أقلام فكرية
حمزة مولخنيف: التحوّل من الماهية إلى العلاقة
إعادة تعريف الكائن في الفلسفات المعاصرة
منذ تأسيس العقل الفلسفي على يد الإغريق والوجود يُقرأ من خلال شبكية الماهية، ذلك الثابت الخفي الذي يُفترض أنه يكمن وراء كل ظاهرة كالنقش في الشمع الذي لا يمحوه تعاقب الحوادث. أرسطو في لحظة فارقة من تاريخ الفكر جعل من "ما هو الشيء" سؤالاً يسبق كل سؤال آخر مؤسساً بذلك تقليداً طويلاً ظلّ لقرابة ألفين وخمسمائة عام يُعيد إنتاج نفسه في مدارس مختلفة، من المدرسية الوسيطة إلى العقلانية الحديثة، مروراً بالجدلية الهيغلية التي استعادت الجوهر بصيغة أكثر تعقيداً لكنها لم تخرج عن إطار البحث عن "حقيقة" تتخفى خلف المظاهر. غير أن زمننا ذلك الزمن الذي شهد انهيار اليقينيات الكبرى واهتزاز أسس الميتافيزيقا التقليدية أفضى إلى انقلاب هائل لم تكتمل بعد معالمه، وهو انقلاب تجسّد في تحول جذري من مركزية الماهية إلى مركزية العلاقة. ولم يعد السؤال الفلسفي "ما هو هذا الكائن في ذاته؟" بل أصبح "كيف يتشكل هذا الكائن عبر علائقه الداخلية والخارجية؟" إنه تحول لا يمس فقط نظرية المعرفة أو الأنطولوجيا بل يعيد بناء مسألة الأخلاق والسياسة والفن بل والحياة اليومية. فما معنى أن يكون الشيء موجوداً إذا لم نعُد نؤمن بجوهره؟ وكيف نفكر في الهوية دون أن نقع في فخ الثبات الميت؟ هذه الأسطر تحاول أن تفتح الأبواب أمام تفصيل دقيق لهذا التحول عبر استحضار أهم محطاته الفلسفية من نيتشه الذي أعلن موت الإله فموت الجوهر الأوحد إلى هايدغر الذي فكك حضور الحضور إلى أفق الزمان مروراً بدولوز وليفيناس وفوكو وميرلوبونتي وباتلر، أولئك الذين كرسوا الفلسفة لفعل العلاقة لا لوصف الجوهر. إنها محاولة لقراءة راهن الفكر في ضوء تحول لعلّه الأكثر جرأة في تاريخ الفلسفة الغربية، تحول يعدنا ليس بفقدان اليقين بل بكسب الحركة وليس بضياع المعنى بل بتعدد منابعه وليس بتفتت الذات بل باكتشاف أنها ليست سوى علاقاتها التي تسبقها وتتجاوزها. وإذ نكتب هذه التوطئة ندرك أننا لا نكتب عن تحول منجز بالكامل بل عن تحول ما زال يحدث وما زال وعينا به يتشكل في آن وربما كانت هذه هي بالضبط حكمة العلاقة: أننا لا نمتلكها بل نمتلكنا.
ومنذ فجر التفلسف والكائن يُختزل في ما هو عليه، في تلك الثباتات الجامدة التي سُمّيت "ماهيات"، كأن الوجود يبدأ وينتهي عند حدود الجوهر المحدد سلفاً. أرسطو الذي طوّع اللغة لمنطق الإسقاطات جعل من "ماهية الشيء" حقيقة لا تتزعزع فغدت الفلسفة سجينة البحث عن تعاريف قاطعة وعن جوهر ثابت وراء كل ظاهرة. لكن في زمننا المعاصر وفي ثنايا انهيارات التأسيسات الكبرى حدث انقلاب هائل، لم يعد الكائن يُفهم عبر عمقه الداخلي المنغلق بل عبر شبكة علاقاته المتشابكة وعبر ما يفعله وما يُفعل به لا عبر ما هو عليه في عزلة وهمية. ذلك أن العزلة الماهوية لم تكن سوى وهم نحته العقل الذي طالما اشتهى اليقين كالسكر. والآن بعد نيتشه الذي ذبح الحقيقة بخنجر التأويل وبعد هايدغر الذي فكك حضور الحضور إلى أفق الزمان صار السؤال كيف يمكن لشيء أن "يكون" دون أن يملك "ماهية"؟
ليست العلاقة هنا مجرد إضافة طارئة على ماهية مسبقة كما ظن أتباع المدرسة الأرسطية المحدثة بل هي أصل الأصول، المطرقة التي تحطم تمثال الجوهر الكاذب. حين يتحدث جيل دولوز عن "اللاواقع" أو عن التكرار بصفته قوة تمايز لا تشبه ما يعادله فهو يبشر بفلسفة لا تجد الكائن إلا في انعطافاته ووصلاته وافتراقاته. الشيء في قراءة دولوزية متأخرة وهو ما يحدث من علاقات، هو أثر من آثار القوى المتلاقية والمتصارعة لا كياناً مستقلاً يمتلك صفات قبل أن يعرف غيره. لا وجود لـ"فرد" إلا كنتاج لتداخل كائنات أخرى كوشاح في رياح هي نفسها ليست سوى حركات جزيئية لا تلبث أن تنحل. أما ميشيل فوكو فحين حفر في أركيولوجيا المعرفة لم يجد خلف الأقوال ذاتاً قائلة أو معنى باطناً بل وجد علاقات قوة وعلاقات معرفة تعج بالثغرات والتصدعات، ووجد جسماً يكتبه الخطاب قبل أن يكتب هو، ووجد وجوداً لا قوام له إلا كموضع متحرك ضمن شبكة من المراجع والإقصاءات. الكائن الفوكوي ليس ماهية تقاوم الزمن بل هو زمن نفسه ممتدا في تقاطعات القول والفعل والمؤسسة، ولذلك كان فوكو شديد الإصرار على أن الإنسان "انطباع على طين حديث العهد"، طين لا يدوم طويلاً لأنه لا جوهر له أصلاً.
ولعل أعمق تجليات هذا التحول تجدها في فلسفة إيمانويل ليفيناس، ذاك المفكر الذي جعل "الوجه" حدثاً أخلاقياً مطلقاً، حيث يتعذر رد الآخر إلى ماهية مدركة لأن الوجه يتفلت من أي تصنيف، من أي نزع للغموض. الآخر عند ليفيناس ليس موضوعاً للمعرفة ولا كائناً يمكن اختزاله إلى صفات وحدود، بل هو حضور لا يكف عن إزعاج أنا الواعية التي تطمح إلى فهم الكل واستيعابه. هذا الآخر يفرض نفسه كعلاقة لا كجوهر، كأنه يقول: لا تختزلني، لا تسبقني بمقولاتك، فأنا وجودي هو في نداء يتجدد. وتنقلب الأوليات، ما كان ثانوياً في التقليد الأرسطي (العلاقة بالآخر) يصير تأسيسياً بل يصير هو الكائن نفسه الذي لا يتجلى إلا في نداء وإجابة، في مسؤولية تسبق حتى حرية الذات. عند ليفيناس الوجود أخلاقي قبل أن يكون أنطولوجياً، أي أنه قائم على استجابة لوجه الآخر، على انكشاف للغريب يخرج الذات من عزلتها الماهوية الكاذبة. فلا وجود لـ"أنا" إلا وقد اخترقها "أنت"، ولا صلابة لوعي يقف على ذاته دون أن يزلزله طلب الأرملة واليتيم والمقهورين. إنها فلسفة تعلن أن الماهية هي مجرد هروب جبان من ثقل العلاقة ومن عناء المسؤولية التي لا تنتهي.
ولم يقتصر هذا التحول على الميتافيزيقا الأخلاقية بل امتد إلى فلسفة الطبيعة والعلوم. أقصد بذلك الفيزياء المعاصرة التي لم تعد تنظر إلى الجسيمات كجوهرات صلبة تشبه كرات البلياردو، بل كعلاقات طاقوية، كأحداث متشابكة لا تفهم إلا عبر سياقاتها. أينشتاين نفسه تنبّه إلى أن المكان والزمان ليسا ظرفين شفافين يحيطان بالكائنات بل هما بنية علائقية لا ينفصل عنها ما يُسمى "مادة". لكن الذهاب إلى أبعد مدى كان على يد الفيلسوف ألفريد نورث وايتهيد، صاحب "عملية الواقع"، حيث لم يبق شيء ثابت ولم يبق ماهية مستقرة بل أصبح كل كائن عبارة عن "كيان فعلي" لا يُعرّف بما هو عليه بل بمشاركاته في شبكة التحولات الكونية. كل كيان عند وايتهيد هو "عملية يصير فيها المتعدد واحداً"، أي أنه لقاء بين علاقات سابقة وتحضير لعلاقات لاحقة، تماماً كأن الواقع ليس مجموعة أشياء بل سلسلة حوادث متصلة لا تنقطع. في هذا السياق يصير مفهوم "الماهية" أشبه بجمود ميت، بصورة ملتقطة لشيء لا يمكن تصويره إلا وهو يتحول فتكون الصورة كذباً طيباً يرويه العقل لنفسه ليهدأ من دوار التحولات.
أما في الأنثروبولوجيا الفلسفية المعاصرة فتتجلى الفكرة بوضوح جارح، الإنسان نفسه ليس جوهراً عاقلاً أو حيواناً ناطقاً بل هو كائن يتشكل في علاقاته بالآلة، بالحيوان، بالعلامات بل بالزمن نفسه. برونو لاتور ذلك المفكر الذي أراد إعادة توزيع التمايزات بين الطبيعي والثقافي جعل من "شبكة الفاعلين" المفهوم المركزي لفهم أي وجود. لا يوجد إنسان في مواجهة عالم من الأشياء الخاملة بل تكتلات هجينة: إنسان-أداة، طقس-جينوم، مدينة-إيكولوجيا. هذه التكتلات لا تمتلك ماهيات أبدية ولا تحيل إلى جوهر واحد هو حقيقتها الخفية بل هي سيرورات قائمة بذاتها كل منها فريد كبصمة لعلاقة عابرة قد تتلاشى أو تتحول. ما يسمى "طبيعة الإنسان" ليس سوى اختصار كسول لتشابكات بالغة التعقيد وكل إعلان عن "جوهر إنساني" هو محاولة لتثبيت علاقة مؤقتة وتحويلها إلى أبدية مصطنعة. هنا يلتقي لاتور مع دولوز وليفيناس في نقد واحد، لقد انتهى زمن الماهيات وحلّ زمن التجميعات والتشكيلات والإيتيقا العلائقية.
لكن هل يعني هذا التحول نبذاً تاماً لأي ثبات؟ بالتأكيد لا، وإلا وقعنا في فخ الخلط بين النقد الهادم والعدمية الساذجة. الفلسفات العلائقية لا تنكر أن هناك تكرارات، أنماطاً، تقارباً في السلوك والتكوين، لكنها تنكر أن هذه الأنماط هي جوهر مفروض من الأزل وتعتبرها مجرد نتائج ظرفية لعلاقات سبقتها وتجاوزتها. فـ"الصخرة" التي نسميها صلبة وجامدة ليست سوى تجمع لحظي لعلاقات كهرومغناطيسية يتجمع بدوره ويتحلل ويعاد تشكيله في أزمنة كونية أطول. و"الأنا" التي يظن الفرد أنها أعز وأثمن ما يملك ليست سوى تقاطع مؤقت بين ذاكرة الجسد ولغة الجماعة وقوانين السلطة ورغبات لا تعرف مصدرها. حين ندرك هذا لا نفقد شيئاً من جزئيات العالم، بل نكسب قدرة على تتبع التحولات حيث كان السابقون يقطعون بالثباتات.
وتبرز هنا أهمية التمييز بين العلاقة كإضافة خارجية والعلاقة كبنية جوهرية داخلية. فلاسفة العلاقة المعاصرون من مارتن بوبر بفلسفة "أنا-أنت" إلى موريس ميرلوبونتي بفلسفة الجسد الموصول بالعالم يصرون على أن العلاقة ليست لاحقة على طرفين مستقلين بل إن الطرفين لا يستقلان إلا بفضل العلاقة ذاتها. فـ"الوردي" ليس صفة جوهرية في زهرة موجودة مسبقاً بل هو نتيجة لتفاعل زهرة مع ضوء وعين وكيمياء حس. و"الحلو" ليس معنى كامناً في السكر بل هو علاقة بين جزيئات السكر وبراعم الذوق في كائن حي تطور ضمن بيئة تتطلب استخلاص الطاقة. كل شيء نسميه "صفة" هو في الحقيقة علاقة محجوبة، جزء من حوار أعمى لا نرى منه إلا واجهة مصمتة خادعة. ولهذا يعود بنا التفكير الفلسفي إلى ضرورة الشك في كل تعليم يحكم على شيء بأنه "كذا" أو "ليس كذا"، لأن هذه الأحكام ما هي إلا توقف مؤقت لعلاقة متحركة، توقف ضروري للحياة اليومية لكنه كارثة إذا جمدناه وجعلناه حقيقة أبدية.
وفي الفلسفة النسوية المعاصرة يظهر هذا التحول بأقصى درجات الجراح والسياسي. جوديث بتلر التي فككت منطق "الجنس" كأساس طبيعي للـ"نوع الاجتماعي"، أثبتت أن الجسد نفسه لا يمتلك ماهية قبل علاقات القوة التي تشكله بل إن المادة الجسدية تظهر كأثر لسلوكيات متكررة ولعلاقات أداء يتكرر حتى يصير طبيعة ثانية. الجنس بتعبير بتلر ليس حقيقة بيولوجية مطلقة بل هو بناء علائقي تُنتجه خطابات السلطة وتكرسه ممارسات التشريع والطب والتربية لكي يبدو وكأنه "ماهية" أزلية لا يمكن تجاوزها. لكن هذا "وكأنه" هو بالضبط نقطة الضعف التي تتيح الفعل السياسي، إذ إذا كانت الماهية مجرد وهم محدد علاقياً فإن إعادة تشكيل العلاقات تعني إعادة تعريف الكائن نفسه. فالمرأة ليست ماهية تتحدد بأعضاء أو وظائف بل هي موقع ضمن شبكة من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والنفسية يمكن تفكيكها وإعادة تركيبها في أشكال تحرر لا تخضع لمنطق الهوية الجامدة.
بين كل هذه التأكيدات على العلاقة يبرز سؤال شائك كيف نفكر في الوحدة والتماسك إذا لم تعد هناك ماهيات تمنح هوية ثابتة؟ أليس هذا الانحلال في علاقات لا نهائية يؤدي إلى تجزئة لا تطاق، إلى لا شكل يعيق الفهم والفعل؟ الجواب عند هؤلاء الفلاسفة هو أن الوحدة ليست معلبة مسبقاً بل هي مكتسبة في كل لحظة مثلما تكسب الموسيقى وحدتها ليس من وجود نوتة أصلية تتحكم بكل النوتات بل من علاقات الانسجام والتنافر المتغيرة بين الأصوات. الكائن عندهم أشبه بلحن ليس موجوداً كجوهر مستقل خارج الزمن بل هو يتجدد أو يضمحل مع كل علاقة جديدة تربطه بسواه. الوحدة التي نبحث عنها لا يجب أن تكون بداية التفكير بل نهايته المؤقتة، تلك النهاية التي لا نصل إليها إلا لنمضي عنها بعد أن نكتشف أنها غير كافية. وبهذا يصير التحول من الماهية إلى العلاقة ليس خسارة لليقين بل ربحاً لحركة وتنفس لا يقدر عليها من يظل أسير الجواهر الثابتة.
وامتداداً لهذا التحول الجذري لا يقتصر الأمر على إعادة تعريف الكائن الإنساني أو الطبيعي بل يمتد ليشمل الزمن نفسه، ذلك الأفق الذي كانت الماهية تقيم فيه كحاضر دائم. فالزمن في الفلسفات العلائقية لم يعد سيّداً خارجياً تسبح فيه الجواهر بل أصبح بُعداً داخلياً للعلاقة ذاتها. هايدغر الذي هدم بناء الوجود كماهية حاضرة أعلن أن الكائن الإنساني (الدازاين) ليس جوهراً ثابتاً بل هو وجود يُعرّف بكونه "مُلقىً" في زمنية تتفتح نحو المستقبل عبر العناية والموت. ولم يبق هناك "إنسان" يسبق علاقته بزمنه فـ"ماهية" الدازاين هي بالضبط وجوده الزمني أي امتداده بين ميلاد لم يختره وميتات يختارها أو تُفرض عليه. هذا النفي للماهية لم يكن نقصاً بل كان عين الغنى لأن الإنسان الحر هو الذي يعرف أنه لا يملك جوهراً سوى ما يصنعه من علاقاته مع العالم والآخرين وفي قرارة نفسه مع مصيره. غير أن هايدغر رغم عبقريته ظل أسير نزعة فردية ما إذ جعل العلاقة الأصيلة هي علاقة الدازاين بموته مما أهمل شبكة العلاقات المتشابكة التي تعصف بالفرد من كل حدب وصوب. وهنا يأتي دور ميرلوبونتي ليعيد الاعتبار للجسد بصفته علاقة أولية بالعالم، جسداً ليس شيئاً ولا فكرة بل وسيط حي يدرك بكونه مُدرَكاً، يلمس بكونه ملموساً. هذا الجسد عند ميرلوبونتي هو مثال الكائن العلائقي بامتياز: ليس له ماهية محددة لأنه لا ينفك يتكيف مع محيطه، لأن وجوده كله هو "كونه في العالم" قبل أي تأمل. ولا يمكن فصل الجسد عن غيره من الأجساد لأن الإدراك نفسه يحدث في فضاء تشترك فيه الذوات دون أن تندمج أو تنعزل. فـ"أنا أدرك" تعني في العمق "نحن ندرك" والعلاقة بين الذوات ليست مضافة إلى إدراك منفرد بل هي بنية الإدراك نفسها. من هنا صار ممكناً القول: الكائن ليس ما هو عليه في صمته بل هو ما يفعله وما ينفعل به وما يسمعه وما يصدر عنه في حوار لا ينقطع مع جسده وعالمه.
لكن هل يمكن لهذا التحول أن يفلت من فخ النسبوية المطلقة؟ أليس في القول بأن كل شيء علاقة وليس هناك جوهر ثابت هروب إلى اللاتمايز، إلى ضبابية تمنع التمييز بين الصدق والكذب، بين العدل والظلم، بين الجميل والقبيح؟ في الحقيقة الفلسفات العلائقية لا تسقط في هذا المأزق لأنها تستبدل يقين الماهية بوضوح المسار. ليس المطلوب أن نعثر على معيار أبدي للحكم بل أن نتتبع أثر العلاقات في تشكل الأحكام ذاتها. فما نسميه "عدلاً" ليس مفهوماً مجرداً مستقلاً عن سياقه بل هو نتاج صراع قوى وعلاقات تاريخية، ولكنه مع ذلك ليس اعتباطياً لأنه يحمل في طياته إمكانية نقد ذاته عبر توسيع شبكة العلاقات لتشمل المستبعدين والمقهورين. العدالة عند إيمانويل ليفيناس مثلاً ليست قيمة كلية تسبق العلاقة بل هي بالضبط ذلك الاحتكاك بالوجه الذي يطلب مني ألا أتركه وحيداً وهو طلب لا ينضب لأنه لا يمكن اختزاله إلى قاعدة. وبالمثل، الجمال عند دولوز ليس صفة جوهرية في الشيء بل هو قوة تؤثر فينا وتجعلنا نفكر بشكل مغاير، علاقة تصدع بين الحواس والعقل. ونجد أن هذا التحول من الماهية إلى العلاقة لا يلغي المعايير بل يعيد صياغتها كمسارات متحركة، كأن نحكم على شيء ليس بمدى مطابقته لجوهر مثالي بل بمدى فتحه لإمكانيات جديدة وبمدى قدرته على إنتاج اختلافات تُثري نسيج العلاقات بدلاً من إفقاره.
تدفعنا هذه الاعتبارات إلى مراجعة جذرية لمفهوم "الهوية" التي طالما شكلت هاجس الفلسفة الغربية. الهوية الكلاسيكية بتعبير أرسطي هي كون الشيء مطابقاً لذاته لا تناقض فيه ولا تعدد. لكن في ضوء التحول العلائقي تصير الهوية مجرد وهم بصري ناتج عن سرعة التحولات أو باختصار: ليس هناك هوية إلا كعلاقة مؤقتة بين الاختلافات. هذا ما اكتشفه جيل دولوز وفليكس غاتاري حين تحدثا عن "آلة الحرب" و"السراب" و"اللاتمركز"، وأصرا على أن الوجود ليس كينونة (being) بل يصير (becoming)، يصير امرأة، يصير شيئاً، يصير غير محسوس. كل هذه التعبيرات تؤكد أن الكائن لا يثبت على ماهية بل هو سلسلة من حالات التحول، كل حالة منها هي علاقة مع شيء آخر. فالأقلية ليست هوية سلبية، بل هي علاقة مقاومة للهيمنة والحيوان ليس طبيعة أدنى بل هو علاقة تفلت من العقلانية الآسرة. ويتحرر الفكر من عقدة البحث عن الذات الثابتة ويبدأ في التفكير بـ"ما يمكن أن يكونه الكائن" بدلاً من "ما هو عليه". لعل هذا هو لب الحداثة الفلسفية، الانتقال من سؤال "ما الوجود؟" إلى سؤال "كيف يمكن للوجود أن يختلف؟"، ومن سؤال "من أنا؟" إلى سؤال "من قد أصبح؟"
تتجلى هذه الفكرة في ميدان الفن بشكل مذهل، فالفن المعاصر بخاصة في تجلياته غير التمثيلية لم يعد محاكياً لماهيات مفترضة بل أصبح مختبراً لخلق علاقات غير مسبوقة. اللوحة عند بول كلي أو فاسيلي كاندينسكي ليست صورة جوهر بل هي علاقة بين الألوان والخطوط والأشكال تنتج إحساساً لا يمكن اختزاله إلى موضوع خارجي. والموسيقا عند جون كيج لم تعد تعبيراً عن عاطفة جوهرية بل هي تنظيم للعلاقات بين الصوت والصمت وبين الآلات والصدف. حتى الأدب مع جيمس جويس وصمويل بيكيت، فكك الشخصية كجوهر ثابت وحولها إلى شبكة من العلاقات اللغوية والنفسية والزمنية المتشابكة. ليوبولد بلوم في "يوليسيس" ليس ماهية محددة، بل هو علاقات عائلية وجنسية وتجارية وثقافية، كلها تلتقي في جسد واحد لكنها لا تستقر. والفن بدوره يعلمنا أن ما نسميه "جمالاً" ليس صفة ثابتة في الشيء بل هو حدث علائقي يحدث بين العمل والمتفرج وبين الحواس والذاكرة. لذلك يمكننا القول إن الحداثة الفنية هي امتداد طبيعي للتحول الفلسفي من الماهية إلى العلاقة وأن الفنانون سبقوا الفلاسفة أحياناً في اكتشاف أن الكائن لا يُعرف إلا عبر آثاره وتشابكاته.
أما في مجال السياسة فالتحول المذكور يحمل تداعيات ثورية، الدولة القومية الحديثة قامت على فكرة المواطن كجوهر قانوني يتحدد بصفات ثابتة، الجنسية، اللغة، الأصل، الحدود. لكن الفلسفات العلائقية تكشف أن هذه الصفات ليست سوى تجميد مؤقت لعلاقات قوة تاريخية. المواطن ليس ماهية، بل هو علاقة بين الفرد ومؤسسات الدولة والسوق والنقابات والأسرة والإعلام. والمهاجر ليس جوهراً غريباً يهدد هوية وطنية مفترضة، بل هو ناتج عن علاقات اقتصادية وسياسية كونية، عن استعمار سابق وحروب راهنة وتباين في توزيع الثروات. السياسة التي تتبنى المنظور العلائقي لا تسأل "ما هو هذا الكائن؟" بل تسأل "ما هي العلاقات التي أنتجته وما هي العلاقات التي يحتاجها ليعيش كريماً؟". هذه سياسة تخلت عن منطق الهوية القاتل، منطق "نحن وهم"، وحلت محله سياسة الربط والتضامن عبر الاختلافات. ليس من قبيل المصادفة أن كبار نقاد العنصرية والتمييز في عصرنا، من إدوارد سعيد إلى أنجيلا ديفيس إلى جوديث بتلر، ينطلقون من فكرة أن الكائن البشري لا يُختزل في هوية واحدة، بل هو تقاطع علاقات متعددة، بعضها يفعله والبعض الآخر يفعله، وأن التحرر يبدأ عندما نتفهم أننا لسنا جوهراً منفرداً بل نحن "نحن" في علاقتنا مع الآخرين حتى مع الأعداء.
وقبل أن نُسدل الستار، لا بد من الإشارة إلى أن التحول من الماهية إلى العلاقة لم يكن انتصاراً سهلاً ولا مكتملاً. ما زال المنطق الماهوي يسيطر على مؤسسات التعليم والقضاء والدين والإعلام حيث تُصنف الأشياء والأشخاص وفق قوالب جامدة وحيث يُقال عن الطفل "هذا كسول" وعن المرأة "هي عاطفية" وعن الشعب "هو أصيل". هذه التعابير تحول علاقات مؤقتة إلى ماهيات أبدية وتساعد على إنتاج التبعية والقمع باسم "الطبيعة" أو "الجوهر". لكن الفلسفات العلائقية لا تدعونا إلى نبذ التصنيف تماماً بل إلى وعي حاد بأن التصنيفات هي أدوات عملية يجب أن تظل مرنة قابلة للنقد والتعديل وإلا تحولت إلى أقفاص. لذلك المطلوب هو إبقاء التوتر حياً بين حاجتنا اليومية إلى الثباتات المؤقتة وإدراكنا الفلسفي بأن هذه الثباتات ليست حقائق نهائية. هذا التوتر هو بالضبط ما يجعل التفكير ممكناً وما يجعل التغيير ممكناً. فلا حرية في عالم من الجمود الماهوي ولا إبداع في عالم من السيولة المطلقة. الحكمة تكمن في الإبحار بين هذين الخطرين معتمدين على العلاقة كبوصلة لا كمرساة.
ونعود إلى سؤال البداية: لماذا أصرت الفلسفة كل هذه القرون على الماهية؟ ولماذا يصعب علينا حتى الآن التخلي عن فكرة أن لكل شيء حقيقة باطنة ثابتة؟ الجواب كما بدا على امتداد هذا المقال يعود إلى هاجس اليقين، إلى رغبة العقل في الإمساك بالعالم دون وسائط، إلى خوف الجسد من التغير والموت. الماهية كانت درعاً ضد الزمن وكانت وعداً بأن وراء الفوضى الظاهرية نظاماً خفياً لا يتزعزع. لكن هذا الدرع تحول مع الزمن إلى قمقم أغلق على نفسه فمنع التفكير من التنفس. جاءت الفلسفات المعاصرة لكسر هذا القمقم ليس بدعوة إلى فوضى عابثة بل بدعوة إلى تواضع معرفي أكثر، وجرأة التواضع الذي يعترف بأن معرفتنا بالكائن هي جزء من علاقتنا به وأن هذه العلاقة قابلة للتغيير والتوسع. فعندما نقول إن الكائن ليس ماهية بل علاقة فإننا لا ننفي وجود العالم الخارجي بل ننفي قدرتنا على الوقوف خارجه كمراقبين متعاليين، نحن دائماً داخل العلاقة والعلاقة نفسها هي التي تشكل نظرتنا.
إن أهمية هذا التحول تتجاوز حدود الفلسفة الأكاديمية لأنها تمس الطريقة التي نعيش بها حياتنا اليومية. ففي زمن العولمة والتواصل الرقمي حيث تتكاثر العلاقات وتسارع وتتصادم لم يعد ممكناً التمسك بهويات مغلقة. الشخص الذي يقضي ساعات على الإنترنت ليس هو نفسه الشخص الذي يجلس إلى مائدة العائلة، لكن لا يمكن القول إن إحدى هاتين الصورتين هي "الجوهر" والأخرى مجرد "ظرف". الشخص هو هاتان العلاقتان معاً، مع آلاف العلاقات الأخرى. وهذا لا يعني فقدان الذات بل يعني اكتشاف أن الذات أوسع وأغنى من أي تعريف أحادي. التحول إلى الفكر العلائقي هو تحول إلى الأخلاق بمعناها العميق، أخلاق المسؤولية التي تدرك أن كل كائن هو نداء وأن الإصغاء للعلاقات يعني الإصغاء للآخر في تفرده الذي لا يُختزل. إنها أخلاق تقوم على الإنصات لا على الحكم، على الترحاب لا على التصنيف.
إن الفلسفات التي جاهرت بنبذ الماهية والاحتفاء بالعلاقة ليست مجرد نزوات فكرية بل هي استجابة لتحولات كونية وإنسانية عميقة. الفيزياء أظهرت لنا أن المادة ليست جامدة والأحياء أظهرت لنا أن الأنواع ليست ثابتة والأنثروبولوجيا أظهرت لنا أن الثقافات ليست معزولة والتاريخ أظهر لنا أن الأيدلوجيات ليست أبدية. كل هذه العلوم تلتقي عند حدود قول واحد، كل كيان هو في الحقيقة حدث وكل حدث هو شبكة من العلاقات. ربما تكون مهمة الفلسفة اليوم هي تعليمنا كيف نعيش في هذا العالم دون أوهام الجواهر، كيف نتحرك بين العلاقات دون أن نغرق فيها وكيف نخلق معاني مؤقتة دون أن نقدسها. ومن الجميل أن الفلسفة التي بدأت بحلم الإمساك بالثابت الأزلي، تصل اليوم إلى اكتشاف أن ثباتها الوحيد هو اعترافها بعدم الثبات، وأن حكمتها هي في التواضع أمام حركة العلاقات التي تسبقها وتتجاوزها. عندئذ فقط تصير الفلسفة فعل حب للعالم كما هو لا كما نتمنى أن يكون في جموده المخيف. وهذا الحب هو بالضبط ما يعيد تعريف الكائن ليس كشيء نملكه بل كعلاقة نعيشها.
***
د. حمزة مولخنيف







