أقلام فكرية
أسعد عبد الرزاق: التشريع بين الكشف النصي والتأسيس التكويني
نحو إعادة بناء العقل المنهجي في أصول الفقه
ينطلق هذا المقال من فرضية مفادها أن العلاقة بين التشريع والوجود ليست علاقة انفصال بين عالم اعتبار وعالم تكوين، بل هي علاقة امتداد متداخل في الواقع وفي الادراك، فمن الممكن أن نفهم الحكم الشرعي على أنه صياغة اعتبارية لقانون تكويني، ويُمكن تعريف وظيفة العقل الأصولي بأنها قراءة مزدوجة للنص والواقع معاً، لأن الإشكال لا يكمن في مناهج الاستنباط ذاتها، بل في الأفق المعرفي الذي اختزلت فيه، وذلك عندما تم التعامل مع النص على أنه المصدر الوحيد للمعرفة التشريعية، والواقع مجرد مجال للتطبيق، لكننا بصدد اعتبار الواقع مجالا مشاركا في عملية الكشف عن الموقف الشرعي، ومن هنا لابد من التمييز بادئا أن الواقع التكويني مقابل الواقع التشريعي، يعبر عن وسائل كشف تندرج برتية دون رتبة المصادر الأصيلة (النص/الوحي).
أولاً: إشكالية الانفصال بين التكوين والاعتبار
تشكل علم الأصول تاريخياً في سياق الانضباط داخل النص وضبط الاستنباط، فكان تركيزه منصباً على أدوات الدلالة، وأنماط الظهور، وقواعد الإطلاق والتقييد، وحجية الأمارات والأصول العملية..، وقد أفضى هذا التركيز إلى ترسيخ مركزية النص باعتباره أحد أبرز محاور البحث الأصولي، بينما بقي (الواقع التكويني) في مساحة خارج نطاق التفكير الأصولي، ولا يدرس إلا من حيث انطباق الحكم عليه، لا من حيث بنيته الوجودية وقوانينه التكوينية التي يفترض كونها مؤثرة في عالم التشريع.
إن تحليل العلاقة بين الحكم والموضوع ظل في الغالب تحليلاً منطقياً أو لغوياً، لم يقترب من التحليل الوجودي الواقعي، فالوجوب مثلا يُفهم في صيغته ودلالته، او تم التركيز على ماهيته، أما وجوده خارجا فلم يحظ باهتمام واسع، بحيث نشأ على المستوى الإبستمولوجي، نوع من الفصل الضمني بين عالم الخلق وعالم الأمر، وكأن التشريع إنشاء اعتباري مستقل، أكثر من كونه امتدادا لقانون تكويني سابق عليه، وهذا الأخير يعبر عن علل البقاء ضمن قانون التكوين، أو عن قانون انتظام في حياة الفرد والمجتمع.
غير أن هذا التصور يواجه إشكالا منهجيا، يتمثل في أن وحدة المصدر تقتضي وحدة القانون، فإذا كان الخالق واحدا، فإن قوانين التكوين لا يمكن أن تكون معزولة عن قوانين التشريع، بل يفترض أن يكون التشريع كاشفا عنها بلسان الإلزام، وهي كاشفة عن التشريع بلسان البيان، ومن هنا، فإن العقل الأصولي يمكن أن ينتقل من مستوى انتاج الحكم الشرعي من مصادره الى مستوى اكتشاف الحكم الشرعي في موارده، وهوما يمكن الاشارة اليه بنحو أولي، لأنه يحتاج الى تأصيل وتأسيس، بحيث يمكن أن نتصور أن مصادر التشريع من الناحية المعرفية الادراكية كانت قد تمثلت بالوحي أو النص من دون شك، ومن ناحية الواقع والتكوين يكون الحكم معبرا عن اقتضاء ينبع من طبيعة الوجود، بمعنى أن الحكم الواقعي ليس الذي نتصوره خطابا أنشأه الشرع فحسب، بل قانون كامن في عالم التكوين، والشارع يحيل إليه أو ينشأه فالنتيجة واحدة، والعقل الاجتهادي يتعقله لأجل الكشف عن مواقف التشريع.
ثانياً: نحو إعادة تعريف وظيفة العقل الأصولي
إن المطلوب ليس إلغاء المنهج الاستنباطي المقرر في علم الأصول، بل إعادة انتاجه، فالعقل الأصولي لا ينبغي أن يقتصر على تفكيك النصوص، بل أن ينفتح على قراءة (الموضوعات/ الواقع/الوجود) باعتبارها بنية تكوينية حاملة لملاكات الأحكام، لان الواقع لا يمكن ان ننظر اليه على انه ظرف خارجي غير مؤثر، بل يمكن النظر اليه على كونه شبكة من العلامات الإدراكية التي تكشف عن قوانين الوجود، وهذه القوانين تمثل الخلفية والارضية التي ينبثق منها الحكم الشرعي.
فوجوب حفظ النفس، - كحكم- على سبيل المثال، يُفهم على مستوى الاعتبار الشرعي في مرحلة الانشاء، كأنه مراد للشارع فقط، في حين يمكن أن يفهم على مستوى كونه ناتجا عن قانون بقاء النوع، والعقل هنا ليس أحد مصادر تشريع وجوب حفظ النفس، بل كاشف عن وجود هذا الحكم ضمن قانون التكوين، ومثل ذلك وجوب الصلاة، الذي يثبت بالنص، لكن إدراك ضرورته لا ينفصل عن بنية تكوينية في الإنسان تجعله محتاجا إلى إعادة تنظيم وعيه وزمنه وعلاقته بالمطلق، إنّ النص يكشف الحكم، أما التكوين فيكشف علته الوجودية ولو على نحو الاجمال الذي لا يستقل بإثبات الحكم، وإنما يعد مكملا نوعيا وموضوعيا لعملية الاستنباط بأدواتها المعروفة.
وبذلك، يتحول العقل الأصولي من عقل استنباطي صرف إلى عقل مزدوج الوظيفة، يزاوج بين الكشف النصي والكشف الوجودي، وهو انتقال من (فقه الدلالة) إلى (فقه الوجود)، دون أن يعني ذلك تجاوز الضوابط المنهجية، بل تعميقها.
ان ما يبعث على التفاؤل في العقل الأصولي عند الامامية، هو نضوج فكرة البناء العقلائي في كشفه العلمي، والسيرة العقلائية في كشفها العملي، والذي يفتح المجال واسعا أمام التفكير عبر ما يطلق عليه بالمعرفة الارتكازية الوجدانية التي تشتغل في مساحة التكوين والتشريع على حد سواء، مع اختلاف في المستويات ونطاق التأثير.
ثالثاً: التقعيد التكويني للأحكام
يقوم مفهوم (التقعيد التكويني) على تصور مفاده: أن الحكم الشرعي صياغة اعتبارية لقانون تكويني سابق، فالتشريع تنظيم للواقع في ضوء بنيته الداخلية، والملاكات، وفي هذا التصور، توجد خصائص كامنة في الموضوع، يحاول أن يكشفها العقل من خلال قراءة قوانين الحياة والاجتماع.
إنّ الضرورة، والحاجة، والاختلال، والتوازن، مفاهيم لا تنتمي إلى عالم الاعتبار وحده، بل تشير إلى بنية وجودية موضوعية، فإذا كشف العقل عن أن سلوكاً ما يهدد انتظام الحياة، أو يُخل بقانون بقاء النوع، فإنّ التحريم التشريعي يكون تعبيرا عن حماية ذلك القانون، وإذا كشف عما ما يحقق كمالا وجوديا للإنسان، فإن الوجوب أو الندب يأتي باعتباره تقعيدا لهذا الكمال.
وعليه، فإنّ التقعيد التكويني لا يتجاوز قيمة دلالة النص، بل يعمق فهمها، فالنص خطاب هداية يكشف عن قوانين الواقع والتشريع معا، والتشريع، في جوهره، لا يتقاطع مع التكوين، بل امتداد له في مستوى التكليف.
والعقل الارتكازي الفطري الذي يتحرك ضمن الحيز العقلائي، والذي يمثل المحرك شبه الأساس في ترسيخ وعي عالم التكوين، هو ما يمكن التعويل عليه من خلال توظيفه ابستمولوجيا، بنحو أعمق من السائد، وهو بحد ظني ما له صلة وثيقة بثنائية المعروف والمنكر المطروحة قرآنيا، والتي تكشف عن إمكانية استثمار فاعل لمقولة المعروف في ضوء كونه مدركا ارتكازيا راسخا في الفطرة النوعية للمجتمع البشري، ويكاد يقترب من تحليل مدركات العقل العملي التي تنتهي على أحد المباني إلى الآراء المحمودة التي تنكشف للإنسان بالوجدان أكثر مما تنكشف له بالبرهان، وهذا ما يستدعي بحثا مستقلا..
إن اتساع مفهوم المعروف، من خلال مقاربة لغوية وقرآنية وأصولية، تؤسس إلى أن معنى المعروف لا يقتصر على الواجبات والمحرمات، بل يشمل القيم الفطرية والمعايير العقلائية التي تستقر في وجدان البشر، مع إبراز العلاقة الوثيقة بين المعروف وبناء العقلاء، والقضايا المشهورة، والعقل العملي، والتي تلتقي في بناء منظومة معرفية تشتغل على مجال التشريع والتكوين معا.
خلاصة
إنّ إعادة بناء العقل الأصولي على أساس التقعيد التكويني تمثل انتقالا من النظر إلى الحكم باعتباره إنشاء اعتباريا، إلى النظر إليه على كونه كشفا مقننا لقانون وجودي، وهذا التحول يمكن أن يفتح أفقا جديدا في الدراسات الأصولية، ويجعلها أكثر التصاقا بالواقع، وأكثر قدرة على فهم الضرورات الاجتماعية والإنسانية، من دون التفريط بأصالة النص ومنهجيته.
إن التحدي المعرفي اليوم يكمن في زيادة أدوات الاستنباط من جهة، وفي توسيع أفق الرؤية من جهة أخرى، بحيث يصبح العقل الأصولي قادرا على قراءة النص والوجود معا، في ضوء وحدة الخالق والمشرع، وفي هذا المسار، يستعيد التشريع فاعليته بدرجة أكبر كنظام حياة.
***
د. أسعد عبد الرزاق الاسدي






