عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

غالب المسعودي: الإرادة المعرفية وإرادة التحرر في بناء الدولة الوطنية

النقد والتأسيس

تشكل الفلسفة المعاصرة في جوهرها سلسلة من الانقطاعات والتحولات الجذرية التي أعادت صياغة علاقة الإنسان بذاته، وبالعالم، وبالحقيقة. ويمثل الانتقال من عصر الحداثة الذي اتسم بالثقة المطلقة في العقل والذات المستقلة إلى عصر ما بعد الحداثة، ثورة في القواعد المنطقية والوجودية للفكر البشري. لقد كانت الحداثة الفلسفية لحظة الانفصال الكبرى عن الفكر الوسيط؛ حيث انتقل مركز الثقل من الغيبيات التقليدية إلى "الذاتية" بوصفها المصدر الوحيد لليقين. هذا التحول الذي قاده "رينيه ديكارت" عبر منهجه القائم على الشك، انتهى إلى إثبات الكينونة عبر الوعي. إن هذا التأسيس لنظرية المعرفة جعل فحص أدوات الإدراك يسبق البحث في أصل الوجود، وهو مسلك نجد له صدى تاريخياً في الفكر العربي عند أبي حامد الغزالي، الذي ناقش في كتابه "معيار العلم" خداع الحواس وضرورة فحص المعرفة بمنهجية صارمة.

تطورت الحداثة لاحقاً لتشمل أبعاداً اجتماعية وسياسية عبر فلاسفة التنوير، الذين سعوا لتأسيس نظرية اجتماعية عقلانية تقوم على العقد الاجتماعي وفصل السلطات، مما أدى إلى نشوء مفاهيم المواطنة والدولة الحديثة. اعتمد البناء المنطقي لهذه المرحلة على "العقلانية الأداتية" التي رأت في الطبيعة والمجتمع موضوعات قابلة للفهم والسيطرة عبر القوانين العلمية. وارتبطت هذه الرؤية بفكرة التقدم الحتمي، التي جعلت معيار تقييم الفكر هو مدى دقته في تصوير الواقع التاريخي المتطور. ومع ذلك، واجهت هذه العقلانية المفرطة نقداً داخلياً من مفكرين طالبوا بإعادة الاعتبار للإنسان المادي، مؤكدين أن التاريخ لا يسعى نحو فكرة مطلقة، بل نحو تحقيق الوجود الإنساني الفعلي.

مع بزوغ فجر "ما بعد الحداثة"، أعلن "جان فرانسوا ليوتار" نهاية "السرديات الكبرى" التي تدعي امتلاك الحقيقة النهائية. انتقل الفكر هنا إلى نموذج "الألعاب اللغوية" وفهم المعرفة كعملية مشتتة وغير مركزية، مما يمثل لحظة الارتياب في كل اليقينيات التي أسستها الحداثة. إن هذا التحول من اليقين إلى السيولة يعيد طرح تساؤلات عميقة حول إمكانية بناء دولة وطنية مستقرة في عالم يفقد تدريجياً مراكزه المعرفية الصلبة.

قوى السلطة الخفية وإرادة المعرفة

يمثل "ميشيل فوكو" انعطافة حاسمة في فهم العلاقة بين السلطة والمعرفة؛ إذ رفض النظرة التقليدية للسلطة بوصفها أداة قمع مركزية تمتلكها الدولة، وصوّرها كـ "شبكة منتجة" تتخلل كل مفاصل الجسم الاجتماعي. يسعى فوكو عبر منهجه في "حفريات المعرفة" لوصف قواعد تشكيل الخطاب، بينما يهدف في منهجه "تتبع أصول القوة" إلى كشف كيف أن الحقيقة ليست اكتشافاً، بل هي "إنتاج" تقوم به السلطة لتنظيم الأجساد والعقول. بالنسبة له، فإن السلطة توجد في التفاصيل الصغيرة، وتخترق العلاقات اليومية، ولا تنحصر في أجهزة الدولة، بل توجد بين كل من يملك المعرفة ومن يفتقدها.

إن الدولة، في هذا المنظور، هي بناء يلتحم مع شبكات القوة التي تسكن الأسرة والمعرفة والتقنية. تمارس السلطة تأثيرها عبر "إدارة السلوك" وتحفيز الأفراد على مزيد من الإنتاجية، حيث تخضع القيمة والجسد والمعرفة لإمرتها، وتحدد معايير "السواء" و"المرض" عبر مؤسسات كالمصحات والمدارس. هذه التقنيات الحديثة تروض الأجساد على سلوكيات روتينية، مما يجعل الحداثة العلمية والسياسية تتضافر في السيطرة على الإنسان.

في السياق العربي، يظهر أثر هذا التحول في كيفية استدعاء السلطة للمعرفة لإنتاج خطاب يبرر هيمنتها؛ فتتحول المعرفة من أداة تحرر إلى وسيلة للضبط الاجتماعي. إن الصراع في المجتمعات العربية المعاصرة هو صراع على "الحقيقة"، حيث تسعى السلطة لتدعيم النمط المعرفي الذي ينسجم مع أهدافها. هذا الاختلال يؤدي إلى تراجع الإبداع المعرفي، مما يعوق بناء دولة وطنية تقوم على العقل والحرية.

إرادة التحرر والنزعة الوجودية في الفكر العربي

برزت الوجودية كرد فعل على الأنساق العقلانية الجافة التي همشت الفرد، مؤكدة أن "وجود الإنسان يسبق ماهيته". اعتبر "سارتر" أن الإنسان "محكوم بالحرية"، ومسؤول عن أفعاله كافة. هذا الطرح الذي يعلي من شأن المسؤولية الفردية وجد صدى واسعاً في الفكر العربي عبر عبد الرحمن بدوي، الذي دافع عن الوجودية كمذهب يلائم القلق الذي عاشه الإنسان العربي في القرن العشرين.

في مسيرة الشعوب نحو الاستقلال، تبين أن التحرر من الهيمنة الخارجية يتطلب بناء اقتصاد وطني مستقل وتحرير الإرادة من التبعية للأسواق العالمية. إن إرادة الشعوب لا تُقاس بالقيم المادية فحسب، بل بالقدرة على الرفض في وجه الهيمنة، وهي الإرادة التي تبني الأهداف الوطنية الكبرى.

نقد العقل العربي: النظم المعرفية والنهضة

يعد مشروع محمد عابد الجابري محاولة ضخمة لتشريح البنية المعرفية للثقافة العربية، حيث ميز بين ثلاثة نظم: "البيان" القائم على منطق اللغة والفقه، و"العرفان" الذي يعتمد على الكشف الروحي، و"البرهان" القائم على الملاحظة والقياس العقلي. رأى الجابري أن "البرهان" هو السبيل الوحيد للنهضة، وهو النظام الذي ازدهر قديماً مع ابن رشد وابن خلدون.

واجه هذا المشروع انتقادات رأت فيه انفصالاً عن الواقع الاجتماعي. كما وُجه النقد للعقل العربي المعاصر لتقديره المفرط للحقائق الكلية المجردة وإقصائه للنسبية. هذا النوع من "الترف المعرفي" قد يخدم النخب الأكاديمية لكنه يعزلها عن المسؤولية الأخلاقية تجاه قضايا المجتمع. إن السجال بين "العقلانية البرهانية" (عند الجابري) و"العقلانية الأخلاقية" (عند طه عبد الرحمن) يعكس أزمة البحث عن نموذج لتأسيس الدولة الوطنية؛ فهل نتبع المسلك العالمي أم نبتكر مسلكاً نابعاً من خصوصيتنا الروحية؟

الدولة الوطنية: مأزق الشرعية والتأسيس الجديد

تعيش الدولة الوطنية العربية مأزقاً ناتجاً عن تراجع السيادة الفعلية وفشل الإدارة، مما أدى لضعف ثقة الجمهور. وعندما تعجز الدولة عن حل النزاعات بالوسائل السلمية، تلجأ إلى القوة، وهو ما يتناقض مع مبدأ سيادة القانون. إن استعادة الدولة مرهونة بإعادة بناء المؤسسات وتحقيق التوافق الداخلي بعيداً عن التأثيرات الخارجية.

لقد صادرت أنظمة ما بعد الاستقلال إمكانية نشوء مجتمع مدني حقيقي، وأنتجت مجتمعاً يفتقد للحوار. كما توسلت هذه الأنظمة بالأقنعة الدينية بحثاً عن شرعية مفقودة، مما حوّل الدين إلى أداة سياسية لتسويغ الممارسات السلطوية. إن الدولة الحديثة يجب أن تكون مشروعاً فلسفياً يستمد شرعيته من العقل الجمعي ويهدف لتحقيق الأمن والعدالة.

 نحو كتلة تاريخية وفعل ممارس

يطرح مفهوم "الكتلة التاريخية الفلسفية الجديدة" كضرورة لربط النظرية بالممارسة. تسعى هذه الكتلة لتحويل الخطاب الفلسفي إلى "فعل ميداني" ينشغل بقضايا الإنسان. الفكر العربي مطالب اليوم بالانفتاح على واقع المؤسسات والقانون والأخلاق التي ترسم مصير الفرد.

هذه الكتلة ليست مجرد تحالف سياسي، بل هي قوة تجمع الطاقات الفاعلة في المجتمع لتغيير الثقافة وتجاوز الأزمات. إنها برنامج عمل يهدف لتحقيق الانسجام لا الهيمنة، ويلعب فيها المثقف دور المحرك الذي يربط بين الفكر والواقع.

التحرر المعرفي في عصر التقنية والذكاء الاصطناعي

في القرن الحادي والعشرين، يبرز "التحرر المعرفي" كاستجابة لتحديات التكنولوجيا الرقمية. يدعو هذا المفهوم لاستعادة "الإيقاع الإنساني الأصيل" والتحرر من الوصاية المؤسسية. الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون أداة لتعزيز الإبداع لا بديلاً عن العقل البشري.

إن الهدف هو بناء "ديمقراطية الإمكانات"، حيث تُحترم العقول لعمق تفكيرها لا لسرعة امتثالها. في عصر "الحروب المعرفية"، يصبح التحرر ضرورة لحماية العقول من التلاعب الذي تفرضه الخوارزميات والقوى التي تسعى للسيطرة على كيفية تفكير الناس. إن بناء الدولة يتطلب حماية المجال المعرفي وتطوير "وعي وطني" يشكل خط الدفاع الأول ضد محاولات زعزعة الاستقرار.

استئناف النهضة

لماذا تعثرت النهضة؟ لقد استغلت القوى التقليدية ضعف الوعي، وصادرت الأنظمة فرص التطور الديمقراطي. إن استئناف المسيرة يتطلب نقداً جذرياً للماضي وتأسيساً لمستقبل يقوم على المجتمع المدني والإصلاح الديني. يجب أن تتحول الفلسفة من نصوص مكدسة إلى قوة تاريخية تربط بين المثال والواقع.

النقد هو شرط كل تأسيس حقيقي؛ فالتأسيس دون نقد هو جمود، والنقد دون بناء هو هدم. الفكر العربي مطالب اليوم بتجاوز "التبرير" نحو "الفعل"، لتتحرر الفلسفة من المتاهات المجردة وتصبح قادرة على صيانة مصير المجتمع. إن الهدف النهائي هو بناء دولة تصون كرامة الإنسان وتمنحه البوصلة للعيش في عالم تتقاطع فيه صراعات السلطة والمعرفة.

***

غالب المسعودي