أقلام فكرية

حسام الدين فياض: من هيجل إلى هوبز وهابرماس

كيف تحول النظام العالمي من حلم الحرية إلى صراع القوة والعنف؟

” التاريخ لم يعد يسير نحو الحرية كما تخيل هيجل، بل صار مسرحاً لصراع هوبزي مستمر، حيث الغلبة للأقوى، والقيم تتحول إلى كلام بلا قوة. ففي هذا العالم، لا يقاس النجاح بالحق أو القانون، بل بالقدرة على فرض الإرادة، وتصبح السلطة وسيلة للبقاء أكثر من كونها أداة لتحقيق المثل العليا للإنسانية “.

” هابرماس حلم بالحوار العقلاني كأداة للعدالة، لكن السياسة الدولية أظهرت أن القوة والمصلحة المباشرة أجهضت أي محاولة للتفاهم والتواصل العقلاني “.

” في عصر الميديوقراطية، باتت السياسة لعبة صورية، تدار بالقوة والظهور، حيث تغيب الرؤية، وتصبح القيم مجرد ديكور، والفكر مجرد صدى يتبدد أمام إرادة البقاء “ (الكاتب).

لم يعد العالم اليوم يدار بالقانون، بل بمن يملك القدرة على كسره، فقد أصبح النظام العالمي المعاصر نظام إمبراطوريات وعصابات بالأخص مع إدارة البرتقالي، لذا كيف يمكننا الإيمان بفلسفة هيجل عندما خلص بأن التاريخ الإنساني تاريخ يسير نحو التقدم. الإجابة بكل صراحة لا، حيث صدق هوبز في قوله حرب الكل ضد الكل والغلبة للأقوى. أما الحديث عن القانون الدولي وحقوق الإنسان - بات أكثر من أي وقت مضى- لغة بلا قوة.

يبدو أننا في هذا السياق وضعنا إصبعنا على الجرح الفلسفي والسياسي العميق الذي يعيشه عالمنا المعاصر، خاصة مع عودة (الإدارة البرتقالية) التي تتعامل مع السياسة الدولية بعقلية      " الصفقة " والابتزاز والإكراه والقوة العارية، بعيداً عن الرتوش الدبلوماسية والمؤسساتية القانونية.

 لقد جسدت الأحداث الراهنة ما يمكن وصفه بـ " المشهد السياسي الدولي المعاصر " في الألفية الثالثة، حيث يدور الصراع حول أربع رؤى فلسفية كبرى تتقاطع مع مصالح القوى العالمية، وتعيد إنتاج التوتر بين التقدم، الفوضى، والسيادة المطلقة.

- انكسار " هيجل " (حتمية التقدم) كان هيجل يرى أن التاريخ ليس مجرد أحداث عشوائية، بل هو " سير العقل نحو الحرية ". حيث اعتقد أن البشرية تتطور من الهمجية إلى الدولة القانونية، وأن كل صراع (ديالكتيك) ينتهي بنتيجة أرقى وهي سيادة القانون والمدنية وحقوق الإنسان.

لماذا يبدو مخطئاً الآن؟ لأن ما نراه اليوم ليس " تقدماً نحو الحرية "، بل " نكوصاً " نحو القوميات والإيديولوجيات المتطرفة، وسياسات المحاور، وتفكيك المؤسسات الدولية وإفراغ القانون الدولي من مضمونه فلم يعد قادرا على تأطير النزاعات الدولية. بذلك أصبح التاريخ في هذا السياق لا يسير للأمام، بل يبدو وكأنه يدور في حلقة مفرغة من الصراعات البدائية على الموارد والنفوذ من منطلق أسياد وعبيد.

- بالمقابل صدق " هوبز " (الإنسان ذئب لأخيه الإنسان) عندما نصف النظام العالمي بـ " نظام العصابات " لكن بلباس الياقات البيضاء الحداثي، فنحن نستحضر حرفياً فلسفة توماس هوبز في كتابه " الليفايثان ". حيث يرى هوبز أن البشر (والدول) في حالتهم الطبيعية يعيشون " حرب الكل ضد الكل ".

وهذا وضع طبيعي في ظل غياب " سلطة عالمية " حقيقية قادرة على لجم القوى الكبرى، لتصبح الدول المارقة كـ " الذئاب "، القوي يلتهم الضعيف تأميناً لبقائه. في واقع الأمر جسدت الإدارة البرتقالية هذا بوضوح عبر شعار " أمريكا أولاً "، وهو ترجمة سياسية لـ " أنا ومن بعدي الطوفان "، حيث لا مكان للمبادئ الأخلاقية إذا تعارضت مع المصلحة المادية البراغماتية المباشرة.

- سيادة الميديوقراطية، أو حكم المتواضعين، تمثل إحدى أبرز مظاهر التناقض الغربي الراهن. فبدلاً من أن تظل السلطة في أيدي النخب الفكرية التي تبني سياساتها على قيم التنوير ومبادئ الحرية، نجد أن بعض القيادات الحالية أصبحت إجرائية وشعبوية، تدير الدولة بعقلية شركة أو شبكة مصالح. هذه النماذج السياسية تعتمد على مبدأ " من ليس معنا فهو ضدنا "، مما يحول المؤسسات الوطنية والدولية إلى أدوات لتحقيق المكاسب الفورية والخدمة الذاتية بدل الالتزام بالمثل العليا.

ومن الناحية النظرية، يعكس هذا التحول طبيعة الحكم المعاصر الذي يهيمن عليه البراغماتيون والشعبويون الإجرائيون، حيث تُقدّم الفعالية العملية على العمق الفكري، والمصلحة المباشرة على القيم والمبادئ. والنتيجة هي تحويل السياسة من فضاء للتفكير الأخلاقي والاجتماعي إلى ساحة إدارة مصالح وإكراه سلطوي، ما يؤدي إلى هشاشة المؤسسات وفقدان الرؤية الاستراتيجية الطويلة المدى.

وهكذا تصبح السياسة بنظرهم " بيزنس " حيث تدار الحرب والسيادة بمنطق " الحماية مقابل المال " (الخوة)، ليسقط القناع الأخلاقي للغرب، ويتحول النظام الدولي إلى " إقطاعيات    إمبريالية " معاصرة. إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه علينا بناءً على متغيرات الواقع وأحداث السياق السياسي الدولي هل نحن أمام " نهاية التاريخ " أم " العودة للبدائية " ؟

إذا كان الغرب يتحدث عن حقوق الإنسان من جهة، ويمارس " بلطجة " دولية من جهة أخرى، فهو يؤكد نظرية كارل شميت (الذي كان ناقداً لهيجل) بأن " السياسي " يتحدد فقط بالعلاقة بين (الصديق والعدو)، وأن القانون الدولي ما هو إلا أداة بيد القوي والمنتصر.

- ومن زاوية سوسيولوجية معاصرة، يمكن اعتبار ما نعيشه اليوم " فشلاً عملياً " لنظرية الفعل التواصلي عند يورغن هابرماس، التي رأت أن التواصل العقلاني والحوار المؤسسي يمكن أن يوجه القرارات السياسية والاجتماعية نحو التفاهم والعدالة والاعتراف بالآخر. إلا أن الواقع المعاصر، كشف لنا عن عجز مقولات هذه النظرية في مواجهة عقلية القوة والمصلحة المباشرة، فالحوار بين الدول لم يعد مساراً للتفاهم أو ضبط النزاعات، بل أداة مسيسة، حيث تهيمن المصالح السلطوية والابتزاز والإكراه على أي محاولة للتفاهم والحوار. وهكذا، تحول الفعل التواصلي إلى مجرد فلسفة بلا قدرة على التطبيق في السياسة الدولية، ما يعكس عمق الأزمة في القيم والمؤسسات العالمية.

خلاصة القول، إن المشهد الدولي الراهن، بقيادة الإدارات الشعبوية والقوى الإمبراطورية المتصارعة، يثبت أن محرك التاريخ ليس " الروح " أو " العقل " كما توهم هيجل، بل هو " غريزة البقاء المتوحشة ". نحن نعيش في عالم لا تُصنع فيه القرارات بناءً على قيم تنويرية ذات الطابع الإنساني، بل بناءً على عقيدة الخوف الاستباقي، حيث يسعى كل قطب للسيطرة المطلقة خشية أن يُسيطر عليه. هذا " التدخل السافر " في سيادة الدول ليس إلا تجلياً لعودة الإنسان الذئب في أبهى صوره التكنولوجية، مما يحول النظام العالمي من منظومة قانونية إلى ساحة صراع لعصابات دولية لا تعترف إلا بمنطق القوة الهمجية الصرفة ليضرب بعرض الحائط كل المواثيق الدولية.

وفي الختام، ربما لم ينته التاريخ كما بشر هيجل، لكنه بالتأكيد لم يعد يتقدم كما تخيله، أو كما تصوره هابرماس قائماً على الحوار العقلاني دون نفي الآخر. ما نشهده اليوم أقرب إلى عالم توماس هوبز، حيث لا يُحسم الصراع بالقانون، بل بمن يملك القدرة على فرضه. في هذا العالم، لا يُسأل: مَنْ على حق؟ بل مَنْ الأقوى؟ تلك هي الحقيقة التي تُقال همساً… وتُمارس علناً.

***

د. حسام الدين فياض

الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة

قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا

في المثقف اليوم