من الميتافيزيقا إلى التفكيك
في البدء كانت الكلمة وفي الكلمة كان الوعد بحضورٍ ما، وفي ذلك الحضور كانت الحقيقة تتراءى كشمسٍ لا تغرب كجبلٍ لا يتزحزح وكنقطةٍ ثابتة في فوضى الكون. هكذا ولدت الفلسفة أو هكذا أوهمتنا الفلسفة حين نحتت من اليقين تمثالاً ومن العقل معبداً ومن اللغة مذبحاً لتقدّم عليه قرابين الأسئلة على أمل أن ترتدّ إليها إجابةٌ نهائية، طمأنينةٌ أبدية، حضورٌ لا يشوبه غياب. لكن الحقيقة تلك الهاربة العذراء، لم تكن قطّ ذلك الكائن المستكين الذي تظنه العقول بل كانت ولا تزال لغزاً ينسلّ من بين أصابع البرهان وسرّاً يهزأ بثبات المفاهيم وظلّاً يطارد الضوء في متاهات اللغة وفجوةً تتسع كلما أوغلنا في سبر أغوارها.
فمنذ أفلاطون الذي جعل الحقيقة في عالم المثل إلى أرسطو الذي أسكنها في الجوهر وإلى ديكارت الذي أوجدها في الذات وإلى كانط الذي وضعها في الشروط المتعالية وإلى هيغل الذي جعلها روحاً مطلقة، كان الفلاسفة يكتبون دون أن ينتبهوا تاريخاً طويلاً للغياب في ثوب الحضور، تاريخاً للنسيان يتخفى في هيئة التذكر، تاريخاً للصمت يتردد في زجل الكلام. فكلما اقتربت الفلسفة من قبض الحقيقة انسلّت منها كالماء بين الكفين وكلما ظنّت أنها أمسكت بها من ناصيتها وجدت في يدها اسماً لا مسمّى وصورةً لا أصل وحكايةً لا حقيقة. وذلك لأن الحقيقة ليست جوهراً يُعثر عليه بل حدثاً يقع، وليست كينونةً تُكتشف بل صيرورةً تُخلق وليست مرآةً تعكس الوجود بل لغةً تؤوّله وتخونه في آن.
والسؤال الذي يظلّ يلحّ بإلحاح النبض ويعاود الظهور بإصرار المدّ والجزر هو كيف نبني حقيقة في حضرة غيابٍ دائم؟ كيف نؤسس معرفة على أرضٍ تهتزّ من تحتنا؟ كيف نكتب حكاية الحقيقة ونحن نعرف أن كل كلمةٍ تكتب هي محوٌ لما قبلها وأن كل معنىً يحضر هو نفيٌ لمعانٍ تغيب وأن كل حضورٍ يعلن نفسه هو في العمق احتفالٌ بغيابٍ أعمق؟ لهذا كان لابدّ من وقفةٍ تأمّلية لا لتقديم أجوبةٍ واهية بل لإعادة طرح السؤال من جذوره ولكشف الشرخ الذي يمرّ في صميم البناء الفلسفي ولنفضح هوس الحضور الذي أصاب الميتافيزيقا ولنمنح الغياب حقه كمؤسّسٍ للحقيقة لا كمجرّد عيب أو نقص أو عارض طارئ.
وهنا حيث تنكسر مرايا اليقين وتتشظى تماثيل المعرفة ويصمت ضجيج البراهين، تنفتح أمامنا دروب جديدة ليس للبحث عن حقيقةٍ أخرى بل لعلاقةٍ أخرى بالحقيقة، علاقة تقوم على التوتر لا الطمأنينة، على السؤال لا الجواب، على الحب لا التملك، على المغامرة لا الاستقرار، على الغياب الذي يمنح الحضور معناه والحضور الذي يكشف عن غيابه الأصلي. هذه العلاقة الجديدة هي ما سنحاول تفكيك خيوطها وسبر أغوارها والغوص في لججها، في رحلةٍ فلسفيةٍ لا تهدف إلى الوصول بل إلى السير ولا إلى الامتلاك بل إلى الدهشة ولا إلى اليقين بل إلى ذلك الشك الخصيب الذي يلد معانيَ لا تنضب وأسئلةً لا تموت وحضوراً لا يخلو من غيابه وغياباً لا يعدم إمكان الحضور.
الحقيقة الفلسفية منذ فجر التأمل الأول، لم تكن قط كائناً مكتملاً ينتظر كشف نقاب عنه، بل كانت ومازالت حلبة صراع بين الحضور والغياب، بين ما يظهر في أفق العقل وما ينسحب منه، بين ما يقال وما يُسكت عنه، بين الاسم وما لا يُسمى. فمنذ أن وضع أفلاطون قدميه على درب الميتافيزيقا وهو يحلم بحضور كامل، بحقيقة مطلقة تسكن عالم المثل، لا تعرف النقص ولا الزوال، حضوراً أبدياً لا يشوبه غياب ولا تلوثه صيرورة. ذلك الحضور الذي جعل منه أرسطو جوهراً وجعل منه ديكارت يقيناً ذاتياً كانت شرطاً متعالياً، وجعل منه هيغل روحاً مطلقة، كلهم كانوا يبحثون عن نقطة ثبات في زمن التحول، عن مرساة في بحر العدم، عن كينونة لا تعرف الزمان ولا تتغير.
لكن هذا الحضور الموعود هذا اليقين المتعالي لم يكن في الحقيقة سوى وهمٍ جميل أو حلمٍ يقظ أو بناءٍ لغوي أقامه العقل على أنقاض اللاوعي وعلى هامش النسيان وعلى جثث المعاني التي تضحى كل يوم في معبد اللغة. فكلما حاول الفلسفة أن تمسك بالحقيقة كحضور مكشوف انفلتت منها كالماء بين الأصابع وكلما ظنت أنها قبضت على الجوهر وجدت في يدها ظلا أو اسماً أو صورة أو حكاية. ذلك لأن الحقيقة ليست شيئاً يُعثر عليه في نهاية الطريق بل هي الطريق نفسها وهي تتعرج وتتلوى وتتغير ملامحها مع كل خطوة.
لقد كشف نيتشه بسيفه النقدي الحاد أن هذا الحضور الذي نعشقه ليس سوى إرادة قوة متنكرة في ثوب الحقيقة وأن ما نسميه معرفة ليس مرآة للوجود بل تأويلاً للوجود وأن الحقيقة ليست سوى "جيش من الاستعارات المتحركة والكنايات والتجسيمات" التي تخلت عن طابعها الشعري لتُظن حقائق جامدة. وقد بدأ الغياب يتسرب إلى معقل الحضور وبدأ اليقين يتشقق من داخله وبدأت تظهر شعيرات النور في جدار الظلمة أو ربما العكس.
غير أن الانقلاب الحقيقي أو التحول الجذري جاء مع هايدغر عندما طرح سؤالاً ظنه الجميع قد أجيب عنه أو أنه لا يحتاج إلى جواب أو أنه مجرد سؤال عبثي لكنه كان سؤال الكينونة ذاتها. لقد سأل هايدغر لماذا هناك كائنات بدلاً من لا شيء؟ ولم يكتف بالسؤال بل أعاد قراءة تاريخ الميتافيزيقا باعتباره تاريخاً لنسيان الكينونة، تاريخاً لغياب الوجود في صالح حضور الموجودات، تاريخاً نُسي فيه الفرق الأنطولوجي بين الكينونة والكائن وأصبحت الكينونة غائبة في قلب كل حضور وكأنها الظل الذي لا يُرى إلا عندما ينطفئ الضوء أو الصمت الذي لا يُسمع إلا بعد انقطاع الصوت.
يظهر في هذا السياق الغياب ليس كنقيض للحضور بل كشرطه الأساسي، وكالأرضية التي يقوم عليها وكالغياب الذي يجعل الحضور ممكناً، تماماً كما أن الفجوات بين الكلمات هي التي تمكن الكلام من أن يكون معنى وكما أن الصمت هو الذي يمنح الموسيقى عمقها وكما أن الموت هو الذي يعطي الحياة معناها. إن الحقيقة الفلسفية لم تعد ذلك الكائن الثابت الذي يمكن امتلاكه بل أصبحت حدثاً يحدث في فجوة بين الحضور والغياب، في تلك المنطقة الحدودية التي لا تنتمي كلياً إلى هذا ولا إلى ذاك، حيث المعنى يتشكل ويتفكك في آن واحد.
وإذا كان هايدغر قد فتح الباب على مصراعيه أمام الغياب فإن دريدا كان من أتى بآلة التفكيك ليقلب الطاولة على الميتافيزيقا بكاملها وليفضح هوسها بالحضور وليكشف أن كل بناء فلسفي يقوم على ثنائية الحضور والغياب، لكنه يضفي على الحضور قيمة عليا ويجعل من الغياب مجرد عيب أو نقص أو ضعف. لكن دريدا يذهب إلى أبعد من ذلك فيقول إن الغياب ليس مجرد غياب للحضور بل هو أصل الحضور وأن ما يسمى حضوراً ليس سوى أثرٍ للغياب وأن الحضور نفسه قائم على سلسلة من الإحالات والتأجيلات التي لا تنتهي على لعبة من الاختلافات التي تجعل المعنى يتأجل إلى ما لا نهاية.
وهنا نصل إلى مفهوم "الاختلاف" الذي صاغه دريدا، ذلك المفهوم الذي لا يمكن نطقه كما يُكتب والذي يجمع بين معنى التغاير ومعنى التأجيل وكأنه يقول لنا إن المعنى لا يحضر كاملاً في أي لحظة بل هو دائماً في طور التشكل، دائماً في فجوة بين الكلمات بين النصوص بين القراءات بين الذات والموضوع بين الحضور والغياب. والحقيقة الفلسفية في هذا المنظور ليست شيئاً موجوداً في مكان ما بل هي أثر ذلك الاختلاف، هي حركة الإحالة الدائمة، هي ذلك النسج اللامتناهي من العلاقات التي لا تستقر والتي لا تثبت عند نقطة والتي لا تعترف بحضور كامل.
هذا التحول من الميتافيزيقا إلى التفكيك ليس مجرد تحول نظري أو تبدل في المذاهب بل هو زلزال هز أساس الفكر الغربي وكشف عن شرخ عميق في بنائه، عن جرح لم يلتئم، عن غياب كان دائماً هناك، في قلب كل حضور، في جوف كل يقين، في فم كل حقيقة تعلن عن نفسها. وكأن التفكيك يقول لا تثق بالحضور لأنه يخفي غيابه ولا تيأس من الغياب لأنه يكشف عن حضوره ولا تظن أن الحقيقة في مكان دون آخر فهي في مكانها وفي غير مكانها، هي في كل ما يحضر وفي كل ما يغيب، هي في النور وفي الظل، هي في الكلام وفي الصمت، هي في الحياة وفي الموت.
لكن هذا التصور لا يلغي الحقيقة بل يعيد تعريفها، لا يقضي على البحث عنها بل يضاعف حاجتنا إليها لا يجعلها ضرباً من العبث بل يجعلها ممكناً بشكل آخر، ممكناً كأفق لا كموضوع، ممكناً كرغبة لا كملكية ممكناً كسؤال لا كجواب، ممكناً كحركة لا كسكون، ممكناً كصراع بين الحضور والغياب، لا كاستقرار في حضرة الحضور.
هنا تبرز إشكالية الحضور والغياب كمسألة جوهرية في بناء الحقيقة الفلسفية، ليس لأنها تقود إلى حل بل لأنها تكشف عن طبيعة الحقيقة ذاتها، عن شرط إمكانها، عن حدها، عن هشاشتها وقوتها في نفس الوقت. فالحقيقة لا تُبنى على أساس صلب من اليقين بل تُبنى على رمال متحركة من الشك لا على حضور كامل بل على غياب دائم لا على اكتشاف ما هو كائن بل على اختراع ما يمكن أن يكون.
وهنا قد نعود إلى سؤال السؤال ما هي الحقيقة إذاً؟ ليست ما يطابق الواقع كما قال أرسطو وليست ما يدركه العقل بوضوح وتميز كما قال ديكارت، وليست ما يحكم عليه العقل العملي كما قال كانط، وليست ما تصل إليه الروح في نهاية التاريخ كما قال هيغل، وليست ما تفرضه إرادة القوة كما قال نيتشه، وليست ما تنكشف به الكينونة كما قال هايدغر، وليست ما ينتجه الاختلاف كما قال دريدا. بل هي كل ذلك وهذه ليست هي لعبة الحضور والغياب، هي مسرح الضوء والظل، هي سيرة البحث، هي تاريخ السؤال، هي رحلة العقل في أرض مجهولة، هي الرغبة في المعرفة واليأس من الوصول، هي الأمل في الفهم والخوف من الفهم، هي السر الذي لا يُفشى واللغز الذي لا يُحل، هي الاسم الذي لا يُنطق والكلمة التي لا تُكتب، هي الحلم الذي نعيشه واليقظة التي ننام عنها، هي الغياب الذي يحضر في كل لحظة والحضور الذي يغيب في كل كلمة.
وإذا كانت الميتافيزيقا قد حاولت إسكات الغياب أو إخفاؤه أو تهميشه، فإن التفكيك جاء ليأخذ الغياب بجدية ليجعله عنصراً مؤسساً وليعترف بأن كل حضور يحمل غيابه وأن كل بناء يقوم على هدم وأن كل قول يخفي صمتاً وأن كل نور يلقي بظله وأن كل حقيقة هي نصف حقيقة أو هي حقيقة مؤقتة أو هي حقيقة متغيرة أو هي حقيقة ما زالت قيد الإنتاج.
وليس التفكيك هنا مجرد نقد للميتافيزيقا بل هو نقد للنقد نفسه، هو شك في الشك، هو تأويل للتأويل، هو كتابة عن الكتابة وهو فلسفة في الفلسفة. فهو لا يقدم بديلاً عن الميتافيزيقا لأنه يعرف أن كل بديل هو ميتافيزيقا جديدة وأن كل هروب من المركز هو إعادة إنتاج للمركز وأن كل محاولة لتجاوز الحضور هي إعادة إحياء له في ثوب جديد. لذلك فهو يكتفي بكشف الآليات، بفضح الأوهام، بتفكيك البنى، بإبراز الفجوات، بإظهار الغياب دون أن يدعي أنه وصل إلى حقيقة نهائية أو أنه امتلك معرفة يقينية.
وتعود إشكالية الحضور والغياب لتطرح نفسها بإلحاح، ليس كمعضلة نظرية، بل كموقف وجودي، كطريقة في العيش، كأسلوب في التفكير، كرؤية للعالم، كحساسية تجاه المعرفة، كوعي بالحدود، كإيمان بالانفتاح، كرفض للجمود، كحب للحركة، كولع بالغموض، كشغف بالغموض. فأن تكون فيلسوفاً اليوم يعني أن تعيش هذا التوتر، أن ترقص على حبل مشدود بين الحضور والغياب، أن تتأرجح بين اليقين والشك، بين المعرفة والجهل، بين الكلام والصمت، بين الحياة والموت، وأن تقبل بأن الحقيقة ليست وجهة، بل رحلة، ليست محطة، بل طريق، ليست هدفاً، بل أفقاً.
يصير السؤال عن الحقيقة سؤالاً عن الذات، عن الهوية، عن المعنى، عن الزمان، عن المكان، عن اللغة، عن الآخر، عن العلاقات، عن الحدود، عن الإمكانات. وكأن كل محاولة لبناء الحقيقة هي محاولة لبناء الذات وكل محاولة لبناء الذات هي محاولة لتفكيكها وكل محاولة لتفكيكها هي محاولة لإعادة بنائها، وهكذا دواليك في لعبة لا نهائية من الحضور والغياب، من البناء والهدم، من الإثبات والنفي، من القول والصمت.
ولعل في هذا التصور ما يمنح الفلسفة حيويتها ويجعلها فنا لا علماً، أدباً لا منطقاً، شعراً لا برهاناً، حياة لا فكرة، صراعاً لا سلاماً، رغبة لا يقيناً، ألماً لا متعة، سؤالاً لا جواباً. والحقيقة الفلسفية ليست شيئاً نعثر عليه بل شيئاً نصنعه، ليست شيئاً نكتشفه، بل شيئاً نخلقه، ليست شيئاً نرثه، بل شيئاً نبتكره، ليست شيئاً نستهلكه، بل شيئاً ننتجه، ليست شيئاً نمتلكه، بل شيئاً نكونه.
إن الفلسفة التي تنطلق من إشكالية الحضور والغياب هي فلسفة لا تخاف من التناقض ولا تهرب من اللامعقول ولا تنكر العبث ولا تتجاهل العدم بل تواجهه وتصارعه وتحتضنه وتحاول أن تجد فيه معنىً جديداً وجمالاً مغايراً وأملاً مختلفاً. فهي تعرف أن الضد يظهر بالضد وأن النور يتعرف بالظلمة وأن الحياة تكتسب قيمتها من الموت وأن المعنى يولد من اللامعنى وأن الحقيقة تنبع من الغياب.
إن إشكالية الحضور والغياب ليست مجرد إشكالية معرفية بل هي إشكالية وجودية بامتياز لأنها تمس كينونتنا في العالم وتحدد علاقتنا بالزمان والمكان وبالذات والآخر وباللغة والصمت وبالحياة والموت. فهي تطرح علينا أسئلة مصيرية من نحن في غياب الحضور؟ وماذا نكون في حضور الغياب؟ وكيف نبني معنى في ظل العبث؟ وكيف نصنع حقيقة في حضرة الشك؟ وكيف نعيش في عالم لا استقرار فيه ولا يقين ولا ثبات؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تكون في فلسفة واحدة ولا في نظرية موحدة ولا في مذهب معين بل في تعدد الأصوات وتنوع الرؤى وتكاثر التأويلات في الحوار بين الفلاسفة، في الصراع بين المدارس، في التلاقح بين الثقافات، في التبادل بين الأزمنة، في الانفتاح على المجهول، في المغامرة في المجهول، في العيش مع الغياب وكأنه حضور وفي العيش مع الحضور وكأنه غياب وفي قبول التناقض وفي احتضان الغموض وفي الاستمتاع بالقلق.
وتتكشف إشكالية الحضور والغياب كأكثر الإشكاليات إلحاحاً في الفلسفة المعاصرة بل في الفكر الإنساني عموماً لأنها تمس لب وجودنا وجوهر معرفتنا وأصل قيمنا ومصير أحلامنا. فهي ليست مجرد إشكالية فلسفية بين أخرى بل هي الإشكالية الأم، الإشكالية التي تسبق كل إشكالية وتحتوي كل إشكالية وتولد كل إشكالية وتسأل عن كل إشكالية. إنها سؤال السؤال وفكر الفكر وحقيقة الحقيقة وكينونة الكينونة.
وإذ أمعنا النظر في جذوة هذه الإشكالية التي تتوسط بين الحضور الموعود والغياب المقدس، نجد أنفسنا مدعوين إلى تجاوز الأفق الضيق الذي حصرها في إطار ثنائية صارمة، إلى فضاء أرحب حيث يتداخل النقيضان ويتغذى أحدهما من الآخر، حيث يصبح الحضور مرآة للغياب والغياب نبضاً خفياً للحضور. إن ما نسميه حقيقة في سياق هذا التحول التفكيكي ليس لقاءً مع كينونة شفافة تفضي بأسرارها ولا غوصاً في بئر مظلمة تنتهي عند صمت مطبق بل هو علاقة معقدة من التشابك والانسحاب، من الميلاد المستمر والموت المتجدد، من اللغة التي تكشف وتخفي في اللحظة ذاتها.
فاللغة بتعبير هايدغر ليست أداة للتعبير عن حقيقة سابقة عليها بل هي بيت الكينونة أي أنها الفضاء الذي يحدث فيه ظهور الوجود، ولكنها في نفس الوقت حجابه لأنها تشير إلى ما تغيب عنه وتسمي ما يفلت من التسمية. وكل كلمة في هذا البيت تحمل في طياتها غيابها، تماماً كما يحمل النهار في أحشائه بذور الليل وكما تحمل البداية نهايتها وكما يحمل الحلم يقظته وكما يحمل السؤال جواباً مستحيلاً. ليست اللغة إذاً وعاءً صافياً نغرف منه الحقيقة بل هي نسيج معقد من الفجوات والامتلاءات، من الحضور والغياب، من الصدى والانطفاء. وهي في هذا تشبه الموسيقى التي لا تُسمع بين النغمات فحسب بل في الصمت الذي يفصلها ويوحدها، في التوقفات التي تمنحها عمقها ومعناها. كذلك الحقيقة الفلسفية لا توجد في الكلمات وحدها بل في ما بين الكلمات، في الفجوات التي تتشكل منها المعاني، في السكوت الذي يحتضن النطق ويمنحه قوته الإيحائية.
لقد حاولت الميتافيزيقا بكل تنوعاتها أن تجعل من اللغة نافذة شفافة على الحقيقة وأن تختزل الغياب إلى مجرد عارض، إلى نقص يمكن تعويضه، إلى ظل يمكن تبديده بإشراق العقل. لكنها وقعت في فخ المطابقة، ظنت أن الحقيقة تطابق الواقع وأن اللغة تطابق الحقيقة وأن العقل يطابق اللغة فكانت كل هذه المطابقات مجرد سراب لأن الواقع نفسه ليس كائناً ثابتاً قابلًا للطابق بل هو صيرورة متدفقة ولأن الحقيقة ليست صورة مطابقة بل تأويلاً متجدداً ولأن اللغة ليست مرآة بل لعبة ولأن العقل ليس حكماً بل حدساً وتوقعاً وهذياناً منظماً أحياناً.
إن التفكيك كما مارسه دريدا لم يأت لهدم الفلسفة أو ليلغيها بل لكشف شرطها الممكن ولتذكيرها بأنها تقوم على ما تنكره وتتغذى مما تهمشه وتعلو على أساس ما تهوي به. فالميتافيزيقا في سعيها المحموم إلى الحضور كانت تنفي الغياب، لكن الغياب ظل يعمل في صميم بنائها، مثل الماء الذي ينحت الصخر من الداخل أو مثل النار التي تأكل الخشب وهي تضيئه. وكلما اشتد سطوع الحضور كان الظل أكثر كثافة وامتداداً وكلما تم الاعتراف بالحقيقة ككيان نهائي كان الغياب أكثر حضوراً في غيابه يتسلل من خلال الفجوات وينتحب في ثنايا النصوص ويتربص في زوايا البراهين، يذكرنا بأن كل يقين يحمل شكه الخاص وأن كل بناء يحمل هدمه وأن كل حضور يحمل غيابه.
هذا الكشف الذي قد يبدو في ظاهره مزعزعاً هو في العمق تحريري لأنه يحرر الفلسفة من عقدة امتلاك الحقيقة ومن أوهام النهائية ومن استبداد اليقين ليفتحها على إمكانات لم تكن متاحة، على أسئلة لم تكن مطروحة، على طرائق في التفكير لم تكن مستكشفة. ويكون الغياب ليس عدوا للحقيقة بل حليفاً لها، ليس ناقصاً لها بل شرطاً لامتلائها ليس ظلا يزاح بل ضوءاً من نوع آخر، ضوءاً خافتاً لكنه نافذ يكشف عن أبعاد الحقيقة التي لا يبلغها الضوء القاسي للحضور المباشر.
وإذا أردنا أن ننظر إلى هذه القضية من زاوية وجودية نجد أن علاقة الإنسان بالحقيقة تشبه علاقته بذاته فذاته ليست حاضرة له كلياً ولا غائبة عنه كلياً بل هي في حالة صيرورة دائمة، في حالة ضياع وامتلاك، في حالة نسيان وتذكر، في حالة موت وحياة. وكما أن الإنسان لا يعرف نفسه إلا عبر الآخرين وعبر الزمان وعبر الأفعال وعبر الأخطاء، فإن الحقيقة لا تظهر إلا عبر السؤال وعبر الخطأ وعبر التعدد وعبر الزمن. والسؤال الفلسفي نفسه هو تجسيد لهذه الإشكالية، فهو حضور باعتباره فعلاً وغياب باعتباره لا يحمل جوابه النهائي فهو يقظة العقل ونومه في آن، شروق للضوء وغروب في الظلمة. وكل سؤال حقيقي هو احتفال بالغياب لأنه يقر بأن الحقيقة ليست في قبضة السائل بل في أفق تطلبه في رحلة بحثه وفي شغفه الدائم.
وتأتي أهمية الزمن في هذه المعادلة لأن الزمن هو فضاء الحضور والغياب الأكثر تعقيداً، الحاضر ليس إلا ومضة بين ماضٍ لم يعد وغدٍ لم يأت، هو نقطة ارتكاز وهمية، فاصل بين غيابين عظيمين. فكيف نبني حقيقة على حضور لحظي بهذا الهشاشة؟ كيف نؤسس معرفة على أرض تتحرك من تحت أقدامنا؟ الجواب كما رأينا ليس في إنكار الزمن أو تجاوزه بل في احتضانه، في جعله جزءاً من الحقيقة ذاتها، في الاعتراف بأن الحقيقة تتغير مع الزمن وأن ما نسميه حقيقة اليوم قد يكون غباء الغد وأن ما نعتبره بديهية الآن قد يصبح خرافة بعد قرن. هذا لا يعني النسبية المطلقة ولا الانهيار في مستنقع اللاأدرية بل يعني وعياً جدلياً بالحدود، يعني التواضع المعرفي الذي لا يمنع الطموح، يعني الحب الذي لا يخاف الفراق، يعني الأمل الذي لا ينكر الموت.
في خضم هذه التأملات يبرز دور الآخر كعنصر أساسي في بناء الحقيقة، فالآخر بوجوده وغيابه، بحديثه وصمته، بحضوره الجسدي وغيابه الرمزي، هو الذي يكسر مركزية الذات ويفتحها على أفق لا نهائي من الاحتمالات. والحقيقة في هذا المنظور ليست ملكية فردية ولا اكتشافاً ذاتياً بل هي حدث مشترك، حوار بين الأنا والآخر، بين الثقافات، بين الأزمنة، بين الأجيال. والآخر بما يحمله من اختلاف هو تجسيد حي للغياب، غياب المعرفة الكاملة عن الذهن، غياب التطابق، غياب الانغلاق. وهو أيضاً حضور: حضور سؤال، حضور رؤية، حضور عاطفة، حضور حياة. وبهذا يصبح الآخر شرطاً للحقيقة ليس لأننا بحاجة إلى تأكيده بل لأننا بحاجة إلى اختلافه إلى ما يزعزع يقيننا ويحفز فضولنا، إلى ما يكسر مرآة الذات ويجعلنا نرى من زاوية لم نكن نعرف وجودها.
وإذا انتقلنا إلى المجال الأخلاقي نجد أن إشكالية الحضور والغياب تكتسب أبعاداً جديدة لأن الخير والشر، الصواب والخطأ، الجميل والقبيح، لا يحضرون في صور جامدة بل في سياقات متغيرة وفي علاقات متشابكة وفي قراءات متعددة. فالحقيقة الأخلاقية مثل الحقيقة الفلسفية، لا توجد في نص مقدس ولا في قانون مكتوب ولا في وصية إلهية بل هي نتاج حوار وتاريخ وتجربة ونقد وتفكيك مستمر للمعطيات. وهي في هذا تشبه العقد الذي لا ينفك أو الجسر الذي ينهار ويعاد بناؤه كل يوم أو النهر الذي يتغير مجراه مع كل موسم. وما يجعله ممكناً ليس سوى الاعتراف بالغياب، غياب المعيار المطلق، غياب الحل النهائي، غياب الإجابة الوحيدة. وهذا الاعتراف بدلاً من أن يضعف الأخلاق، يقويها، لأنها تصبح اختياراً واعياً لا تلقيناً أعمى، تصبح إبداعاً لا تكراراً، تصبح مسئولية لا انقياداً.
وتتضح الصورة النهائية لإشكالية الحضور والغياب، إنها ليست معضلة تحل بل هي حالة تعاش، ليست لغزاً يفك بل سرا يُحتفى به، ليست فجوة تسد، بل فسحة تُستكشف. والفلسفة الحقيقية ليست تلك التي تزعم أنها ملكت الحقيقة بل تلك التي تعترف بعجزها عن امتلاكها وتظل مع ذلك تسعى إليها بكل ما أوتيت من قوة وشغف، مثل عاشق يعرف أن محبوبته لن تكون له كاملة، لكنه لا يتوقف عن البحث عنها في كل وجه وفي كل كلمة وفي كل لحظة. والحقيقة في هذا السياق تشبه وجه المحبوب، لا يُرى كاملاً ولا يُلمس مباشرة لكنه يظهر في الومضات، في الإشارات، في الهمسات، في الغياب الذي يمنح الحضور قيمته وفي الحضور الذي يجعل الغياب محتملاً.
إن بناء الحقيقة الفلسفية في ظل إشكالية الحضور والغياب ليس مأزقاً بل هو مكمن قوتها وخصوبتها لأنه يحررها من سلطة اليقين الواهم ويفتحها على أفق الحرية، على إمكانية التعدد، على متعة الاكتشاف، على ألم الفقد، على رحلة لا نهاية لها في متاهات المعنى، حيث كل زاوية تخفي زاوية أخرى وكل ضوء يلقي بظله وكل إجابة تولد عشرة أسئلة. إنه دعوة لأن نعيش الفلسفة لا كمجرد معرفة نكتسبها بل كفعل وجودي نختاره، كطريقة في الوجود، كأسلوب في العيش مع الغموض دون خوف، مع التناقض دون انهيار، مع الغياب دون يأس. وتصبح الحقيقة في أعمق معانيها ليست ما نقوله عنها بل ما نفعله بها، ليست ما نجده في النصوص بل ما نخلقه في لحظات الشغف والتساؤل، ليست ما نملكه بل ما نكونه، في حضورنا وغيابنا، في كلامنا وصمتنا، في حياتنا وموتنا، في كل ما يحضر وما يغيب من معاني الوجود التي لا تنضب ولا تستقر ولا تكتمل، لأنها في جوهرها ليست شيئاً بل هي فعل البناء الدائم على أنقاض الهدم، هي رغبة الحضور في عناق الغياب، هي حكاية الحقيقة التي لا تروى كاملة، لأن كمالها في نقصها وتمامها في تشظيها ونورها في ظلها وخلودها في فناها وحضورها في غيابها الذي لا يفارقها كما لا يفارق الليل النهار ولا يفارق الموت الحياة ولا يفارق السؤال الجواب ولا يفارق العاشق المعشوق في مسيرة العشق الأبدي.
***
د حمزة مولخنيف







