن يفقد الخيط رغبة منه في فهم الذات، والتحرر من الخوف وربما استدعت أسئلتنا الخاصة أيضا بدفع مشاهده إلى النظر من زاوية أخرى، وأن الحقيقة الإنسانية أوسع من أن تختزل تفسير واحد، وهي بالتأكيد أسئلة لا تخصه وحده، أسئلة تظل حاضرة ﻷنها أسئلة تتعلق باﻹنسان.       

***

عبد الحكيم كشاد

 

في المثقف اليوم