أقلام فكرية
زكريا نمر: تسييس الدين وإعادة إنتاج الهويات الصراعية على حساب المواطنة
لم تعد العلاقة بين الدين والسياسة في العالم المعاصر مجرد مسألة تاريخية أو خلاف ايديولوجي بين تيارات فكرية متنافسة، بل اصبحت اشكالية بنيوية تمس جوهر الدولة الحديثة وطبيعة الشرعية السياسية وحدود السلطة العامة. فالواقع السياسي في عدد كبير من المجتمعات يكشف عن استمرار حضور الدين ليس بوصفه منظومة روحية او اخلاقية فردية، بل بوصفه موردا رمزيا يستخدم في انتاج الشرعية السياسية وتوجيه المجال العام واعادة تشكيل الهوية الجماعية.
هذه الاشكالية لا يمكن فهمها من خلال ثنائية مبسطة من نوع “علمانية مقابل دين، لان هذه الثنائية تخفي تعقيدا اعمق يتعلق بكيفية تشكل الدولة نفسها، وكيفية توزيع السلطة داخل المجتمع، وكيف تعرف الحقيقة العامة: هل هي نتاج توافق بشري قابل للنقد؟ ام انها امتداد لحقيقة متعالية مفروضة على المجال السياسي؟ يصبح النقاش فلسفيا بالاساس، لا سياسيا فقط. اذ ان السؤال الجوهري ليس: هل يجب ان يكون الدين حاضرا في السياسة ام لا؟ بل: ما طبيعة المجال السياسي ذاته؟ وهل هو مجال للمعنى المطلق ام مجال للتدبير البشري النسبي؟
في الفلسفة السياسية الحديثة، خاصة منذ تشكل الدولة الحديثة في اوروبا، جرى التمييز تدريجيا بين مجالين: مجال الايمان بوصفه علاقة بين الانسان والمطلق، ومجال السياسة بوصفه تنظيما للعلاقات بين البشر داخل مجتمع تعددي. هذا التمييز لم يكن عدائيا تجاه الدين، بل كان محاولة لحماية المجالين معا من التداخل الذي يؤدي تاريخيا الى العنف او الاحتكار الرمزي للحقيقة. يمكن العودة هنا الى تقاليد العقد الاجتماعي عند توماس هوبز وجون لوك وجان جاك روسو، حيث يتم تصور الدولة بوصفها عقدا بشريا يقوم على التوافق، لا على التفويض الالهي المباشر. عند لوك خصوصا، يظهر مبدأ اساسي: الدولة لا تملك سلطة على الضمائر، لان الضمير مجال لا يخضع للاكراه. ومن هذا التصور تتشكل لاحقا الفكرة العلمانية عن حياد الدولة تجاه المعتقدات.
لكن العلمانية، في معناها الفلسفي الدقيق، ليست مجرد فصل ميكانيكي بين الدين والسياسة، بل هي اعادة تعريف لمصدر الشرعية: الشرعية لم تعد تأتي من السماء مباشرة، بل من المجتمع نفسه، عبر آليات التمثيل والتوافق والقانون. وهذا التحول هو الذي سمح بتأسيس مفهوم المواطنة بوصفها هوية سياسية تتجاوز الانقسامات الدينية.غير ان هذا التحول لم يكن سلسا ولا مكتملًا في كل السياقات التاريخية. فالعلاقة بين الدين والسياسة ظلت تعود باشكال مختلفة، خصوصا في المجتمعات التي لم تمر بنفس مسار الحداثة الاوروبية، او التي شهدت اختلالات في بناء الدولة الوطنية الحديثة. في هذه السياقات، غالبا ما يتم استدعاء الدين ليس فقط كمرجعية اخلاقية، بل كاداة لتثبيت السلطة او مقاومة الاستعمار او تعبئة الجماهير.
لكن هذا الاستدعاء، رغم سياقاته التاريخية، يحمل في داخله توترا بنيويا: كلما تم ادخال الدين في المجال السياسي بوصفه مصدرا مباشرا للشرعية، كلما تحول من فضاء مفتوح للتأويل الروحي الى اداة معيارية مغلقة تستخدم لتحديد من هو الداخل ومن هو الخارج” داخل الجماعة السياسية. تحديدا تظهر الاشكالية الفلسفية الاساسية: حين يتحول الدين الى معيار سياسي، فانه يفقد جزءا من طبيعته الرمزية التأويلية، ويتحول الى خطاب سلطوي. وفي المقابل، حين تتحول السياسة الى خطاب ديني، فانها تفقد طابعها التعددي وتتحول الى منظومة يقينيات مغلقة.
هذا التداخل لا يؤدي فقط الى ازمة في الحكم، بل الى ازمة في المعرفة السياسية نفسها. اذ يصبح من الصعب التمييز بين النقد بوصفه ممارسة عقلانية، وبين الاعتراض بوصفه خروجا على المقدس. وهنا يتم تعطيل المجال النقدي الذي يعد شرطا اساسيا لاي نظام سياسي حديث.في هذا الواقع يمكن استدعاء تصور ماكس فيبر للسلطة، حيث يميز بين ثلاثة انماط للشرعية: التقليدية، الكاريزمية، والقانونية العقلانية. الدولة الحديثة، في صورتها المثالية، تقوم على الشرعية القانونية العقلانية، اي على منظومة قواعد عامة غير مرتبطة بشخص او نص مقدس بعينه، بل مرتبطة باجراءات قابلة للفحص والمساءلة. اما ادخال الدين في السياسة بشكل مباشر، فيعيد انتاج انماط شرعية تقليدية او كاريزمية، حيث تصبح السلطة مرتبطة بالمقدس او بالشخص او بالتأويل الاحتكاري للحقيقة.
من جهة اخرى، فان الفلسفة السياسية الليبرالية الحديثة، خاصة عند جون رولز، حاولت معالجة هذه الاشكالية عبر مفهوم العقل العام. هذا المفهوم يفترض ان القرارات السياسية التي تمس الجميع يجب ان تبرر باسباب يمكن ان تكون مقبولة من جميع المواطنين بغض النظر عن معتقداتهم الدينية او الفلسفية. بمعنى اخر، يتم ازاحة اللغة الدينية الخاصة من المجال التشريعي لصالح لغة مشتركة قابلة للتداول العام.لكن هذا لا يعني اقصاء الدين من الحياة العامة، بل يعني فقط انه لا يمكن ان يكون المصدر الوحيد او النهائي للتشريع السياسي في مجتمع تعددي. فالتعددية هنا ليست حالة طارئة، بل هي بنية دائمة للمجتمع الحديث، حيث تتعايش رؤى مختلفة للخير والحقيقة.عندما يتم تجاهل هذا البعد التعددي، ويفرض تصور واحد للحقيقة داخل المجال السياسي، تظهر انماط من الانقسام الحاد داخل المجتمع، حيث تتحول السياسة الى صراع هويات لا الى تنافس برامج. في هذه الحالة، لا يعود الاختلاف السياسي اختلافا مشروعا، بل يعاد تفسيره بوصفه انحرافا اخلاقيا او دينيا.
هذا التحول له اثار خطيرة على بنية الدولة. اولا، يؤدي الى اضعاف مفهوم المواطنة، لان الانتماء يصبح مرتبطا بالهوية الدينية او الطائفية بدل الانتماء القانوني. ثانيا، يؤدي الى تآكل فكرة المساواة، لان بعض الجماعات تعتبر اقرب الى الحقيقة او الشرعية من غيرها. ثالثا، يؤدي الى شلل المجال العام، لان النقاش يتحول الى تبادل للاتهامات بدل تبادل للحجج.اضافة الى ذلك، فان تسييس الدين يخلق ما يمكن تسميته بـ”الشرعية المحصنة”، اي شرعية لا يمكن نقدها دون التعرض للتكفير السياسي او الاخلاقي. هذه الحالة تقضي على احد اهم انجازات الحداثة السياسية: امكانية مساءلة السلطة دون خوف.
لكن المشكلة لا تتوقف عند السياسة فقط، بل تمتد الى الدين نفسه. اذ ان تحويل الدين الى اداة سياسية يؤدي الى تشويهه من الداخل، لانه ينقله من مجال المعنى والروح الى مجال الصراع والمصلحة. في هذه اللحظة، يفقد الدين جزءا من قدرته على تقديم معنى متجاوز للصراع اليومي، ويصبح جزءا من هذا الصراع نفسه.وهذا ما يجعل العلاقة بين الدين والسياسة علاقة توتر دائم، وليست علاقة انسجام طبيعي. فكل طرف يحاول اعادة تعريف الاخر وفق منطقه الخاص: السياسة تحاول تحويل الدين الى اداة شرعية، والدين في صورته المؤسسية يحاول توجيه السياسة نحو نموذج معين من النظام الاجتماعي. تظهر العلمانية ليس بوصفها موقفا عدائيا من الدين، بل بوصفها تقنية تنظيمية للسلطة تهدف الى منع الاحتكار الرمزي للحقيقة. انها ليست فلسفة ضد الدين، بل فلسفة ضد تحويل اي منظومة فكرية، دينية كانت او غير دينية، الى سلطة سياسية مطلقة.
غير ان العلمانية نفسها ليست نموذجا واحدا. فهناك العلمانية الفرنسية (اللائكية) التي تميل الى فصل صارم بين الدين والدولة، واحيانا الى تقليص حضور الدين في المجال العام. وهناك العلمانية الليبرالية الانجلوساكسونية التي تسمح بحضور الدين في المجال العام طالما لا يفرض على الاخرين. وهناك نماذج اخرى في العالم غير الغربي تحاول التوفيق بين المرجعيات الدينية والدولة الحديثة، لكنها غالبا تواجه تحديات في ضبط حدود السلطة والمعنى.
في الواقع العربي والافريقي خصوصا، تتعقد الاشكالية اكثر بسبب عوامل تاريخية تتعلق بتشكل الدولة الحديثة بعد الاستعمار، وضعف المؤسسات، واستمرار البنى الاجتماعية التقليدية. في هذه الحالة، يصبح الدين احيانا احد اهم مصادر الشرعية السياسية، ليس فقط بسبب الايمان، بل بسبب ضعف البدائل المؤسسية القادرة على انتاج شرعية عقلانية مستقرة.لكن هذا الاستخدام، رغم وظيفته السياسية، يخلق دائرة مغلقة: كلما زاد الاعتماد على الشرعية الدينية، ضعفت المؤسسات القانونية، وكلما ضعفت المؤسسات، زادت الحاجة الى الشرعية الدينية، مما يعمق الازمة بدل حلها.يمكن فهم العلمانية ليس كخيار ثقافي مستورد، بل كحل تنظيمي لمشكلة شرعية داخل الدولة الحديثة كيف يمكن ادارة مجتمع تعددي دون اللجوء الى احتكار الحقيقة؟ وكيف يمكن الحفاظ على وحدة الدولة دون الغاء اختلاف المجتمع؟
الاجابة لا تكمن في اقصاء الدين، بل في اعادة تحديد مجاله الدين كخبرة فردية وجماعية في المعنى والاخلاق، والسياسة كفضاء للتدبير المشترك القابل للمساءلة. هذا الفصل لا يعني القطيعة، بل يعني التمييز الضروري الذي يمنع التداخل المدمر.ان التوتر بين الدين والسياسة ليس خللا يمكن القضاء عليه نهائيا، بل هو توتر بنيوي ملازم للمجتمعات البشرية. لكن طريقة ادارة هذا التوتر هي ما يحدد شكل الدولة: دولة مفتوحة تقوم على التعدد والمساءلة، او دولة مغلقة تقوم على احتكار الحقيقة.كلما اقتربت الدولة من النموذج الاول، كلما اصبح الدين اكثر حرية في معناه الروحي، والسياسة اكثر عقلانية في ادواتها. وكلما اقتربت من النموذج الثاني، حدث العكس يتحول الدين الى اداة صراع، وتتحول السياسة الى عقيدة مغلقة، وتضيق مساحة الانسان بينهما.
***
زكريا - نمر







