أقلام فكرية
غالب المسعودي: سفه المادة وعماء السياسة الرأسمالية
مكننة الإبادة في زمن الذوات المنفوخة
اشتباك البنية مع السيكولوجيا الوجودية: تنبثق العلاقة القائمة بين البنى الاقتصادية الكلية والحالة الوجودية للذات الإنسانية كواحدة من أكثر الإشكاليات استعصاءً في الفلسفة السياسية المعاصرة، لا سيما حينما ترتطم هذه العلاقة بآليات القمع الممنهج وتشكيلات المقاومة المنفعلة. إن مفهوم "سفه رأس المال" الذي نطرحه هنا لا يحيل إلى مجرد عجز تقني في الإدارة المالية أو تبديد للموارد، بل هو توصيف لحالة من العبثية الأنطولوجية التي تتجلى فيما يمكن تسميته "ميتافيزيقيا تعظيم الأنا الرأسمالية".
هذه النزعة التي تستنبت "الأنا" كمركز مطلق للاستحواذ، تخلق قطيعة معرفية حادة مع واقع سياسي ممعن في "تجاوز الواقع الملموس"؛ حيث تتحول الرأسمالية من نمط لتبادل السلع إلى جهاز سيادي لإنتاج "المروّع" وإعادة صياغة القوالب الإنسانية عبر التشويه الممنهج. إننا أمام بنية لا تكتفي باستغلال الجسد، بل تعمل على تفتيت الوعي بالواقع، محولةً الحرب من صراع على الأرض إلى عملية "تطهير أنطولوجي" تجتث كل ما لا يتوافق مع منطق التراكم. والمفارقة اللاهوتية-السياسية هنا تكمن في أن هذه التشوهات الرأسمالية لم تعد حكراً على مراكز القوة العالمية، بل تسربت كسمّ زعاف إلى أنسجة الهياكل المقاومة، حيث يبرز "انتفاخ الذات" كعائق وجودي يحيل المشاريع التحررية إلى مسوخ مشوهة تعيد إنتاج القمع ذاته بأسماء مقدسة.
ميتافيزيقيا تعظيم الذات واشتهاء الاستحواذ الكلي
تضرب جذور تعظيم الذات في التربة الفلسفية التي أسست للذاتية الحديثة، تلك التي نظرت إلى الوجود الخارجي بوصفه مجرد "موضوع" قيد التدجين والاستملاك. إن "سفه رأس المال" في سياقاتنا الراهنة يعكس شهوة معرفية وسلوكية لاستئصال "الآخرية"؛ فالرأسمالية في جوهرها لا تحتمل وجود "آخر" لا يخضع لمنطق السلعة.
هنا يظهر الاستحواذ الشرس كفعل لا يكتفي بنهب الموارد الجوفية، بل يمتد لتأميم المعنى وتأطير الزمان واستعباد الخيال الإنساني. تتحول الرأسمالية هنا إلى "أداة لملء الفلاء الوجودي" الناتج عن انقطاع الصلة بالقيم المتعالية؛ هذا الانقطاع هو الرحم الذي يولد "السفه" بالمعنى الفلسفي، حيث تنفصل القوة المادية عن غايتها الأخلاقية لتصبح وقوداً لتغذية "تورم الذات" لدى النخب الحاكمة. إنها إرادة القوة حينما تفقد بوصلة الوجود وتتحول إلى نرجسية تدميرية تبتلع العالم لتشعر بحضورها الزائف، محولةً الكوكب إلى مخزن للمواد الخام والضحايا المحتملين.
من العبثية المادية إلى الهدر الوجودي الشامل
يرتبط مفهوم "السفه" في الفلسفة السياسية الكلاسيكية بنقص الرشد، لكننا اليوم أمام "سفه بنيوي" يحكم مسار التاريخ المعاصر. يتجلى هذا السفه في تحييد الحكمة الوجودية لصالح حسابات التضخم الذاتي الأنانية للسياسة الرأسمالية. هذا المسار لا يؤدي إلى إفلاس مالي فحسب، بل إلى "هدر وجودي" مرعب؛ حيث تُنحر المصالح الكلية للمجتمعات على مذبح النزوات العابرة لأفراد توهموا أنهم فوق قوانين التاريخ.
وفي كنف الرأسمالية المتوحشة، يتخذ هذا السفه شكلاً سرطانياً؛ حيث يتم ضخ دماء الشعوب ومواردها في "هياكل إدارية وعسكرية متضخمة" لا وظيفة لها سوى حماية عملية التراكم المالي وتأمين الامتيازات الطبقية. هذا النمو الفائض للجهاز الاستهلاكي والقمعي يستهلك المادة الحيوية للأمة، مما يؤدي بالضرورة إلى الانهيار التام تحت وطأة قوانين "القصور الحراري" التي لا ترحم الأنظمة المغلقة. إن الرأسمالية في عماها تظن أنها تبني حصوناً، بينما هي في الحقيقة تبدد الطاقة الضرورية لاستمرار الحياة الإنسانية، مما يجعل الانفجار مسألة وقت لا أكثر.
المأزق السيكولوجي والعمى الاستراتيجي للمقاومة المنفعلة
على الضفة المقابلة لهذا السفه الرأسمالي، تعاني حركات المقاومة من داء "الانتفاخ الثوري" الذي يعد انعكاساً مشوهاً للعدو ذاته. تتشكل الهوية هنا على وهم "الطهرانية المطلقة"، حيث يرى المقاوم نفسه حاملاً وحيداً للفضيلة في عالم دنس. هذا الانتفاخ يولد "نرجسية جمعية" تحجب الرؤية وتشرعن الإقصاء وتجعل من النقد خيانة.
هذا "الاستغناء المعرفي" يورث "عمىً استراتيجياً" قاتلاً، يتبدى في التجاهل المتعمد للتطور التقني الهائل الذي تملكه الرأسمالية كبنية مادية وقوة ميكانيكية. بينما ينغمس المقاوم في ديباجات بلاغية عاطفية تمجد "الإرادة المحضة"، يكون الخصم الرأسمالي قد أتمّ "مكننة الإبادة" عبر أدوات تتجاوز الإدراك البشري التقليدي. إن إغفال الفجوة العلمية والتقنية ليس قصوراً لوجستياً فحسب، بل هو عرض لمرض "انتفاخ الذات" الذي يرفض الاعتراف بالواقع الموضوعي وموازين القوى. المقاوم هنا يعيش في "زمن موازٍ"، يحارب مسيرات القتل وخوارزميات الاستهداف بعقلية شعاراتية، ظناً منه أن "النقاء الأيديولوجي" كفيل بخرق القوانين الفيزيائية لآلة الحرب الحديثة.
الإدارة فوق الواقعية للقمع وتدمير "الشكل" الإنساني
نحن نعيش عصر "فوق الواقعية" السياسية، حيث لم يعد العنف يهدف إلى الإخضاع الجسدي فحسب، بل إلى جعل الواقع مكاناً "غير قابل للتعرف". إن الرأسمالية كبنية قمعية تعمل على تدمير "شكل" الضحية ومحيطها بطريقة سريالية تجعل الأشلاء والأنقاض هي النص الوحيد المتاح للقراءة في مدن الشرق الأوسط.
الهدف هنا هو خلق حالة من "اللامعنى" الشامل، حيث يفقد الفعل الإنساني قيمته وتضيع الحقيقة في ركام البيانات الرقمية والصور المفبركة. في هذا الفضاء "فوق الواقعي"، يصبح القتل فعلاً إحصائياً بارداً تُديره مراكز التحكم عن بعد، وتتحول معاناة البشر إلى تدفقات بيانية في خوارزميات الربح والخسارة. إن الرأسمالية في هذه المرحلة لا تقتل الإنسان لتسود، بل تمحو أثره الأنطولوجي لتؤكد سطوة "الآلة" المطلقة على "الروح".
الصدام العدمي بين التضخم الأيديولوجي والآلة التقنية
يبلغ الصراع ذروته العدمية حين تصطدم "الإدارة فوق الواقعية للقمع الرأسمالي" بـ "التضخم الأيديولوجي" للمقاومة المنفعلة. الرأسمالية تسعى لـ "تغييب العقل" عبر تقنية فائقة تجرد الإنسان من إنسانيته وتحيله إلى هدف، بينما تواجهه المقاومة بـ "وعود غيبية ومثالية " تتعالى على الجسد المنهك والواقع المنهار.
في هذا الصدام، يُسحق "الإنسان الفرد" الذي كان من المفترض أن يكون هو موضوع التحرير. يتحول الصراع إلى اشتباك بين "وحوش مفاهيمية":
آلة تقنية باردة لا تملك ذاكرة، وذات أيديولوجية متضخمة لا تملك بصراً، كلاهما ينظر إلى الفرد بوصفه "مادة استعمالية" أو "حطباً تاريخياً"؛ الأول يراه رقماً في كشوفات الإبادة الممنهجة، والثاني يراه وقوداً في معركة "النقاء" المتخيلة. إن قتل الإنسان "منزوع الكرامة" يصبح في نظر هذه الهياكل فعلاً مبرراً للحفاظ على تراكم رأس المال أو استمرار الأسطورة الأيديولوجية.
مأزق المثقف والانفصام الوجودي في زمن الحرب
في ظل هذا الضجيج العدمي وسفه المادة، يجد المثقف نفسه محاصراً بين مطرقة "سفه الرأسمالية" وسندان "انتفاخ المقاومة". لا مكان هنا للحياد الأكاديمي المترف؛ فإما الانخراط في "مقاومة مموهة" تقتات على الرموز لتنجو من بطش الآلة، أو السقوط في فخ "الارتهان المطلق" الذي يمحو استقلالية الفكر.
إن الحرب في الشرق الأوسط اليوم لا تترك مجالاً للمواقف الرمادية، بل تفرض انفصاماً وجودياً حاداً يختلط فيه اليقين بالوهم. المثقف الذي لا يملك أدوات تفكيك "عماء السياسة الرأسمالية" يجد نفسه إما صدى لصوت القمع أو ضحية لانتفاخ الأوهام الذاتية. إن المهمة النقدية اليوم تقتضي كشف زيف "البدائل الشكلانية" التي تقدمها الرأسمالية كحلول سياسية، بينما هي في الجوهر مجرد تقنيات جديدة لإدارة العبيد وتأبيد الصراع.
نحو حتمية المواجهة مع "العدم" والتحرر من الأوهام
إن هذا التوصيف الجدلي يضعنا أمام حتمية تاريخية لا تجدي معها البكائيات الأخلاقية أو النصائح الوعظية عن السلام والانفتاح. إن عماء السياسة الرأسمالية الذي يغذي آلة الحرب ليس انحرافاً طارئاً يمكن إصلاحه ببعض القوانين، بل هو جوهر البنية المادية التي تقتات على الصراع وتدمير "الشكل" الإنساني لصالح سيادة الآلة.
إن العالم الجديد لا يحترم إلا "القوة الراشدة" التي تجمع بين صلابة الوعي وتفوق الأداة، وما دون ذلك ليس سوى هدر وجودي في زمن المكننة العدمية التي لا تصون كرامة ولا تعترف بأي "شكل" إنساني خارج منطق الاستهلاك أو الإبادة. إن التحرر الحقيقي يبدأ بتمزيق حجاب الأوهام والاعتراف بأننا نواجه "آلة" لا "شخصاً"، وبأن المواجهة تتطلب عقولاً مصفحة بالعلم قبل أن تكون صدوراً عارية في مهب النار.
***
غالب المسعودي







