أقلام فكرية
رائد عبيس: البُعّد الاجتماعي في التوجيّه الأخلاقي
يمكننا القول إن الخطاب التوجيهي في السياق الاجتماعي هو ذلك النوع من الخطاب الذي يُجاب فيه على الأسئلة العملية، كما يمكننا القول إن الخطاب الاجتماعي والأخلاقي هو ذلك النوع من الخطاب الذي يُجيب عن طلبات المعلومات بطريقة أخلاقية تناسب السائل والمجيب، إذا سألتني سؤالًا استفساريًا "أين تسكن؟"، فإن إجابتي: أسكن في النجف مثلا: هي مثال على الخطاب المعلوماتي؛ وإذا سألتني سؤالًا عمليًا "ماذا ينبغي عليّ أن أفعل؟ " فإن إجابتي ستكون مثالًا على الخطاب التوجيهي، أي الإدلاء على ما يريد فعله بطريقة خطابية أخلاقية توحي بالقبول، والتعاون، والاستجابة الطيبة.
وهذا أبسط أشكال الخطاب التوجيهي الأخلاقي، وهو أيضًا، بمعنى ما، الشكل الأساسي للأخلاق، فإنّ أبسط مثال على توجيه شخص ما هو إصدار الأمر التوجيهي البسيط، مثل: كلمة أذهب، وهو أمر قد يُؤدي أو لا يُؤدي إلى ذهاب المُخاطَب إليه - ولكنه على أي حال يُوجه إليه هذا الأمر.
ذهب كثير من فلاسفة الأخلاق إلى إنّ الأحكام الأخلاقية هي مجرد أوامر مُقنّعة نحويًا؛ لأنّ الأحكام الأخلاقية، لها سمات أساسية قد تفتقر إليها الأوامر التوجيهية البسيطة. لكن الأحكام الأخلاقية، تشترك مع الأوامر في السمة الحاسمة وهي أنّها توجيهية، وهذا يعني في الواقع، من وجهة نظرنا أنّ الحكم الأخلاقي - أو على الأقل الحكم الأخلاقي الحقيقي، النموذجي غير المنحرف عن السياق التوجيهي العام.
كما أنه إذا كانت القضية تستلزم قضية أخرى، فلا يمكنني بشكل متسق أن أؤكد، أو أقبل، أو أنكر، أو أرفض أي طلب أخلاقي يستوجب التوجيه. وهذا شبيه برأي أصحاب الوضعية المنطقية في الأخلاق الذي يعدون الأخلاق مجرد توصيات ورغبات وعبارات تعجب.
لا يمكنني بشكل متسق أن أؤكد، أو أقبل الحكم الأخلاقي، في أمر ما، مثل، "يجب عليك رد المال" أو إنكاره، أو أرفض رده، فأن إنكار أو رفض أمراً ما، هو ببساطة، يَعَّدُ أمراً بعدم العمل به.
وبالتالي، فإن أطروحة الأحكام الأخلاقية التوجيهية تعني أن من يقبل الحكم الأخلاقي بأنه يجب عليه أن يفعل، أو يكون ملزم منطقيًا بفعل أو لا وعلى العكس، فإن من لا يفعل عملاً ممنوع منطقيًا من قبول أو تأكيد الحكم بأنه ينبغي عليه الفعل، وإن أي حكم أخلاقي ينبغي عليك فعله أن يكون بالمعنى الذي يدفعك بالضرورة إلى فعل ما، بل بمعنى أن قبولك لحكمي يُلزمك بفعل ما أو أن عدم فعلك، يُشير إلى رفضك لحكمي فبقولي إنه ينبغي عليك فعل أمر ما، فإنني أُخبرك ضمنيًا بفعله؛ وإذا لم تفعل، فأنت لم تقبل ما قلته ولا توجيه مني، وهذا ما يخالف الأبعاد الأخلاقية في التواصل بين الذوات .
إذن، يُفترض أن الأحكام الأخلاقية تُشبه الأوامر في كونها توجيهية، وهي كذلك بالفعل، نظرًا لعلاقة منطقية وثيقة بالأوامر. لكن لها، ميزة أخرى بالغة الأهمية تُميزها عن العديد من الأوامر على الأقل. قد أطلب منك أن تغادر في هذه المناسبة بالذات نزوة عابرة من دون أن أكون ملزمًا منطقيًا بقول أو فعل أي شيء محدد في أي مناسبة أخرى؛ فأمر "غادر" الصادر إليك " الآن " لا يلزمني باتخاذ موقف معين في مكان آخر أو في أي وقت آخر، وإذا رغبتُ، في مناسبة أخرى، ربما مناسبة مشابهة تمامًا، في ألا تغادر، فقد أصدر الأمر "لا تذهب" من دون أي تناقض منطقي. لكن الأمر ليس كذلك مع الأحكام الأخلاقية. فالحكم الأخلاقي الذي أصدره في موقف معين يجب أن يستند إلى سمات معينة لهذا الموقف، وأن يُبنى عليها؛ وبالتالي، يجب أن أكون، من باب الاتساق، مستعدًا لإصدار الحكم الأخلاقي نفسه في أي موقف أخلاقي توجيهي يشترك في هذه السمات، ولا يختلف عنها في أي جانب آخر ذي صلة.
إذا التزمتُ بهذا الحكم في قضية ما، فلا يمكنني، من دون مخالفة المنطق، أن اصدار حكم مختلف في قضية أخرى، إلا إذا استطعتُ إثبات أن تلك القضية الأخرى مختلفة في جانب ذي صلة، أو إذا حكمتُ بشكل مختلف في قضية أخرى، فلا أستطيع إثبات اختلافها، فأنا ملزم بتصحيح حكمي الأصلي أو سحبه، فالأحكام الأخلاقية، في الواقع، لا يمكن أن تكون، كما قد تكون الأوامر التوجيهية، فريدة تمامًا وبشكل كامل، فعند الحكم على هذه الحالة، فإننا نحكم ضمنيًا على أي حالة من هذا النوع، ولا يمكننا بالتالي أن نحكم بشكل مختلف على حالات أخرى من نفس النوع، فلدينا إذن هناك أطروحة مفادها أن الأحكام الأخلاقية هي نوع من الأحكام التوجيهية، وأنها تتميز عن الأحكام الأخرى من هذه الفئة بكونها قابلة للتعميم.
***
د. رائد عبيس






