عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

قاسم المحبشي: الكينونة واللغة منبع الشعر والفلسفة

منذ أن وعى الإنسان هشاشته الأولى أمام الكون، ورفع رأسه متسائلًا عن معنى الحياة والموت والزمن، وُلدت الفلسفة بوصفها قلقًا إنسانيًا عميقًا، لا بوصفها علمًا للنخبة أو ترفًا ذهنيًا معزولًا عن الحياة. لقد كانت الفلسفة، في جوهرها الأول، محاولة الإنسان لفهم ذاته والعالم، وكانت في الوقت نفسه فعل حبٍّ للحكمة، لذلك لم يكن غريبًا أن تحمل كلمة “فلسفة” في أصلها اليوناني معنى “محبة الحكمة”. فالفلسفة ليست معرفة باردة، بل علاقة حميمة بين الإنسان والحقيقة، بين العقل والوجود، بين السؤال والدهشة، هي اقتران العقل بالوجدان؛ إنها ثمرة ذلك الزواج المقدّس بين الحكمة والحب. فالحكمة دون حسٍّ إنساني تتحول إلى جفاف ذهني، والحب دون بصيرة يتحول إلى اندفاع أعمى، أما الفلسفة فهي تلك المنطقة التي يتعانق فيها القلب والعقل معًا. ولهذا ظل الإنسان، منذ بداياته الأولى، كائنًا فلسفيًا حتى قبل أن يعرف الكتب أو المدارس أو النظريات. فكل سؤال عن المصير، وكل خوف من الموت، وكل تأمل في العدالة أو الحرية أو الخير، هو في جوهره فعل فلسفي.

إذ إن الإنسان لا يعيش داخل العالم بوصفه كائنًا بيولوجيًا فحسب، بل بوصفه كائنًا يتجاوز ذاته باستمرار. إنه الكائن الوحيد الذي يقلقه معنى وجوده، والذي يشعر دائمًا بأن ثمة شيئًا ناقصًا في داخله، شيئًا يدفعه إلى السؤال والتجاوز والبحث عن المعنى. ولهذا كانت الفلسفة قلقًا دائمًا، لا يهدأ عند إجابة نهائية، لأنها لا تبحث عن يقين مغلق بقدر ما تبحث عن أفق مفتوح للتفكير. إنها تعلم الإنسان أن يسكن السؤال بدل أن يتحصن بالإجابات الجاهزة، وأن يرى العالم باعتباره حوارًا لا ينتهي. وكلمة "الحب" حينما ينطق بها تعني وجود رابطة حميمة بين كائنين وتعني الألفة والاتحاد والعيش معاً. وأنا أحبك كما يقول هيدجر ليس مجرد تعبير عن ذاتي.. بل هو الوجود يعلن ذاته ويتجاوزها إلى الآخر إنها تعني أن الفرد الموجود يتجاوز انغلاقه طلباً للآخر ويؤسس الحب في الخارج خارج الذات المنعزلة وأنا أحبك هي شمولية الوجود الذي لا يعي نفسه إلا شاملاً إنها الجزئي ظاهرياً والكلي جوهرياً.

عند هذا النبع الأعمق (الكينونة واللغة) تلتقي الفلسفة بالشعر فإذا كانت الفلسفة تفكر في الوجود، فإن الشعر يشعر به. وإذا كانت الفلسفة تسعى إلى القبض على المعنى بالمفهوم، فإن الشعر يحاول ملامسته بالحدس والصورة والإيقاع. كلاهما محاولة لفهم العالم، لكن أحدهما يسلك طريق العقل، والآخر يسلك طريق الوجدان. ومع ذلك، فهما لا يتناقضان، بل يتكاملان؛ إذ كثيرًا ما تعجز الفلسفة عن قول ما يستطيع الشعر أن يلمحه في ومضة، وكثيرًا ما يمنح الشعر للفلسفة روحها الإنسانية العميقة.

فالإنسان لا يسكن العالم فقط، بل يسكن اللغة أيضًا، ومن خلالها يعلن وجوده ويعيد تشكيل العالم من حوله. ولهذا فإن الكلمات ليست أشياء محايدة؛ إنها تحمل في داخلها تاريخ الإنسان وخوفه وأحلامه وحنينه. الكلمة ليست الشيء ذاته، بل ظله وإشارته وغيابه في آنٍ معًا. إنها محاولة دائمة لاستحضار ما يفلت من القبض، ولذلك تظل اللغة فضاءً سحريًا يختلط فيه الحضور بالغياب. هذا معناه أن الكلمة ليست تعبيراً عن ذاتها، بل هي حاملاً لمحمول، هي صوت الجسد، هي رمز لشيء موجود، ولكنها ليست الشيء ذاته أبداً بل كما يقول موريس بلانشو، أن الكلمة في اللغات الأصيلة ليست تعبيراً عن شيء بل هي غياب هذا الشيء.. إن الكلمة تخفي الأشياء وتفرض علينا إحساساً بغياب شامل بل بغيابها هي ذاتها، وإذا أمعنا النظر في مملكة الرموز هذه أي اللغة سنكتشف أشياء مثيرة للدهشة بل أن فيها من السحر والإثارة ما يأسر اللب ويلهب الوجدان، فما معنى الكلمات التي نقولها ونعيدها كل لحظة، ما أصل الأسماء وما معناها، من أين جاءت هذه الرموز والإشارات التي نستدل بها عن الأشياء وهل مازالت تعبر عنها بالفعل أم لا؟ وبهذا المعنى تتصل حياة الكائن

بالفلسفة كما تتصل بالشعر والعلم والدين، منذ صيرورته كائناً عاقلاً، إذ هي موقف الإنسان الكلي إزاء الكون والحياة والتاريخ والذات والآخرين، (ميتافيزيقا) بمعنى تجاوز الحالة البيولوجية للكينونة وتجاوز الإنسان الدائم لذاته أو بحسب الكباص هذا الكائن الذي لا يناسب طبيعته ويستطيع أكثر مما ينتظره من نفسه، تَشكلَ شرط إمكانه من تدمير طبيعته وتحويلها إلى مجهول دائم يتساءل حوله. فما لا يناسبه هو أن ينتسب إلى نفسه وما يناسبه هو أن ينتسب إلى العالم، إلى القوى البرانية، قوى التحول والحدث»

ولما كانت اللغة هي بيت الكينونة بحسب هيدجر فان الشعر هو محاولة الكائن للتعبير عن كينونته بالخيال الجميل كما إن الفلسفة محاولة لفهم غموض الكون بالتفكير المنطقي كلاهما ينتميان إلى الكائن الذي يكلم الكينونة ويعيد خلقها باستمرار. في الحقيقة لا يوجد شعب من شعوب الدنيا بلا رؤية ميتافيزيقية مهما كان بسيطاً، أقصد موقف كلي من العالم والحياة والموت والزمان والمكان والخير والشر والجمال والقبح والذات والأخر واللذة والآلم وكل ما يتصل بحياة الكائن الإنساني من فعل وانفعال ومشاعر وإحساس ووعي وادراك وحلم وتخييل. وتلك هي ما نسميها فلسفة بوصفها اقتران الفكر والشعور. وبسبب الموقف المعادي الفلسفة في التاريخ العربي الإسلامي اضطر الكثير من الفلاسفة والمبدعين إلى لغة الطير تجنبا للتكفير

والتهم الذي لم ينزل الله بها من سلطان!

والشعر هو أكثر أشكال اللغة قدرةً على كشف هذا السر.إنه اللغة حين تتجاوز وظيفتها النفعية لتصبح انفعالًا ورؤيا وكشفًا. فالشاعر لا يصف العالم كما هو، بل يعيد خلقه من جديد. إنه يرى في الأشياء العادية ما لا يراه الآخرون، ويمنح التفاصيل اليومية حياةً أخرى تتجاوز ظاهرها. ولذلك كان الشعر دائمًا مرتبطًا بالدهشة، لأن الشاعر هو الكائن الذي لا يتوقف عن الاندهاش بالعالم مهما بدا مألوفًا ففي المجتمعات الشفاهية القديمة، اختلط الشعر بالغناء والرقص والأسطورة والدين والسحر، وكان الإنسان يعبر عن رؤيته للعالم عبر الإيقاع والصورة والإنشاد. ولهذا جاءت النصوص الكبرى في الحضارات القديمة مشبعةً بالنَّفَس الشعري؛ من ملحمة جلجامش إلى الإلياذة والأوديسة، ومن الفيدا الهندية إلى النصوص الصوفية والأسطورية المختلفة. كان الشعر آنذاك هو الذاكرة الجماعية والوعي الكوني واللغة الأولى للروح.

لما كانت تلك النظرة الاستشراقية الغربية الكتابية تنظرإلى الشعر والشاعرية نظرة تحقير وازدراء، إذ تعد اكتشافات النظرية الشفاهية هذا النمط من فنون القول" بمثابة نتائج مزعجة للثقافة الغربية التي كانت تنظر إلى هوموريس على أنه جزء من ثقافة يونانية قديمة ظل الغربيون ينظرون إليها بتقدير وافتخار . ذلك أن هذه النتائج تدل على أن اليونان الهومرية كانت تحبذ سلوكاً شعرياً وفكرياً اعتقادنا دائماً أنه عيب "(أونج،1994: 79) ولعل الإحساس بهذا العيب هو الذي دفع أفلاطون – كما يرى هافلوك – "إلى طرد الشعراء من جمهوريته الفاضلة حينما وجد نفسه في عالم جديد ذي ملكةٍ عقليةٍ كتابية أصبحت فيه الصيغ أو الرواسم " الكليشيهات " المفضلة لدى جمهور الشعراء التقليديين، قديمة و ضارة ". (أونج،1994: 80).وربما لهذا السبب لا تزال ثقافتنا العربية الإسلامية الشفاهية تثير دهشة الدارسين الغربيين واهتمامهم حينما تجعل من موضوع ازدرائهم _ أي الشعر والشاعرية_ موضوعاً للافتخار والتميز، فما نزال - بعد قرابة ألفين وست مائة سنة من طرد أفلاطون للشعراء ورفضه لذلك النمط من التعبير الشعري البدائي التراكمي التجميعي اللفظي الشفاهي – نردد مقولة " الشعر ديوان العرب "

والشعر هو لغة الوجود الأولى، وهو راسخ الجذور، في البنية الشفاهية لمختلف الثقافات الإنسانية، وعندما وصف فيلسوف التاريخ الايطالي باتيستافيكو "أقدم مرحلة من التطور الإنساني بأنها عصر الشعر كان قد سبق وصفه هذا ما قاله (جسبرسن) من أنها عصر الغناء، غير أن الصحيح هو عصر اختلط فيه الرقص والغناء والشعر والنثر والأسطورة والاحتفالية والسحر والعبادة"(ممفورد، 1980: 45).

وحينما نقول إن الشعر هو شكل التعبير الجمالي والنفعي الأول في الثقافات الإنسانية الشفاهية، فنحن نعني أنه كان النموذج الإرشادي (البارادايم) الثقافي المهيمن في الفضاء التواصلي العام لكل فنون القول والتفكير والأداء والتعبير في المجتمعات البدائية، كما أن العلم هو البارادايم المهيمن في الثقافة المعاصرة، وقد أضفت اللغة الشعرية روحها الشاعرية على كل أنماط التعبيرالبدائية المختلفة، الأسطورية واللاهوتية والفنية والفلسفية، فكل النصوص المكتشفة في الحضارات القديمة مثل (ملحمة جلجامش وأسطورة الخلق والتكوّن والآداب الفرعونية والفيداء الهندية والكونفوشستية الصينية وملحمتا الإلياذة والأوديسة اليونانيتان والتوراة والإنجيل.. الخ) جميعها صيغت بحسب نموذج الثقافة الشفاهية وهي التي تعطي للتشكيل الموسيقي للغة الاهتمام الكبير الذي يستغرق سمع المتلقي بما يحعل القول متساميا عن القول المعتاد (عبد الكريم،2014: 33). وفي هذا السياق كتب بول زومتور قائلاً" لا سبيل إلى الشك في أن التاريخ قد عرف يوماً ثقافة بلا شعر شعبي" (زومتور،1999: 57)

لقد ظل الشعر حيًا حتى في أكثر العصور تقنية وعقلانية، لأن الإنسان ليس عقلًا فقط، بل هو أيضًا ذاكرة وخيال وعاطفة وحنين وخوف ورغبة في الت transcendence. إن في داخل كل إنسان منطقة عصية على الحسابات والمنطق، منطقة لا يهدئها سوى الفن والحب والتأمل والشعر.

والشعر، حين يُستعاد في أفقه الميتافيزيقي، لا يعود فنًا من فنون القول، بل نمطًا من أنماط الوجود؛ طريقةً في السكن داخل العالم، لا بوصفه موضوعًا للمعرفة، بل بوصفه لغزًا للمعايشة. إنّه دعوةٌ إلى أن نرى ما وراء ما نرى، وأن نسمع ما يتوارى في صمت الأشياء، وأن نُدرك—في لحظة خاطفة—أنّ الجمال الحقيقي ليس فيما يُقال، بل في ذلك الذي يظلّ، دومًا، على حافة القول. من هذا السر العميق أنبثقت الصوفية بوصفها تجربة وجودية تتصل بما هو خفي وغيبي وعميق بحسب اودنيس والاتجاه الى الصوفية أملاه عجز العقل والشريعة الدينية"عن الجواب عن كثيرمن الاسئلة العميقة عند الإنسان، وأملاه كذلك عجز العلم، فالانسان يشعر أن ثمة مشكلات تؤرقه، حتى عندما تحل جميع المشكلات العقلية والشرعية- الدينية والعلمية يظل هناك شيء في أعماق الإنسان غير مشبع، متقد ملتهب متعطش للإشباع هذا معناه:

أن في الوجود جانباً باطناً، لا مرئياً، مجهولاً، وأن معرفته لا تتم بالطرق المنطقية- العقلانية، وأن الانسان دونه دون محاولة الوصول إليه، كائن ناقص الوجود والمعرفة، وأن الطرق إليه خاصة وشخصية وفريدة وحميمة ولهذا سنجد أن هناك قرابات وتآلفات بين جميع الاتجاهات التي تحاول أن تستشرف هذا الغيب. فالتجارب الكبرى في معرفة الجانب الخفي من الوجود تتلاقى بشكل أو بآخر فيما وراء اللغات وفيما وراء العصور، وفيما وراء الثقافات.ويرى أندريه بريتون:

"إن التجربة الصوفي هي سفر لا يقتضي أن تخرج من الوجود ومن نفوسنا. وإنما يقتضي على العكس أن ندخل أكثر فأكثر في الوجود وفي أنفسنا. واللانهاية ليست خارج المادة، بل هي داخل المادة اللانهاية هي الإنسان نفسه".

والشاعر الحقيقي لا يكتب بإرادة كاملة، بل يعيش ما يشبه “الحالة الشعرية” التي تهبط عليه فجأة كالوحي أو البرق. إنها لحظة انفصال عن العادي واليومي، لحظة يشعر فيها الشاعر بأنه مسكون بقوة أكبر منه، قوة تدفع اللغة إلى الانفجار وتحرر الكلمات من معناها المألوف. وفي تلك اللحظة، لا يعود الشعر مجرد صناعة لغوية أو مهارة تقنية، بل يتحول إلى تجربة وجودية كاملة فجوهر الشعر يكمن في تلك القدرة الغامضة على تحويل الألم إلى جمال، والقلق إلى رؤيا، واللغة إلى موسيقى داخلية توقظ الإنسان من سباته الروحي. إنه ليس مجرد كلام جميل، بل طريقة أخرى لرؤية العالم.

وقد شبّه هايدغر الشعر والفلسفة بقمتين متقابلتين تلتقيان في العمق الوجودي للكائن الإنساني رغم اختلاف الطريق. فالفلسفة تبحث عن المعنى، بينما الشعر يعيش التجربة. الفلسفة تبني المفاهيم، أما الشعر فيفتح شقوقًا في جدار الواقع لكي يتسرّب منها ضوء الكينونة. ولذلك لا يكون الشعر نقيضًا للفلسفة، بل امتدادًا لها في أفق أكثر حرية وإنسانية وهذا ما يفسر ارتباط الشعر بالحرية أيضًا. فالشاعر، في لحظة الكتابة، يتحرر من اللغة العادية ومن الزمن اليومي ومن القيود الاجتماعية الصارمة. إنه يعيد اختراع العالم بالكلمات، ويمنح الإنسان إمكانية أن يرى نفسه بطريقة أخرى. ولذلك كان الشعر دائمًا فعل مقاومة ضد التكرار والابتذال والقبح.

وفي الثقافة العربية، ظل الشعر يحتل مكانة استثنائية لأنه كان الوعاء الأعمق للهوية والذاكرة والرؤية إلى العالم وتسريب الأفكار الفلسفية عبر المجاز والاستعارة التي تحيا بها . فالعرب لم يعتبروا الشعر مجرد فن، بل جعلوه “ديوانهم” الذي يحفظ تاريخهم وقيمهم وأحلامهم. وربما لهذا السبب بقيت الثقافة العربية منحازة إلى البيان والبلاغة والإيقاع حتى بعد قرون طويلة من الكتابة. فثمة جذور شفاهية عميقة ما تزال تسكن الوعي العربي وتمنحه حساسيته الخاصة تجاه اللغة والشعر فحين يلتقي الشعر بالفلسفة، لا يعود الإنسان مجرد كائن يفكر أو يشعر، بل يصبح كائنًا يسعى إلى اكتشاف ذاته عبر اللغة والدهشة والحب. فالفلسفة تمنحه شجاعة السؤال، والشعر يمنحه حساسية الرؤية، وبينهما يولد ذلك الكائن القادر على تحويل القلق الوجودي إلى طاقة خلاقة.

إن أعظم ما يمنحه الشعر والفلسفة للإنسان ليس الحقيقة النهائية، بل القدرة على مواصلة البحث عنها. فالحياة ليست جوابًا جاهزًا، بل تجربة مفتوحة على التأويل والاحتمال. وربما لهذا السبب سيظل الإنسان، مهما بلغ من العلم والتقدم، محتاجًا إلى الشعر كما يحتاج إلى الفلسفة؛ لأنهما معًا يذكرانه بأنه أكثر من مجرد كائن عابر في هذا العالم، وأن داخله دائمًا شرارة تبحث عن المعنى والجمال والخلود.

وعند مفترقُ الطُّرُق ننشد مع البردوني

يَا شِعْرُ يَا تَارِيخُ يَا فَلْسَفَةُ

مِنْ أَيْنَ يَأْتِي، قَلَقُ المَعْرِفَةِ؟

مِنْ أَيْنَ يَأْتِي؟ كُلَّ يَوْمٍ لَهُ

غَرَابَةُ رَائِحَةٍ مُرْجِفَةٍ

*

نَأْلَفُهُ شَيْئًا فَيَبْدُو لَنَا

غَيْرَ الَّذِي نَعْتَادُ كَيْ نَأْلَفَهُ

لَكِنْ لَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ فَمٌ

ثَانٍ، يَدٌ ثَالِثَةٌ مُرْهَفَةٌ

*

حِينًا لَهُ كِبْرٌ وَحِينًا لَهُ

تَوَاضُعٌ أَغْبَى مِنَ العَجْرَفَةِ

وَتَارَةً تَعْلُو وَتَهْوِي بِهِ

أَجْنِحَةٌ غَيْمِيَّةُ الرَّفْرَفَةِ

*

أَصَمُّ كَالأَحْجَارِ لَكِنَّهُ يَدْوِي،

وَلَا صَوْتَ لَهُ، لَا شَفَةٌ

يَنْوِي كَفَنَّانٍ، بِلَا فِكْرَةٍ يَغْلِي

كَطَيْشِ الفِكْرَةِ المُلحَفَةِ

*

نَحِسُّ أَنَّا مَأْسَوِيُّونَ لَا نَمْلِكُ

لِلْمَأْسَاةِ غَيْرَ الصِّفَةِ

يَجْتَرُّنَا الخُبْزُ، فَتَقْتَاتُنَا

مِنْ قَبْلِ أَنْ نَشْتَمَّها الأَرْغِفَةُ

*

نَمُوتُ أَلْفَيْ مَرَّةٍ كَيْ نَرَى

كُلَّ يَدٍ مَشْبُوهَةٍ، مُسْعِفَةٍ

*

يَا دُورُ يَا أَسْوَاقُ، مَاذَا هُنَا

مَوْتٌ تُغَاوِي، وَجْهُهُ الزُّخْرُفَةُ

رُعْبٌ صَلِيبِيٌّ، لَهُ أَعْيُنٌ

خُضْرٌ وَأَيْدٍ بَضَّةٌ مُتْلِفَةٌ

*

يَا فُنْدُقَ الزَّهْرَا، مَحَالٌ تَعِي

قَضِيَّةَ المَنْصُورَةِ المُؤْسِفَةِ

وَيَا مُخَا، مَاذَا سَيَبْدُو إِذَا

تَقَيَّأَتْ أَسْرَارُهَا الأَغْلِفَةُ؟

*

تَفَنَّنَ المَوْتُ فَأَضْحَى لَهُ

جِلْدٌ أَنِيقٌ، مِدْيَةٌ مُتْرَفَةٌ

يَمْتَصُّ بِالقَتْلِ الحَرِيرِيِّ كَمَا

يَحْتَاجُ، بِالوَحْشَةِ المُسْرِفَةِ

*

يَلْمَعُ الأَوْبَاءُ، كَيْ تَرْتَدِي

بَرَاءَةَ أَظْفَارِهَا المُجْحِفَةِ

مِنْ أَيْنَ نَمْشِي يَا طَوَابِيرُ

يَا سُوقًا مِنَ الأَنْيَابِ وَالهَفْهَفَةِ؟

*

مِنْ أَيْنَ يَا جُدْرَانُ يَا خِبْرَةً

تُزَوِّقُ التَّمْوِيتَ، وَالسَّفْسَفَةَ؟

مِنْ هَا هُنَا أَوْ مِنْ… وَتَجْتَازُنَا

مِنْ قَبْلِ أَنْ نَجْتَازَهَا الأَرْصِفَةُ

*

هَلْ نَنْثَنِي يَا شَوْطُ؟ هَلْ يَنْثَنِي

نَهْرٌ يُرِيدُ العُشْبَ أَنْ يُوقِفَهُ؟

هُنَا طَرِيقٌ لَا يُؤَدِّي هُنَا

دَرْبٌ إِلَى الرَّابِيَةِ المُشْرِفَةِ

*

هَذَا عَنِيفٌ، وَلَهُ غَايَةٌ

وَذَا بِلَا قَصْدٍ، وَمَا أَعْنَفَهُ!