عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

غالب المسعودي: الإنسان لا يتكلم.. السلطة تتكلم

مقاربة فلسفية تفكيكية في إدارة المعنى

إزاحة الذات وسلطة الخطاب الفوكوي

تتأسس الفلسفة التفكيكية والبعد البنيوي للمعرفة على أطروحة راديكالية تزيح الذات الإنسانية عن عرش السيادة المطلقة على لغتها وفكرها. ففي حين ألح الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر على البعد الأنطولوجي للغة بوصفها بيتاً للوجود، معتبراً أن "الإنسان لا يتكلم إلا بمقدار ما يتطابق مع الكلام، والكلام هو الذي يتكلم عبرنا"، نقل الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو هذا المفهوم إلى حقل جينالوجيا القوة والخطاب التاريخي. لقد أعلن فوكو "موت الإنسان" في الأبستمية الحديثة، معارضاً بذلك النزعة الإنسانية التقليدية التي تعامل الفرد كذات واعية ومستقلة تصنع حقيقتها الخاصة. في هذا الفضاء الفلسفي المعاصر، لم يعد الخطاب مجرد أداة بريئة لوصف الواقع أو التعبير عن كينونة الذات، بل غدا نظاماً معقداً ينتج المعرفة ويحدد شروط الحقيقة والسلطة داخل المجتمع.

إن الخطاب عند فوكو ممارسة مادية محددة تملك قواعدها الصارمة التي تتشكل بمعزل عن وعي الذوات المنتجة له. ولأن المعرفة لا تُنتج بشكل محايد، فإن التشكيلات الخطابية وقواعدها الضمنية هي التي ترسم حدود الممكن والمستحيل، وتحدد من يملك حق الكلام ومن يُستبعد صوته. ويتعارض هذا الطرح جلياً مع نظرية السيادة الكلاسيكية التي صاغها توماس هوبز، والتي توكل للسلطة مهمة إنهاء حالة "الحرب الطبيعية" عبر تعاقد اجتماعي يرتكز على وحدة السيادة والقانون. يرى فوكو أن أطروحة هوبز تقدم تبريراً أيديولوجياً لحماية السيادة وتجعل الأفراد رعايا خاضعين بشكل شرعي، بينما تتجاوز السلطة الفعلية هذا المركز الفوقي لتنبث كاستراتيجية محايثة وإجرائية تخترق الجسد الاجتماعي بأكمله.

يتجانس هذا التفكيك الفوكوي مع رؤية تيودور أدورنو حول "القوة الخفية" للنظام البرجوازي ومراقبة الذات الداخلية؛ حيث تتحول القوة إلى انضباط ذاتي يستبطنه الفرد طوعاً خوفاً من الانفصال عن الواقع السائد. كما يتقاطع مع طروحات لودفيغ فتجنشتاين المتأخرة حول "ألعاب اللغة"؛ حيث يتضح أن الكلمات لا تملك جواهر ثابته مستقلة عن استعمالاتها العملية والسياسية، بل تُشحن بمعانيها عبر موازين القوى وصراعات الهيمنة.

جينالوجيا الإقصاء: الجنون، البلاغة، وحظر الفاعلية الفكرية

لكي نفهم كيف تتكلم السلطة نيابة عن الإنسان، يجب تتبع البنية العميقة لآليات الإقصاء والتقسيم التاريخي. اختار فوكو دراسة تاريخ الجنون ليفضح بنية القوة الحديثة؛ فالجنون ليس مجرد عارض طبي أو مرض بيولوجي، بل هو وظيفة وموقف سوسيولوجي يرسم من خلاله العقل حدوده الخاصة عبر نفي نقيضه وتصنيفه كـ "آخر مطلق". إن المجنون في العصر الحديث لا يُحظر كلامه بالقوة الصريحة فحسب، بل يُحرم أصلاً من الحق في أن يُعترف بكلامه كـ "حقيقة" أو "معنى"، ويتم إسكاته عبر وسيط طبي يعيد ترجمة كلماته إلى أعراض بيولوجية خالية من المضمون السياسي. السلطة هنا لا تمنع الكلام فقط، بل تحدد مسبقاً ما يمكن أن يُسمع ويُقبل كخطاب عقلاني.

ترتبط هذه الجينالوجيا الإقصائية بمفهوم "البلاغة السياسية" وإدارة الكلام في الفضاء العام. فالبلاغة سابقة على السياسة الإجرائية؛ وهي إما أن تكون أداة تشاور وتصالح تضع الكلمة موضع السيف، أو أداة شريرة تعتليها السلطة للسيطرة على العقول وفرض الصمت واحتكار أدوات التوجيه. تعود جذور هذا الصراع إلى محاورة "جورجياس" لأفلاطون، حيث شُن هجوم حاد على البلاغة السفسطائية لكونها أداة تمكن المتملقين والبلاغيين من العيش في كنف السلطة بوصفهم لسانها وصوتها المطيع. إن توظيف السلطة للبلاغة يهدف بالضرورة إلى خفض تلقائية الخطاب البشري، وتحويل الكلام النقدي الحاد إلى "تعليق" رتيب يعيد تكرار ما قيل مسبقاً في صمت المؤسسة وبمباركتها.

أزمة المثقف المعاصر في الشرق الأوسط: تآكل المعنى ووهم البراءة

عند نقل هذه المقاربة التفكيكية للخطاب والقوة إلى جغرافيا الشرق الأوسط، تتبدى أزمة المثقف العربي كفقدان تام للقدرة على تحويل المعرفة إلى فعل مؤثر، وانهيار كامل للوساطة بين الفكر والمجتمع. لم تعد الأزمة مجرد قمع سياسي مباشر أو تبعية اقتصادية مفروضة، بل هي تآكل لمعنى الفعل الثقافي ذاته؛ حيث ينكفئ المثقف العضوي نحو الامتثال الصامت أو المعارضة الخطابية الرمزية الجوفاء التي لا تترك أي أثر حقيقي في الواقع.

وفقاً لأنطونيو غرامشي، ينقسم الفاعلون المعرفيون إلى مثقفين تقليديين مرتبطين بالبنى الإدارية والتاريخية القائمة لحمايتها، ومثقفين عضويين يرتبطون بطبقات اجتماعية صاعدة ويسعون لتغيير البنية التاريخية. أما جوليان بندا، فيرى في كتابه "خيانات المثقفين" أن المثقف الحقيقي هو الذي ينشد متعة الأفكار الكونية ويرفض الكسب المادي أو المراكز السلطوية. ومع ذلك، تعمل النظم السلطوية في المنطقة على تجريف هذه التمايزات عبر تكريس ثقافة الجمود، والقطيع، والاتكالية، واللامبالاة، مما يصيب الفكر بمرض التكلس ويحول المعرفة من أداة تحررية إلى أداة لشرعنة واستمرار الأمر الواقع.

وقد كشفت التحولات التاريخية والانتفاضات الكبرى في الشرق الأوسط عن أزمة وجودية عاصفة، تمثلت في سقوط مثقفين كثر في أول اختبار حقيقي لإيمانهم بما يبشرون به من قيم الحرية والعدالة والكرامة. لقد تحول بعضهم سريعا إلى أبواق لتبرير الفظائع والانتصار للأنظمة الدكتاتورية، ساقطين في الخواء القيمي والأخلاقي، ومظهرين تناقضاً حاداً بين الشعارات الفضفاضة والذات المشوهة داخلياً. يتعارض هذا المسار تماماً مع إرث إميل زولا في رسالته الشهيرة "إني أتهم"، حيث جعل من قول الحقيقة شغفاً والتزاماً يعيد للإنسانية كرامتها وللعدالة معناها الأخلاقي العابر للمصالح الضيقة.

إدارات السعادة المفقودة والمهادنة النفعية

يرتبط مفهوم السعادة فلسفياً بغاية وجودية وأخلاقية يسعى الفرد لبلوغها. فبينما يرى أفلاطون في "الجمهورية" أن السعادة الحقيقية تنبع من العدالة الاجتماعية الناتجة عن قيام الفرد بوظيفته الأخلاقية داخل المدينة الفاضلة، مستبعداً الثراء والمتع الحسية كقيم زائفة، يربطها أرسطو بالفضيلة العقلية والسلوكية (اليودايمونيا). وتتدرج الرؤى الفلسفية للسعادة من المذهب الإبيقوري الذي ينشد طمأنينة الروح وغياب الألم الجسدي عبر نمط حياة زاهد واجتناب تام للسياسة وصراعاتها المدمرة، مروراً بالفلسفة البيرونية الشكوكية التي تسعى للتحرر من الاضطراب النفسي عبر تعليق الأحكام ورفض الإيمان بدوغماوات لا دليل عليها، وصولاً إلى بوثيوس في كتابه "عزاء الفلسفة" حيث يرى أن السعادة الحقيقية هي بلوغ الخير الأكمل المتمثل في الاندماج بالعدالة الإلهية وحكم الكون بالمحبة.

لكن في سياق الواقع المعاصر، جرى تفريغ السعادة من حمولتها الأخلاقية والوجودية، لتتحول إلى أداة تكنوقراطية لإدارة التدجين. إن مفهوم البراغماتية في حقل العلوم السياسية بالشرق الأوسط يتجاوز فكرة ازدواجية المعايير أو التناقض الأخلاقي البسيط، ليقف بوصفه قيمة مركزية وسلوكاً سياسياً استراتيجياً يهدف لتحقيق منافع مادية وأمنية للنخب الحاكمة. وتنقسم هذه البراغماتية إلى مستويات متعددة تشرعن ممارسات القوة أو تبرر تنازلات الضعف. فعلى صعيد الحركات الدينية والسياسية، تتبدى براغماتية نفعية ترتبط بأنماط القيادة الأوتوقراطية؛ حيث تنعدم التراتبية التشاركية ويتركز اتخاذ القرار في يد القائد المطلق، كما هو حال بعض التنظيمات الأيديولوجية التي توظف طاعة الأتباع لخدمة قراءة جيوسياسية متقلبة تتبع موازين القوى والتغيرات الطارئة التي خلفتها التحولات السياسية المعاصرة.

وفي مواجهة تركيز السلطة السياسية والاقتصادية المفرط في يد نخب حاكمة صغيرة، واستشراء الفساد وغياب سيادة القانون، تسلك حتى جمعيات المجتمع المدني مسارات براغماتية تتمثل في بناء تحالفات محلية لتوفير الموارد ومشاركة الكفاءات واكتساب مصداقية شكلية. ومع ذلك، تواجه هذه الكيانات قيوداً تفرضها الدولة تحت وهم تحصين السيادة، مما يدفع المثقفين والناشطين -تحت إغراء البقاء والتمويل الخارجي- للوقوع في فخ التبعية لأجندات دولية مشروطة تضعف الحصانة الفكرية وتفكك ارتباط المثقف بقضايا مجتمعه البنيوية. هنا يمارس المثقف "البراغماتية الضعيفة" كميكانيزم عملياتي للتكيف الشخصي والبقاء الفردي؛ تحت وطأة التهديد والترهيب أو إغراء الترغيب والامتياز الوظيفي، يتخلى الفاعل المعرفي عن سعادته الأصيلة القائمة على الحرية والكرامة الإنسانية، منخرطاً في تملق القوي والاستسلام للواقع مقابل الحصول على منافع وظيفية ومكانة اجتماعية تمنحه وهم الاستقرار والرفاه الشخصي، مما يسقط البراغماتية في انتهازية مفرطة تمس شرف الكلمة وتبعات الفهم.

النتيجة الحتمية: النكوص الحضاري وازدواجية القلق

يفضي هذا التحليل الفلسفي المركب إلى خلاصة أساسية مفادها أن أزمة الفضاء العام في الشرق الأوسط ليست نتاج شروط القمع الخارجي فحسب، بل هي نتاج استبطان ألعاب السلطة اللغوية واستسلام النخب لشروط الخطاب المهيمن. عندما تتكلم السلطة عبر حنجرة المثقف والناشط، يفقد الحوار معناه وتتحول الكتابة إلى صياغة بائسة لخدمة الأقوياء.

إن النتيجة الحتمية لهذا التآكل الهيكلي والمهادنة النفعية تتبدى في نكوص حضاري شامل يعيد المجتمع خطوات إلى الوراء على مستويات التنمية والفكر والسيادة الدلالية. وفي ظل هذا الانسداد، يُحكم على المواطن العادي بأن يعيش مغترباً في وطنه، ممزقاً بين نوعين من المعاناة: قلق معيشي يومي حاد يطحن تفاصيله لتأمين أساسيات البقاء البيولوجي في ظل تدهور الموارد والفساد، ومضاعف بـ قلق وجودي عميق ينبع من العبثية وفقدان الأمل في أي تغيير مستقبلي، وشعوره التام بالهوان وحظر فاعليته الإنسانية.

في المقابل من هذا البؤس الساحق للمغيبين، تبرز النخب البراغماتية والنفعية الجديدة كطبقة طفيلية مستفيدة، تستأثر بالمكاسب السياسية والمادية، وتحتكر الثروات والمكانة الاجتماعية عبر شرعنة الاستبداد وإعادة إنتاج خطاب السلطة الكلمة. إن استمرار هذا الوضع يعني تكريس السيادة اللغوية والدلالية للسلطة وحلفائها، ليظل الإنسان مغترباً، لا يتكلم، بل تُنتج السلطة حقيقته وتدير صمته وعذابه.

***

غالب المسعودي