عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

حنان سالم: أنطولوجيا الطفولة المستلبة

سوسيولوجيا الإقصاء وهندسة الصمت في الفضاء المنزلي المغلق ثقافيا

ليست كل البيوت مأهولة بالدفء، وليست كل الجدران التي تحيط بالأطفال جدرانًا تحميهم؛ فثمة بيوت تبدو من الخارج مستقرة، بينما تتآكل في أعماقها المعاني الأولى للإنسانية. خلف الأبواب المغلقة، قد تنمو طفولة لا تعرف كيف تطلب النجدة، وأرواح صغيرة تتعلم مبكرًا أن الصمت أقل كلفة من الكلام، وأن الطاعة قد تكون الطريق الوحيد لتجنب العقاب، وأن النجاة أحيانًا تعني أن يتنازل الإنسان عن حقه في أن يكون نفسه.

هنا لا نكون أمام مجرد مشكلة تربوية عابرة، بل أمام سؤال فلسفي عميق يتعلق بوجود الطفل ذاته: كيف يُنتزع الإنسان من حقه في أن يكون طفلًا؟ وكيف يتحول الفضاء الذي يُفترض أن يؤسس وجوده الإنساني الأول إلى بيئة تعيد تشكيله وفق إرادة الآخرين، لا وفق احتياجاته النفسية والوجدانية والعقلية؟

إنها أنطولوجيا الطفولة المستلبة؛ حيث لا يُسلب الطفل حقه في اللعب والأمان والتعبير فحسب، بل قد يُسلب حقه الأعمق في الوجود بوصفه ذاتًا مستقلة، لها مشاعرها وأسئلتها وحدودها وحقها في أن تُسمع دون خوف.

أولًا: من وجود الطفل إلى اغتراب الذات

في المنظور الأنطولوجي، لا يتعلق الوجود بمجرد الحضور في المكان، وإنما بكيفية حضور الإنسان في العالم، وبقدرته على أن يختبر وجوده باعتباره وجودًا ذا قيمة ومعنى. والطفل لا يولد ذاتًا مكتملة الوعي بذاتها، بل تتشكل هويته تدريجيًا من خلال علاقاته الأولى، وفي مقدمتها علاقته بالأسرة؛ حيث يتعلم أن العالم يمكن أن يكون آمنًا، وأن صوته مسموع، وأن مشاعره تستحق الاعتراف.

لكن ماذا يحدث حين يصبح هذا العالم الأول مصدرًا للخوف بدلًا من الطمأنينة؟ وحين يجد الطفل أن مشاعره موضع سخرية، وأن أسئلته تُقابل بالتوبيخ، وأن اعتراضه يُفسَّر باعتباره تمردًا، وأن حاجته إلى الاحتواء تُوصم بالضعف أو الدلال؟

عندئذ تبدأ عملية خفية من الاغتراب؛ إذ يتعلم الطفل أن يفصل بين ما يشعر به وما يسمح له بإظهاره، وبين ما يحتاج إليه وما يُطلب منه أن يحتاج إليه، وبين صوته الداخلي والصورة التي ينبغي أن يقدمها للآخرين.

ومع تكرار هذه الخبرات، قد يتكون داخله اعتقاد مؤلم بأن القبول مشروط بالتنازل عن الذات، وأن المحبة لا تُمنح له لأنه إنسان يستحقها، بل لأنه مطيع لا يزعج، ولا يعترض، ولا يكشف ما يؤلمه.

وهنا تكمن المفارقة: قد ينجح المحيطون بالطفل في صناعة طفل يبدو هادئًا ومنضبطًا، لكن هذا الهدوء لا يعني بالضرورة سلامه النفسي، كما أن الامتثال لا يثبت تحقق التربية السليمة. فقد يكون ما يبدو نضجًا مبكرًا مجرد تكيف مع بيئة لا تتيح للطفل مساحة كافية ليعبّر عن ذاته.

فالطفولة لا تُستلب دائمًا بحرمان الطفل من الأشياء، بل قد تُستلب بحرمانه من حقه في أن يكون إنسانًا صغيرًا له صوت ومشاعر واحتياجات.

ثانيًا: سوسيولوجيا الإقصاء داخل الأسرة

لا يحدث الإقصاء الاجتماعي دائمًا في الشارع أو المدرسة أو

المؤسسات العامة؛ فقد يبدأ داخل المنزل، في أكثر العلاقات قربًا، حين تتشكل السلطة الأسرية على أساس إلغاء الاختلاف بدلًا من إدارته، وفرض الامتثال بدلًا من بناء الاقتناع.

فالأسرة ليست مجرد وحدة بيولوجية تجمع أفرادًا تحت سقف واحد، بل هي مؤسسة اجتماعية تنتج القيم، وتعيد توزيع الأدوار، وتحدد ما يُسمح

بالتعبير عنه وما ينبغي إخفاؤه. ومن خلالها يتعلم الطفل معنى السلطة، وحدود الحرية، وطبيعة العلاقة بين القوة والحق.

وحين تتحول السلطة الوالدية من مسؤولية الرعاية إلى امتياز مطلق، يصبح الطفل طرفًا ضعيفًا في علاقة غير متكافئة؛ لا يمتلك فيها القدرة على الاعتراض، ولا الأدوات اللازمة لفهم ما يتعرض له، ولا دائمًا القدرة على الوصول إلى شخص بالغ يستطيع حمايته.

وقد يتخذ الإقصاء صورًا متعددة؛ منها التمييز بين الأبناء، أو تحميل الطفل مسؤوليات تفوق قدرته العمرية، أو حرمانه من التعليم واللعب، أو تجاهل احتياجاته العاطفية، أو تكليفه بأعمال منزلية مرهقة على نحو يعطل نموه وتعلمه، أو تعريضه للإهانة والعقاب البدني تحت مسميات التأديب والتربية.

وفي بعض البيئات، قد تُحمَّل الفتيات على وجه الخصوص أعباء الرعاية المنزلية وخدمة الآخرين في سن مبكرة، حتى تصبح الطفولة امتيازًا موزعًا بصورة غير عادلة بين أبناء الأسرة الواحدة. وقد تتحول الطفلة إلى يد عاملة غير مرئية داخل المنزل، تؤدي أدوارًا تتجاوز مرحلتها العمرية، بينما يُختزل حقها في التعليم واللعب والراحة في كونه أمرًا ثانويًا أمام واجبات مفروضة عليها.

وهنا يتداخل الاجتماعي بالثقافي، ويتحول الموروث من خبرة قابلة للنقد والمراجعة إلى سلطة تبرر الممارسة لمجرد أنها مألوفة أو متوارثة.

لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس: هل اعتدنا هذه الممارسات؟ بل: هل تحترم كرامة الطفل وحقوقه؟ وهل تسهم في نموه، أم تنتزع منه فرص النمو باسم المسؤولية والطاعة؟

إن خطورة الإقصاء المنزلي تكمن في أنه قد يُمارَس تحت غطاء أخلاقي؛ فالإهانة تسمى تربية، والخوف يسمى احترامًا، والصمت يسمى أدبًا، والتنازل عن الحقوق يسمى تضحية، بينما تغيب المساءلة عن الأثر الإنساني لهذه الممارسات.

وهكذا قد يصبح المنزل، الذي يفترض أن يكون الحاضنة الأولى للانتماء، المكان الذي يتعلم فيه الطفل أنه لا ينتمي إلا بقدر ما يتنازل عن ذاته.

ثالثًا: هندسة الصمت.. حين يتعلم الطفل ألا يتكلم

الصمت ليس دائمًا علامة على الحكمة أو الرضا؛ فقد يكون لغة

العاجز عن الكلام، أو وسيلة من لا يجد من يصغي إليه، أو استراتيجية دفاعية يلجأ إليها الإنسان حين يشعر بأن التعبير قد يزيد معاناته بدلًا من أن يخففها.

وفي الفضاء المنزلي المغلق، لا يتشكل الصمت بالضرورة بقرار مباشر من الطفل، بل قد يُصنع تدريجيًا عبر منظومة من الرسائل الصريحة والضمنية: لا تعترض، لا تسأل كثيرًا، لا تتحدث عما يحدث داخل البيت، لا تُحرج الأسرة، لا تكشف أخطاء الكبار، ولا تجعل الآخرين يعرفون ما تعانيه.

ومع تكرار هذه الرسائل، قد يدرك الطفل أن الكلام محفوف بالمخاطر، وأن الإفصاح عن الألم قد يقوده إلى اللوم بدلًا من الحماية، وأن الشكوى قد تُفسَّر باعتبارها عقوقًا أو مبالغة أو تشويهًا لصورة الأسرة.

وهنا تتجاوز المسألة حدود الصمت بوصفه سلوكًا، لتصبح هندسة اجتماعية ونفسية للوعي؛ إذ يجري تشكيل ما يستطيع الطفل قوله، وما ينبغي له إخفاؤه، وما يحق له أن يشعر به، بل وما إذا كان من حقه أصلًا أن يصف ما يحدث له بأنه مؤلم أو غير عادل.

والأشد خطورة أن الطفل قد يستبطن هذه القواعد، فلا يعود بحاجة إلى من يأمره بالصمت؛ إذ يبدأ بمراقبة نفسه، وحذف بعض مشاعره من دائرة التعبير، والتراجع عن طلب المساعدة، وتبرير ما يتعرض له حتى يحافظ على علاقته بمن يعتمد عليهم في حياته.

وقد يكبر وهو يجد صعوبة في وضع الحدود، أو التعبير عن احتياجاته، أو التمييز بين الاحترام والخضوع، أو الإفصاح عن تجربة مؤلمة. غير أن هذه النتائج ليست حتمية؛ فوجود شخص بالغ آمن، وعلاقات داعمة، وفرص مناسبة للتعبير، يمكن أن يساعد الطفل على استعادة ثقته بصوته وبحقه في أن يُسمع.

إننا حين نعلّم الطفل أن كتمان الألم فضيلة مطلقة، لا نحميه بالضرورة من الأذى، بل قد نحرم الآخرين من معرفة أنه يحتاج إلى الحماية.

فالصمت الذي يُفرض على الطفل لا ينهي المشكلة؛ إنه قد ينقلها من المجال المرئي إلى منطقة خفية، حيث يستمر الألم دون أن يجد لغة تكشفه أو يدًا تمتد لاحتوائه.

رابعًا: الفضاء المنزلي المغلق.. من الحماية إلى العزلة

للمنزل خصوصية مشروعة، وللأسرة حق في حماية حياتها الشخصية، لكن الخصوصية لا ينبغي أن تتحول إلى ستار يحجب الأذى، ولا أن تصبح حرمة البيت مبررًا لتعطيل حقوق الطفل أو منع التدخل المسؤول لحمايته.

فالفضاء المنزلي ليس مجرد جدران وأبواب، وإنما شبكة من العلاقات التي تتحدد داخلها إمكانات الكلام والحركة والاختيار والتواصل. وقد يتحول انغلاقه إلى عزلة اجتماعية حين يُمنع الطفل من التواصل الآمن مع الأقارب أو المعلمين أو الأصدقاء، أو يُحرم من التعليم والرعاية، أو يُخشى عليه من الإفصاح عن ظروف حياته.

وتزداد خطورة هذه البيئة حين تجتمع فيها ثلاثة عناصر: سلطة لا تخضع للمساءلة، واعتماد كامل للطفل على من يمارسونها،

وغياب قنوات آمنة يستطيع من خلالها طلب المساعدة.

عند اجتماع هذه العناصر، يصبح اكتشاف معاناة الطفل أكثر صعوبة؛ ليس لأن ما يحدث غير موجود، بل لأن الظروف المحيطة به تحول دون ظهوره.

وهنا تبرز مسؤولية المجتمع ومؤسساته التعليمية والاجتماعية والقانونية في تجاوز النظرة التي تختزل حماية الطفولة في حدود الأسرة وحدها. فالأسرة هي الحاضنة الأولى للطفل، لكنها ليست الجهة الوحيدة المسؤولة عن سلامته؛ إذ تظل حقوقه في الأمان والتعليم والرعاية والكرامة حقوقًا أصيلة لا تسقط بسبب صغر سنه أو ضعف قدرته على الدفاع عن نفسه.

إن حماية الخصوصية الأسرية لا تتعارض مع حماية الطفل؛ فالمعيار الأخلاقي والقانوني ليس اقتحام البيوت، وإنما منع الأذى، وتوفير المساندة، والتدخل المسؤول حين توجد مؤشرات جدية على انتهاك الحقوق.

والبيت الذي يخشى خروج الحقيقة إلى الضوء لا يصبح أكثر أمانًا بإغلاق النوافذ، بل يصبح أكثر أمانًا حين لا تكون الحقيقة نفسها مصدرًا للعقاب.

خامسًا: حين تُشرعن الثقافة قهر الطفولة

لا يمكن فهم الطفولة المستلبة بمعزل عن البنية الثقافية التي قد تمنح بعض الممارسات مشروعية اجتماعية زائفة. فالعنف لا يستمر دائمًا بسبب غياب القوانين أو نقص المعرفة، بل قد يستمر أيضًا حين يجد من يبرره في أمثال شعبية أو تصورات تربوية جامدة أو مفاهيم مشوهة عن الهيبة والاحترام والطاعة.

وحين يُقال إن الطفل لا يتعلم إلا بالخوف، أو إن الإهانة تصنع شخصية قوية، أو إن الضرب دليل على الحرص، فإننا نواجه تصورات تختزل التربية في إخضاع السلوك، وتتجاهل بناء الوعي والضمير والقدرة على الاختيار المسؤول.

إن احترام الوالدين لا يعني إلغاء شخصية الأبناء، كما أن تقدير الأسرة لا يقتضي التستر على الأذى، ولا يجوز أن تتحول الطاعة إلى قيمة مطلقة تعلو على الكرامة الإنسانية.

ولا يعني نقد الممارسات المؤذية إنكار دور الأسرة أو التقليل من قيمة الخبرة التربوية المتوارثة؛ بل يعني إخضاع هذه الخبرة لمعيار أخلاقي واضح: هل تحمي الإنسان أم تهدر كرامته؟ هل توسع قدرته على الفهم أم تدربه على الخضوع؟ هل تهيئه للاستقلال المسؤول أم تجعله عاجزًا عن اتخاذ موقف حين يتعرض للظلم؟

إن الثقافة الحية ليست تلك التي تعيد إنتاج الماضي دون مساءلة، بل التي تمتلك الشجاعة لتمييز ما يستحق الاستمرار مما ينبغي تغييره.

فالطفل ليس مشروعًا لإعادة إنتاج صورة الكبار، ولا صفحة بيضاء يحق للمجتمع أن يكتب عليها ما يشاء؛ إنه إنسان في طور التكوين، له حاجاته وحقوقه، ويستحق أن ينمو داخل بيئة تعترف بإنسانيته قبل أن تطالبه بالامتثال لمعاييرها.

سادسًا: من استلاب الطفولة إلى مسؤولية المجتمع

إذا كانت الطفولة المستلبة نتاجًا لتداخل السلطة الاجتماعية والثقافة والممارسات الأسرية، فإن مواجهتها لا يمكن أن تقتصر على إدانة فرد أو توجيه اللوم إلى أسرة؛ بل تتطلب بناء منظومة حماية متكاملة تعيد الاعتبار إلى الطفل بوصفه صاحب حق، لا مجرد موضوع للرعاية أو طرفًا تابعًا لإرادة الكبار.

وتبدأ هذه المواجهة بتغيير المفاهيم التي تحكم نظرتنا إلى الطفولة. فالتربية ليست امتلاكًا للطفل، والرعاية ليست سلطة بلا حدود، والتأديب ليس إذنًا بالإيذاء، والاحترام لا يُقاس بمدى خوف الطفل من البالغين.

كما تتطلب تمكين المؤسسات التعليمية من أداء دور يتجاوز نقل المعرفة إلى ملاحظة التغيرات المقلقة في سلوك الأطفال، والاستماع إليهم دون أحكام مسبقة، والتعامل بمسؤولية مع مؤشرات الإهمال أو الاستغلال أو العنف. ويجب أن تتوافر قنوات واضحة وآمنة للإبلاغ وطلب المساعدة، مع مراعاة مصلحة الطفل الفضلى وسرية المعلومات وحمايته من الانتقام أو الوصم.

وتظل التوعية المجتمعية ضرورية لتصحيح التصورات

التي تخلط بين الطاعة المطلقة والتربية، وبين الصمت والأدب، وبين تحمل المسؤولية وتحميل الطفل أعباء تفوق قدرته العمرية.

كذلك لا بد من الاهتمام بالأطفال الذين يتحملون أعمالًا منزلية أو مسؤوليات رعاية بصورة تحرمهم من التعليم والراحة واللعب، والعمل على معالجة الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي قد تدفع بعض الأسر إلى تحميل أبنائها أعباء غير مناسبة لأعمارهم.

ولا تكتمل الحماية بمجرد إخراج الطفل من بيئة مؤذية إن لم تتوافر له الرعاية النفسية والاجتماعية المناسبة، والبدائل الآمنة، والفرص التي تساعده على استعادة الثقة بنفسه وبالآخرين.

إن العدالة تجاه الطفولة ليست استجابة طارئة بعد وقوع الأذى

فحسب، بل هي بناء يومي لبيئة يستطيع فيها الطفل أن يقول «لا أفهم»، وأن يسأل «لماذا؟»، وأن يعبر عن خوفه، وأن يطلب المساعدة، دون أن يفقد حقه في الحب والأمان.

فالمجتمع الذي يريد مستقبلًا أكثر عدلًا لا يستطيع أن يطالب أبناءه بالحرية والمسؤولية في الغد، بينما يدربهم اليوم على الصمت والخوف وإلغاء الذات.

وفي الختام يجب أن نسأل أنفسنا أي إنسان نصنع خلف الأبواب المغلقة؟

تضعنا أنطولوجيا الطفولة المستلبة أمام سؤال يتجاوز حدود الأسرة إلى جوهر الإنسان والمجتمع: أي ذات نريد أن تتشكل داخل بيوتنا؟ ذات تعرف كيف تفكر وتسأل وتختار وتتحمل مسؤولية أفعالها، أم ذات تتقن الامتثال لأنها تعلمت أن الاختلاف خطر، وأن التعبير عبء، وأن النجاة مرهونة بإرضاء الآخرين؟

إن الطفل الذي لا يجد من يصغي إليه اليوم قد يصبح بالغًا لا يعرف كيف يعبّر عن نفسه غدًا، والطفلة التي تتعلم أن احتياجاتها تأتي دائمًا في نهاية قائمة الأولويات قد تكبر وهي تجد صعوبة في الدفاع عن حقها في الراحة والتعليم والاستقلال. ومع ذلك، لا ينبغي أن نحول هذه الاحتمالات إلى أحكام حتمية؛ فالإنسان قادر على التعافي والنمو متى وجد الاعتراف والدعم والعلاقات الآمنة.

ليست القضية أن نصنع أطفالًا بلا أخطاء، ولا أن نلغي سلطة الوالدين أو مسؤولياتهم، بل أن نعيد تعريف السلطة باعتبارها مسؤولية عن الحماية والتوجيه، لا امتلاكًا للآخر أو مصادرة لوجوده.

فالطفولة ليست مرحلة عابرة يمكن تعويضها بسهولة، وإنما زمن تأسيسي تتشكل فيه علاقة الإنسان بنفسه وبالعالم. وما يُزرع في هذا الزمن من أمان واحترام قد يصبح أساسًا للثقة، وما يُفرض فيه من خوف وإقصاء قد يترك آثارًا تستحق الانتباه والمعالجة.

ولعل المأساة الأعمق ليست أن يبكي الطفل خلف باب مغلق، بل أن يتعلم مع مرور الوقت أن بكاءه لا يستحق أن يُسمع، وأن ألمه لا يستحق أن يُسمى، وأن صوته لا يستحق أن يصل إلى أحد.

إن المعيار الحقيقي لإنسانية البيت ليس مقدار ما يفرضه من طاعة، بل مقدار ما يمنحه من أمان؛ وليس قدرته على إسكات الطفل، بل قدرته على الإصغاء إليه.

فحين نصون حق الطفل في الكلام، لا نمنحه مجرد فرصة للتعبير، بل نؤكد له أن وجوده مرئي، وأن مشاعره معتبرة، وأن كرامته ليست منحة من الكبار، بل حق أصيل له.

وحين نفتح أبواب البيوت أمام الوعي، ونحرر التربية من ثقافة الخوف، ونمنح الطفولة حقها في الأمان والاعتراف، فإننا لا نحمي أطفالًا فحسب، بل نحمي إنسان المستقبل من أن يحمل إلى العالم جراحًا كان يمكن تجنبها.

فالطفولة التي لا تجد صوتًا في البيت، قد تبحث طويلًا عن ذاتها في العالم؛ أما الطفولة التي تجد من يسمعها، فتتعلم أن الكرامة ليست امتيازًا يُمنح للأقوى، بل حق لا ينبغي أن يُسلب من الأضعف.

وفي النهاية لابد للمجتمع بجميع أطيافه أن يسعي نحو طفولة تشعر بانسانيتها.

***

بقلم: د. حنان سالم - دكتوراة الفلسفة المعاصرة

كلية الاداب جامعة العريش مصر

في المثقف اليوم